عن النعمان بن بشير عن أبيه أن امرأته سألته أن يهب لابنها هبة ففعل، فقالت: أشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه فقال: أعطيت ولدك كلهم مثل هذا؟ قال: لا، قال: إني أعدل، لا أشهد إلا على عدل (أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة) .
لقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في السمو الإنساني، وفي إقرار الحق والعدل واعطاء كل ذي حق حقه، وفي محاربة الظلم وإنصاف المظلوم، واحترام العهود والمواثيق متمثلا قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (سورة النحل الآية 90) .
يقول الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه النهجة السوية في الأسماء النبوية العادل: المستقيم الذي لا جور في حكمه، ولا يميل من العدل: ضد الجور . قال عمه أبو طالب يمدحه صلى الله عليه وسلم:
حليم، رشيد، عادل، غير طائش
يوالي إلاهاً ليس عنه غافل
ويقول أحمد فؤاد أمين في كتابه المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم: العدل في المصطلح الإسلامي هو الضد والمقابل للجور والظلم . والعدل فريضة واجبة فرضها الله سبحانه وتعالى على الكافة من دون استثناء، بل لقد فرضها على ذاته سبحانه وتعالى بالمعنى اللائق بذاته حتى لقد جعلها من أسمائه الحسنى .
فرضها على رسوله صلى الله عليه وسلم وأمره بها فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (سورة الشورى الآية15 ) وفرضها على أولياء الأمور والحكام تجاه الرعية والمتحاكمين: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً (سورة النساء الآية 58) .
قيمة عظيمة
ومن المواقف العظيمة التي تحرى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم العدل ومحاربة الظلم وإنصاف صاحب الحق وتنفيذ حدود الله، اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميراث ليس بينهما بينة ولا دليل واضح لحق كل منهما، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض (أو قال: ألحن بحجته من بعض) فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار . فبكى الرجلان وقال كل منهما للآخر: حقي لأخي، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إذ قلتما ذلك فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق ثم استسهما (أي اعملا قرعة على القسمين بعد قسمهما)، ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه .
وهكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرعى الله في الحق وفي المواريث، ويحذرنا من أن نتحايل لأخذ حق ليس من نصيبنا أو نطمع في مزيد على حقنا فهذا حرام ومصيره إلى النار .
يقول الدكتور جاد محمد عبدالعزيز في كتابه صور من أخلاق الأنبياء: لقد تمثل العدل في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كأوفى ما يكون التمثل وأعظمه، ولقد كان العدل أحد أسمائه صلى الله عليه وسلم وأعظم شعاراته ولم يأل النبي صلى الله عليه وسلم جهداً في تحقيق تلك القيمة الإنسانية العظيمة الشأن في جميع أحواله بينه وبين ربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين غيره من الناس .
أروع الأمثلة
لقد قدم لنا النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله تعالى أروع الأمثلة في العدل والاستقامة على الحق، فكان صلى الله عليه وسلم يعامل الناس قريباً كان أم بعيداً، صديقاً كان أم عدواً، كبيراً كان أم صغيراً، بميزان العدل الإلهي القائم على مبدأ المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، لذا لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه حابى أحداً على أحد، أو أنه أخذ أحداً بقرف أحد، أو صدق أحداً على أحد، بل كان الجميع أمامه سواسية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح .
عن عدله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أقربائه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: وأنذر عشيرتك الأقربين (سورة الشعراء الآية 214)، فقال: يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً . (أخرجه البخاري) .
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في ذروة العدل عندما امتنع عن قبول شفاعة أسامة في شأن المرأة المخزومية التي سرقت . وتحكي لنا السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك فتقول: إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (أخرجه مسلم) .