لا يمكنك الحديث عن اعرق أحياء القاهرة دون شهادة ميلاد موثقة بروائح الناس وحيواتهم، وتفاصيلهم الحميمة، وإذا كان المكان يتلون بالبشر فهناك من عاشوا ليحفظوا عبر أجيال سيرة الحي كمكان وتاريخ وعائلات.

المناسبة اختيار كلية الهندسة بجامعة عين شمس لحي العباسية والظاهر كأعرق أحياء القاهرة التي احتفظت بجمال العمارة الكوزموبوليتانية، وذلك في إطار فعاليات الاحتفال بمرور مائة عام على إنشاء كلية الفنون الجميلة. وإذا كانت العلاقة وطيدة بين المكان والعمارة فلا يمكن إغفال البشر من معايشة المكان، وللبشر أفراد وعائلات، صعاليك ومشاهير، حكايات رائعة، التقينا بأشهر من حكوها موثقة بالتاريخ وأسماء أبطاله.

حمدي أحمد أبو إسماعيل يعرف سكان شارع سليم عبده بيتاً بيتاً، وكذلك يعرفه الجميع كباراً وصغاراً، وعن حكايته مع الحي يقول: هناك أكثر من مدخل للحديث عن العباسية بداية من اسمها المنسوب للخديوي عباس باشا الأول ابن إبراهيم باشا الابن الأكبر لمحمد علي باشا وعباس باشا هو الذي أنشأ السكن الحديد، وفي عهده شقت قناة السويس، وأنشئت كلية البوليس، كما خرج في عهده المحمل، وكان يمر من هنا من العباسية التي كانت وقتها صحراء وجبانات تحكي تاريخ المماليك والعثمانيين.

وعن التحف المعمارية يقول: هناك قصر طلعت حرب باشا الذي تشغله كلية التربية النوعية الآن، والقصر ملحق به مسرح وهناك قصر الزعفران، مقر إدارة جامعة عين شمس، وهناك المستشفى الإيطالي والمستشفى اليوناني وكلاهما تم إنشاؤه عام 1932 بواسطة المقاول الإيطالي دانتمار والذي أنشأ كورنيش الإسكندرية.

والعباسية موطن نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وعدد آخر من المشاهير كانوا يسكنون كما قال حمدي في شارع البراد الموازي لشارع أحمد سعيد الشهير ومنهم محمد الموجي الملحن الشهير، والفنان توفيق الدقن، ومحمد الدفراوي، ويوسف فخر الدين، وصلاح ذو الفقار، وحاتم ذو الفقار ولكن يتصدر الجميع الزعيم جمال عبدالناصر الذي سكن العباسية لفترة من أواخر الأربعينات حتى 1952 وكان وقتها مدرساً بالكلية الحربية.

وفي شارع سبيل الخازندار كان يسكن الفنان فؤاد المهندس في فيلا الأسرة التي أقيم فوقها مستشفى طيبة.

حمدي الذي لم يكمل الأربعين من عمره يحفظ تاريخ منطقته جيدا عبر روايات تناقلها الآباء عن الأجداد، ويقول بمحبة غامرة عن الحي: الناس هنا عائلة واحدة، ورغم وجود حوالي 30 مدرسة بجانب كلية الهندسة إلا أن شهامة أولاد البلد تحظر معاكسة البنات أو التحرش بهن.

في العباسية يعتبر أيمن مصطفى نديم الدليل السياحي للحي العريق، أما والده فيعتبر جبرتي الحي، لما عاصره، وحفظته ذاكرته عن الكيان ومشاهيره، وأسرته تتوزع جذورها بين الشام والمغرب، وتتفرع بين الإسكندرية والمحلة في مصر التي استقبلت الجيل الأول للأسرة في أواخر القرن ال،19 حيث اشتهروا بتجارة العطارة والبقالة، ويقول الابن الأكبر أيمن: كل شارع في العباسية له تاريخ ومشاهير، فمن شارع القبة الخديوية إلى شارع ريدان شارع يشتبك وشارع الأمراء، إلى شارع حارة الفرن وغرب القشلاق (الذي كان يضم معسكرات الإنجليز) إلى شارع عظيم الدولة الذي كان يمر به المحمل حاملا كسوة الكعبة الشريفة للأراضي الحجازية، إلى شارع الوزير اليهودي الشهير يوسف قطاوي وشارع سبيل الخازندار، والسكة البيضا وحتى شارع البوليس، تبدو العباسية ككتاب مفتوح على التاريخ.