حذر الداعية والفقيه الأزهري، د .عبد الله بركات، العميد الأسبق لكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، الآباء والأمهات من تمييز بعض الأبناء على بعض، حتى ولو كانوا أكثر برا وطاعة . . مؤكدا أن العدالة والمساواة بين الإخوة تنزع من نفوسهم مشاعر العداوة والحقد التي قد تدفعهم إلى ارتكاب جرائم انتقامية غريبة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية .

كما حذر من القسوة والعنف مع الصغار، مؤكدا أن المنهج النبوي في التربية يقوم على الرحمة والرفق، ووصف كل أب يستخدم القسوة مع أولاده بالخروج على منهج الإسلام القويم .

وقال د .بركات في حواره مع #187;الخليج#171; إن الإسلام لا يعرف ما يطلق عليه في بعض بلادنا العربية #187;قتل الشرف#171;، وأوضح أن الإسلام أكرم المرأة وأكد انسانيتها وأن ما تتعرض له من ظلم سببه العادات والتقاليد التي لا علاقة لها بتعاليم وأحكام الإسلام . وفيما يلي نص حوارنا معه:

فجعنا مؤخراً بجريمة قتل شاب لشقيقه قبل زفافه بأيام، بسبب تمييز والدهما للقتيل على القاتل . . ماذا تقول للآباء الذين يرتكبون هذا الخطأ التربوي القاتل؟ وهل من حق الأب أن يميز أبناءه البارين بشيء من ثروته؟

الإسلام دين العدل والمساواة والإحسان وهو يرغب الوالدين في العدل بين أولادهما ليدوم الحب والود والبر بين الإخوة وبين الآباء والأمهات، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: #187;اعدلوا بين أبنائكم ولو في القُبل#171;، فالعدل بين الأبناء واجب ليدوم الاستقرار العائلي ويحقق الأمن والأمان، وإذا وجد الأب أحد الأبناء عاقا له فلا يجوز له شرعا أن يقابل العقوق بالعقوق، بل عليه أن يقابل العقوق بالبر والعدل ليكون قدوة لأبنائه، ولعل البر من الوالد يكون سببا في استحياء الابن من حسن معاملة أبيه له، ويؤدي هذا إلى رجوع الولد إلى بر أبيه بسبب ما يحرص عليه الوالد من العدل بين جميع أبنائه .

إن الآباء الذين يخصون أولادهم البارين ببعض أموالهم وممتلكاتهم ويغدقون في الإنفاق عليهم، يزرعون القسوة ويغرسون بذور العداوة والبغضاء بين أبنائهم، والجريمة التي أشرت إليها خير دليل على ذلك .

وهنا لابد من كلمة للابن القاتل: لقد ارتكبت جريمة قتل روح بريئة . . روح هي أقرب الأرواح إليك، ولا يوجد ما يبرر هذه الجريمة النكراء حتى ولو اختص والدك شقيقك بكل ثروته، فاستغفر ربك وانتظر القصاص الرادع الذي تستحقه، وليكن في هذه الجريمة عبرة وعظة لكل إنسان .

إفشاء الأسرار الزوجية

انتشر وباء إفشاء أسرار البيوت بين كثير من الأزواج والزوجات . . ما موقف الشرع من الزوج أو الزوجة التي تكشف أسرار علاقتها الخاصة بزوجها؟

خصوصية العلاقة الزوجية لها حرمتها، ولا يجوز لأي من الزوجين أن يتحدث عنها تحت أي ظروف، والزوج الذي ينقل سر علاقته الخاصة بزوجته، أو الزوجة التي تنقل سر علاقتها بزوجها، كل منهما إنسان #187;منحط أخلاقياً ومريض نفسياً#171;، فلا يوجد إنسان عاقل لديه مروءة وكرامة وشهامة يتحدث مع زملائه أو أصدقائه عن علاقته بزوجته وما يحدث بينهما في غرفة النوم .

إن الحياة الزوجية لن تستقر على دعائم متينة من الحب والألفة إلا إذا كان هناك احترام متبادل بين الزوجين، والزوجة التي تفشي أسرار حياتها مع زوجها لا يمكن أن تكون جديرة بالاحترام، والكلام نفسه ينطبق على الزوج، وقد أوصى الإسلام بالحفاظ على أسرار الحياة الزوجية، سواء العلاقات الخاصة أم ما يتعلق بأمور الأسرة بصفة عامة .

فعلى كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية أن يحافظ على سر الآخر ويحترم خصوصياته، فالإسلام دين العفة والكرامة .

رجولة زائفة

انتشرت جرائم العدوان على النساء بسبب علاقات مشبوهة أو شائعات مغرضة تحيط بهن، وذلك فيما يسمى بجرائم الشرف، هل من حق الآباء والإخوة والأزواج معاقبة المرأة على جريمة تمس الشرف؟

لا خلاف على أن الزنى كبيرة من الكبائر، وهو من أكبر الجرائم الأخلاقية التي أفسدت حياة المسلمين في العصر الحديث، ولا خلاف على أن الإسلام جرم هذا السلوك وأمر بمعاقبة كل من يقترفه من الرجال والنساء على حد سواء، لتطهير المجتمع من هؤلاء المفسدين الذين ينشرون الفاحشة في مجتمعات المسلمين، لكن الزنى الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله سبحانه: #187;ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا#171;، وحذر منه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة، له عقوبة شرعية معروفة تطبق على الرجل والمرأة المشتركين في هذه الجريمة، وقد ورد النص عليه في قول الحق سبحانه: #187;الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين#171;، وهذه العقوبة خاصة بالزاني والزانية غير المحصنين #187;أي غير المتزوجين#171;، أما الزانيان المحصنان فعقوبتهما الرجم .

ولكن إذا كنا نرفض هذه الجريمة من منطلق ديني، ويدعي البعض أنه يطبق حكم الله الذي لا يطبق الآن في معظم مجتمعات المسلمين، فلماذا نختص المرأة وحدها بالعقوبة ونعفي منها الرجل؟

للأسف نحن في بلادنا العربية والإسلامية ندين هذه الجريمة من منطلق قبلي، حيث نرى أن الفتاة هي الوحيدة التي تجلب العار والفضيحة للأسرة، أما الرجل فهو في حالة تعدد علاقاته النسائية غير المشروعة ينظر إليه نظرة أخرى، حيث يفتخر به البعض ويرون فيه رمزًا للرجولة!!

إن القتل استناداً لشبهات وشكوك وظنون باسم الشرف سلوك إجرامي لا علاقة له بالإسلام أو الرجولة .

قسوة مرفوضة

كيف ترى الجرائم الأسرية التي تحدث بسبب القسوة المفرطة من جانب الآباء وبعض الأمهات في تربية الأبناء؟

هذه قسوة مرفوضة ومدانة شرعاً وعقلاً وعرفاً، والرفق في تربية الأبناء منهج تربوي نبوي لا يجوز لمسلم أن يخرج عليه أو يخالفه . . والأولاد زينة الحياة الدنيا، وهم نعمة من الله إلى من يشاء من عباده، وعندما جاء رسولنا الكريم جاء برحمة عامة شاملة، وكان للطفل مكانة خاصة ونصيب كبير من هذه الرحمة وقد حرص الصحابة رضي الله عنهم على أن يذهبوا بأطفالهم حديثي الولادة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ليحنكهم بالتمر بمعنى أن يمضغ رسولنا الكريم تمرة حتى تصير مائعة بحيث تبتلع ثم يفتح فم الوليد ويضعها في فيه ليدخل شيء منها إلى جوفه ولهذا الفعل دلالات كثيرة، فهو لون من التماس البركة من رسول الله، وهو تفاؤل حسن بدخول شيء حلو إلى جوف الصغير .

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حفيا بالأطفال . فقد كان عليه أفضل الصلاة والسلام يصلي وهو يحمل #187;أمامة بنت زينب#171; حفيدته من أبي العاص بن الربيع فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها .

وكان رسول الله إذا مر على غلمان أو صبيان سلم عليهم ومازحهم وتواضع معهم .

هذا هو حال رسول الله وإذا كان منا من يريد أن يسير على نهجه عليه الصلاة والسلام ويحقق أوامره فعليه أن يرعى أولاده ولا يروعهم ويقسو عليهم في تربيتهم وتوجيههم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه في الغزوات ويقول لهم لا تقتلوا الصبيان ولا النساء ولا الشيوخ لأنهم ضعاف . . وهم أبناء الأعداء فما بالنا بأبنائنا فلذة أكبادنا؟

كما يجب علينا أن ندرك أن أبناءنا خلقوا لزمان غير زماننا والقسوة في التعامل معهم ستدفع بهم إلى سبل الانحراف والضياع وما أكثرها وسيخلق بيننا وبينهم عداوة وكراهية .

الكثير من الخلافات بين الزوجين تتعلق بالأعباء المنزلية وهل هي فرض على الزوجة؟ فهل الزوج ملزم شرعا بتوفير خادمة لزوجته؟

نعم الزوج ملزم شرعاً بتوفير خادمة لزوجته لأن الزوجة في الشرع لها السكن والمأكل والمشرب والثياب والعلاج والخادمة ولكن مع قولنا بوجوب هذا على الزوج إلا أننا نحتكم إلى أمره سبحانه وتعالى: #187;لينفق ذو سعة من سعته#171; أي أن الزوج ملزم بتوفير الخادمة إذا كان هذا في استطاعته .

أما إذا كان الزوج غير قادر عن توفير الخادمة فيجب على الزوجة ألا تعضله وتطلب منه ذلك، خاصة إذا تزوجته وهو على حاله هذه من عدم المقدرة .

وإذا كانت الزوجة تريد خادمة لأنها غير متفرغة لشؤون البيت ومشغولة بعمل أو وظيفة معينة ففي هذه الحالة عليها أن تشارك مع زوجها إن كان قادرا في نفقات هذه الخادمة، ولا تقول إنها مسؤولية الزوج وواجبه، لأن الزوج في هذه الحالة من حقه أن يمنعها من العمل ويلزمها بيتها لرعاية البيت وشؤون الزوجية والأبناء، فعليها أن تعطي مقابل هذا الوقت الذي هو من حق زوجها وأولادها وتشارك في نفقات الخادمة، وليس هذا فحسب بل تشارك في نفقات كل شيء في المنزل وليس هذا هنا منًّا على الزوج .

ظاهرة سيئة

نلاحظ أن انصراف الشباب عن الزواج أصبح ظاهرة تداعياتها الاجتماعية سيئة للغاية . . ما موقف الإسلام من هذه الظاهرة؟

الإسلام شرع الزواج وحث القادرين على تكوين أسرة صغيرة وقد حرص الإسلام على وضع مجموعة من الأسس والعناصر التي لابد من توافرها لضمان قيام أسرة مستقرة صالحة باعتبارها اللبنة الأولى في بناء المجتمع فإن كانت لبنة قوية متماسكة صالحة كان المجتمع كذلك وإن كانت غير ذلك عانى المجتمع كله .

وللحث على الزواج جعله الله عز وجل آية من آياته سبحانه وتعالى حيث يقول: #187;ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة#171; .

ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول موجها حديثه لشباب الأمة في كل عصر: #187;يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج#171; فهذا أمر من رسول الله لكل قادر مادياً ونفسياً وصحياً على تحمل نفقات وأعباء الزواج لكن لماذا؟ لأنه أحصن للفرج وأغض للبصر فديننا الحنيف يعلمنا أن الزواج هو حصن منيع تتحطم عليه سهام الشيطان كما أنه يلبي الغرائز الجنسية التي خلقها الله تعالى في الإنسان ذكرا كان أم أنثى، كل هذا أو غيره من التوجيهات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تجعل الزواج أمرا واجبا وضروريا لحماية المجتمع من أي انحراف أخلاقي أو سلوكي .

إن العزوف عن الزواج مع توافر المقدرة المادية والصحية والنفسية يعد خروجا عما أمرنا به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ويتضح هذا مما حدث من بعض الصحابة حينما أرادوا أن يتعمقوا في دينهم ويكونوا أكثر التزاما بتعاليمه من غيرهم، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر أنا أقوم الليل ولا أنام وقال الثالث: وأنا لن أتزوج النساء . . وبعد أن علم الرسول عليه الصلاة والسلام بما قالوا قال: أنا أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني .

إذا كان السبب في هذا العزوف هو عدم القدرة المادية والمغالاة في المهور والتعسير الذي يواجهه الشاب عند الإقدام على الزواج فهذا الأمر يفرض على الجميع أن يتكاتفوا لعلاجه وتلافيه نهائيا، وهناك تجارب رائدة في هذا المجال لبعض الدول التي أخذت على عاتقها تقديم العون والمساعدة لكل من أراد الزواج مثل صندوق الزواج في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي قدم مساعدات عظيمة في هذا المجال .

الحوار الأسري

بعض الرجال يرفضون مشاورة زوجاتهم في اتخاذ القرارات الأسرية حتى المصيرية منها، بل إنهم ينظرون إلى الزوجة على أنها مجرد وسيلة للاستمتاع فقط، كيف يمكن تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة العالقة بعقول هؤلاء الرجال؟

هناك للأسف أمثال شعبية تؤكد هذه المفاهيم الخاطئة مثل: #187;مشورة امرأة ترجع مئة سنة للوراء#171; وتتم زراعة هذه المفاهيم الخاطئة أثناء التربية بالتفرقة بين الذكور والإناث، ويجب أن نوضح لأصحاب المفاهيم الخاطئة الأمر الإلهي الشامل في وصف المؤمنين حقا #187;والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون#171; .

ولنجعلهم يقرأون سيرة رسول الله مع زوجاته لأنه الذي وصفه الله في قرآنه: #187;لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً#171;، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشدد في كل المواقف على حسن معاشرة الزوجة والتشاور معها في كل الأمور حتى فطام الأطفال: #187;فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما#171; وقال أيضا: #187;وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً#171; .

يتهم البعض الإسلام بظلم المرأة وللأسف يستندون في ذلك إلى بعض التصرفات الخاطئة من رجال لا يفهمون دينهم . . كيف تواجه المرأة المسلمة التيارات التي تحاول إبعادها عن الدين بدعوى أنه لم يوفر لها أية حقوق؟

يحاول خصوم الشريعة الإسلامية في الداخل والخارج اتخاذ المرأة رأس حربة لضرب الإسلام، باعتبارها أكثر البشر تأثيراً في غيرها وبأساليب ناعمة وخاصة مع زوجها وأطفالها، وهؤلاء يدعون أن الإسلام ظلم المرأة مستندين إلى ما تتعرض له المرأة المسلمة من تصرفات ظالمة مرفوضة شرعاً وعقلاً في أنحاء عديدة من العالم الإسلامي، ولو أنهم درسوا الإسلام دراسة موضوعية بعيدة عن الغرض لوجدوا أن هذا الدين العظيم أكرم المرأة وأكد إنسانيتها، وأعطاها ذمة مالية مستقلة، وساواها في التكاليف الشرعية وفي الحقوق والواجبات مع الرجل، وبالتالي فإن الظلم الواقع عليها سببه العادات والتقاليد التي لا تمت إلى الإسلام بأية صلة .