إن حالة الشعور بالاستكبار والاستعلاء التي يعيشها إنسان الحضارة الغربية المعاصرة تجعله يصف الإنسان المسلم بأقبح الصفات ويصنفه في أدنى الطبقات، فهو الجاهل المتعصب الرجعي الأصولي، وهو العنيف المقهور والإرهابي، الذي لا يعرف الحرية ولا يقبل العيش مع الآخر، كما يرفض الحضارة، ويتأبى على المدنية.

وليس في هذه النظرة الدونية للشخصية المسلمة المعاصرة مبرر يقتضيها أو ذنب اقترفه المسلم في حق الأوروبيين، فضلا عن برهان صحيح أو حجة مستقيمة، إذ أن مبنى هذا الحكم الظالم على المسلم يقوم على مشاهد مادية مغرقة في الضعف المحسوس والمظاهر وحالة التراجع التي تبدو عليها الشخصية المسلمة في العصر الحديث، بحسبان أنها فقيرة في المادة وفي تحصيل العلم والمعرفة التكنولوجية مع كونها لازمة لارتياد آفاق الازدهار والتقدم.

وإذا كان ذلك مقبولا بحسب الظاهر والواقع، فإن الحقيقة الناصعة أن تحصيل المسلم للعلم التقني والعلوم الكونية ليس عصيا عليه فإنه إذا تخلص من الأسباب والمعوقات التي تكبل حركته وتجمد فكره فبإمكانه النهوض، وهي في جملتها تعود إلى الغرب نفسه وسعيه الدائم للإبقاء على حالة التخلف وإلى قصور المسلم في تطبيق معطيات دينه، فإن في هذه المعطيات من المحفزات والقوة الإيمانية الدافعة، ما يجعله قادرا ومؤهلا لاستيعاب العلوم الكونية الحديثة للانطلاق على طريق النهضة.

ذلك أن المسلم مسوق بنصوص قطعية من القرآن والسنة، والسوابق الإسلامية في العصر الأول إلى طلب العلم في كل تخصصاته لا فرق في ذلك بين العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية، يكفي أن نذكر منها قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (فاطر: 28).

فالآية الكريمة تتحدث عن خليط من العلوم الطبيعية وعلوم النبات والحيوان وطبقات الأرض (الجيولوجيا) وتدل على أن العالمين بهذه العلوم هم الذين يخشون الله ويعرفون له قدره.

ونلمس هذه الحفاوة بالعلم وطلب الاستزادة منه بقوله تعالى: وقل رب زدني علماً (طه: 114)، وبالمثل فإن رفعة مكانة العلماء تبرز في قوله تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (المجادلة: 11)، وفي السياق ذاته نجد تقدير العلماء وأصحاب الفكر في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء، وأن العالم يفاضل العابد، ومما روي في هذا المعنى قول الرسول صلوات الله عليه: فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر.

وقد عرف المسلمون الأوائل الرحى الهوائية، واعتمدوا على العلم التجريبي الذي يتأسس على المشاهدة والملاحظة، حتى لقد ذكر جوستاف لوبون: أن القاعدة عند العرب هي جرب وشاهد ولاحظ تكن عارفا بينما كانت القاعدة عند الأوروبيين إلى ما بعد القرن العاشر الميلادي: اقرأ في الكتب وكرر ما يقول الأساتذة تكن عالما، وشتان ما بين القاعدتين فالأولى تأخذ بمفهوم العلم وآلياته الصحيحة، والثانية تقوم على الحفظ والتكرار وهو ما يسمو بالحضارة الإسلامية على سائر الحضارات، وهذا مرده إلى يقينها الإيماني، وتفوقها المادي العلمي على الحضارة الأوروبية الحديثة.

ومن المستغرب أن يشيع الغرب عن الإنسان المسلم كل النقائص والمعايب التي أشرنا إليها، في الوقت الذي يعتصم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ديسمبر ،1948 ويدافع عنه كمنجز للحضارة الغربية، في الوقت الذي يلحق فيه بالمسلمين أحزانا يعجز عنها الوصف، وفيه: لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، وهي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة، ويتحرر من الفزع والفاقة.. الخ.

كان جديرا بالإنسان الغربي أن يتمسك بهذا القول ويحتذي العمل به مع الإنسان المسلم في كل مكان، لكن الشواهد كلها تكذب ذلك، برهانه ما يجري من تحقير وانتهاك لآدمية العربي والمسلم في فلسطين وفي العراق والسودان وأفغانستان من معاملة غير إنسانية، خارجة على كل مقررات الإسلام والأديان، والمواثيق العالمية.

* الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية