ماذا لو أراد قطار العدالة في المغرب أن يتحرك؟ وما كلفة هذا الحراك على الصعيد البشري والمالي والحقوقي؟ فالكثير من ملفات العدالة في المغرب ماتزال مطمورة، والعديد من المشكلات التي يتخبط فيها القطاع تؤكد أن مشروع الإصلاح ليس بالأمر الهين واليسير في ظل الظروف العامة التي تجتازها البلاد، لكن مشروع الإصلاح الذي يرفعه وزير العدل الحالي في عهد حكومة عبدالإله بنكيران، ينطلق من الشعارات التي رفعها وزراء العدل السابقون، طوال الفترة الماضية التي عرفت انفتاح المغرب على مشاريع ديمقراطية، كان القضاء وإصلاحه، جزءاً من الصورة الجديدة للحكم في مغرب محمد السادس .

الحماسة لإصلاح قطاع العدل والقضاء في المغرب، لا تفيده الحماسة ولا حتى النوايا الحسنة فقط، فوزير العدل والحريات مصطفى الرميد، القادم من قطاع المحاماة، والعارف بالدهاليز السرية لهذه البئر، رسم صورة مشكلة بتدرجات السوء، ودق ناقوس الخطر، مشيراً إلى أن مغرب ما بعد الربيع العربي يجب أن يضع إصلاح القضاء، جملة وتفصيلاً، في صلب اهتماماته، وكأنه يريد المزيد من الضمانات من قبل الحكومة وجهات القرار العليا في البلاد، بالمضي قدماً على مستوى الإرادة السياسية في هذا المجال، وكبح كل التراجعات والتوافق بهدوء على سبل الإصلاح وطرقه من دون ترويع أو اهتزاز أو زعزعة للاستقرار العام ولا لاختصاصات المؤسسات الدستورية .

وتتلخص سياسة وزارة العدل والحريات في مجال الإصلاح في ضمان الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة برمتها ووضعها ضمن صدارة وأولويات برامج الإصلاح، وذلك بالنظر إلى المكانة التي أصبح يحتلها القضاء بمقتضى الدستور الذي ارتقى بالقضاء إلى سلطة قضائية مستقلة، هذا فضلاً عن دور القضاء في البناء الديمقراطي وتوطيد الاستقرار الاجتماعي، وحماية حقوق والتزامات المواطنة، وصون الحريات وضمان ممارستها الفعلية، وتحقيق الأمن القضائي والالتزام بسيادة القانون، وترسيخ الثقة الكفيلة بالتحفيز على المبادرة والاستثمار .

وفي هذا الإطار، التزمت الحكومة بمواصلة الإصلاحات الجوهرية وفق مخطط مضبوط ومتكامل بما في ذلك إعداد كل من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والقانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة، بما يضمن تعزيز استقلال القضاء، وصيانة حرمته ووقاره، وتحصين كرامة وشرف وهيبة مكوناته كافة، مع العمل على متابعة تحديث المنظومة القانونية سواء في ما يتعلق بتحسين مناخ الاستثمار أو بضمان ممارسة الحريات، ولاسيما مراجعة قانون المسطرة الجنائية ومجموعة القانون الجنائي لمزيد من الملاءمة مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان .

كما تم الالتزام بتنفيذ برامج تأهيل الهياكل القضائية والإدارية والنهوض بمواردها البشرية، وترسيخ التخليق، وجعل القضاء في خدمة المواطن، بدعم ضمانات المحاكمة العادلة، وتحقيق فعالية ونجاعة القضاء وقربه، وتبسيط المساطر والإجراءات القضائية وتوحيدها، وتسهيل ولوج المتقاضين إلى المحاكم، وتحسين ظروف العمل والاستقبال، ونهج الشفافية والحكامة الجيدة في الإدارة القضائية، وترسيخ احترافية القضاء وتخصصه عن طريق الارتقاء بالتكوين الإعدادي والتكوين المستمر للقضاة والموظفين ومساعدي القضاء .

وموازاة مع ذلك، اتخاذ الإجراءات العاجلة للرقي بمستوى الإدارة القضائية عن طريق استعمال التكنولوجيا الحديثة في أفق التحديث والمكننة الشاملة لجميع محاكم المملكة خلال الأمد القريب، لتسريع إجراءات البت في القضايا، وضمان جودة وشفافية الخدمات القضائية، والرفع من القدرة التواصلية للمحاكم مع المتقاضين وتعميم نشر المعلومة القانونية والقضائية . مع تكثيف التعاون القضائي الدولي، وخلق وحدات للمساعدة القانونية المجانية، وتشجيع الوسائل البديلة لحل المنازعات، فضلاً عن تفعيل اللامركزية الإدارية والمالية لضمان فعالية الإدارة القضائية على الصعيد الجهوي، وكذا الرفع من مستوى الخدمات الاجتماعية المقدمة من طرف المؤسسة المحمدية لقضاة وموظفي العدل .

وترتكز مرجعية إصلاح منظومة العدالة، حسب برنامج الرميد، على قاعدة صلبة، تتشكل من الإجماع الوطني على ضرورة إصلاح منظومة العدالة، ومن التوجيهات الملكية بشأن الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة وجعل القضاء في خدمة المواطن، إضافة إلى مقتضيات الدستور بشأن السلطة القضائية المستقلة ودور القضاء في حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون، ومحصلتها اتباع المنهجية التشاركية بإشراك الفعاليات المعنية كافة، واستقراء الواقع القضائي وتشخيص وضعية العدالة المغربية، بهدف إيجاد الحلول العملية الناجعة لمشكلاتها، وتجاوز مبادرات الإصلاح الجزئية التي ميزت المراحل السابقة .

محاور الإصلاح

من ضمن الأولويات، العمل، على مجال حقوق الإنسان، بمواصلة تعزيز الممارسة الاتفاقية للمملكة المغربية في مجال حقوق الإنسان، من خلال الإعلان عن قرار الحكومة المغربية بشأن المصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، واستكمال ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب في نطاق أحكام الدستور، ووضع سياسة عمومية مندمجة في مجال حقوق الإنسان استناداً إلى ما ورد في الدستور وما تضمنه البرنامج الحكومي بهذا الخصوص، وتفعيلاً كذلك لما جاء في الخطة الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان . هذا مع الاهتمام بحقوق الفئات، ومكافحة كل أشكال التمييز، والعمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان والنهوض بها والتربية عليها، استناداً إلى ما تضمنته الأرضية المواطنة للنهوض بثقافة حقوق الإنسان، وذلك كله بتعاون مع جمعيات المجتمع المدني والمنظمات والهيئات الدولية المعنية . وتسعى وزارة العدل إلى وضع إطار قانوني ينظم حق التجمهر والاعتصام في الأماكن العمومية وعملية تقديم العرائض والملتمسات، مع السهر الدائم على ضمان شروط المحاكمة العادلة، وحماية الحريات العامة والأمن العام، ومراقبة الدعوى العمومية وترشيد الاعتقال الاحتياطي، والأخذ بنظام بدائل العقوبات السالبة للحرية، وتتبع ظروف الاعتقال، وتوفير أفضل الظروف لتفعيل أكبر لدور قاضي تنفيذ العقوبة واللجان الإقليمية لمراقبة السجون، مع التفكير في إمكانية الأخذ بتجربة قاضي الحريات في إطار تعزيز ضمانات احترام الحريات والتمتع بالحقوق في جميع مراحل المحاكمة .

وضعية مقلقة للعدالة المغربية

يتبين من تشخيص الوضعية القضائية بالمغرب، حسب وزير العدل، وجود عدة معوقات وصعوبات تعانيها العدالة المغربية، وذلك على عدة مستويات، حصرها في ضرورة الإسراع بتنزيل مقتضيات الدستور بشأن السلطة القضائية، وإعداد القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والقانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة، والعمل على عقلنة الخريطة القضائية، بسبب تضخم في عدد الوحدات القضائية: 110 محاكم، و178 مركزاً للقضاة المقيمين نصفها غير مشغل يتعين إعدادها لتفعيل قضاء القرب، إضافة إلى 241 محكمة للجماعات تم حذفها ويتعين توفير خدمات قضاء القرب بها، وبطء في البت وتطور غير متكافئ بين القضايا المسجلة والقضايا المحكومة والأحكام المنفذة، فعدد القضايا الرائجة أمام المحاكم وصل إلى 054 .372 .3 قضية سنة ،2011 في حين لم يبلغ عدد القضايا المحكومة سوى 469 .456 .2 قضية أي بنسبة بت بلغت 85،72%، في حين تخلف أمام محاكم الموضوع ما مجموعه 305 .915 قضايا، أي 15،27% من القضايا الرائجة . كما أن نسبة مهمة من الأحكام تبقى من غير تنفيذ (20%)، مع وجود صعوبات في التنفيذ ضد الإدارات العمومية وشركات التأمين، وصعوبات وإشكاليات في التبليغ تسهم في البطء في البت، إضافة إلى عجز كبير بالنسبة إلى قضايا التنفيذ الزجري .

زيادة على ذلك، فإن السياسة الجنائية في المغرب في حاجة إلى تطوير، ويؤكد وزير العدل أن من أهم معوقات السياسة الجنائية عدم ترشيد الاعتقال الاحتياطي (43% من السجناء هم معتقلون احتياطيون، حيث بلغ عددهم 28500 من أصل 65200 نزيل )، مع نقص في تفعيل الآليات البديلة للاعتقال، وعدم التفعيل الأمثل لمبدأ الملاءمة بما يخدم مصالح الأطراف والمصلحة العامة، وغلبة التطبيق الآلي للنصوص القانونية من قبل النيابة العامة . ما يستوجب جعل النيابة العامة آلية أساسية لتوفير الحماية وضمان احترام ممارسة الحقوق والحريات والسهر على التطبيق السليم للقانون، والاهتمام بتظلمات وشكاوى المواطنين ومعالجتها بالفورية اللازمة، وتقوية ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان بين الأشخاص المكلفين إنفاذ القانون .

والأساس في كل إصلاح هو المال، فضعف الميزانية المخصصة لقطاع العدل، لا يساعد على تحقيق مشاريع الإصلاح مهما كانت طموحة، فقد بلغت الميزانية القطاعية للوزارة سنة 2012 ما مجموعه 146 .3 مليون درهم بما في ذلك نفقات الموظفين أي ما يشكل 88 .1% من الميزانية العامة للدولة برسم سنة ،2012 علماً أن نفقات موظفي الوزارة تبلغ 000 .060 .261 .2 درهماً، بينما تبلغ نفقات المعدات والنفقات المختلفة 000 .000 .311 درهم، وميزانية الاستثمار 000 .000 .574 درهم .

إضافة إلى النقص المهول في البنيات التحتية للمحاكم في المغرب، ويتجلى في ضعف طاقة بنايات المحاكم ( وضعية 30 محكمة على الأقل في حاجة عاجلة إلى المعالجة)، وفي الخصوص في البنية التحتية المعلوماتية (50 محكمة تنتظر أن تشملها عملية التحديث)، وضعف في الشبكة الكهربائية للعديد من المحاكم، وقلة في السيارات المخصصة للجلسات التنقلية، والتفتيش، والزيارات التفقدية لمخافر الضابطة القضائية والمؤسسات السجنية .

وهناك أيضاً عدم مسايرة للتطور في المجال المعلوماتي ونقص في اعتماد الإدارة القضائية على المعلوميات، فمازال العديد من المحاكم التي استفادت من برامج التحديث لا تفعل النظام المعلوماتي الخاص بها، ولا توظف مواقعها الإلكترونية في تقديم الخدمات القضائية للمتقاضين، إضافة إلى الازدواجية في عمل كتابة الضبط بين العمل اليدوي والعمل بالحاسوب، ما يحول دون الاستغلال الأمثل للمعلوميات في تسريع الإجراءات .

ومربط الفرس في كل ذلك هو إشكالية التخليق في قطاع العدالة، ويتجلى ذلك من خلال مطالب فعاليات المجتمع المدني باتخاذ مبادرات لتعزيز جهود تخليق قطاع العدالة بكل مكوناته، ودعم شفافية القطاع عبر الصياغة السريعة للأحكام ونشرها، مع المطالبة بإشهار العقوبات التأديبية النهائية للعاملين في الحقل القضائي والمهن القضائية، رغم بعض العقوبات التي صدرت في حق قضاة مرتشين من عزل وتأديب وإحالة على التقاعد . فتقرير الهيئة الوطنية للوقاية عن الرشوة يضع قطاعي العدل والصحة في المغرب على رأس القطاعات الأكثر ارتشاء في البلاد، ما يجعل من كل محاولة إصلاح، لا تأخذ بهذا الجانب مجرد صيحة في واد .

دعا الرميد إلى وضع ميثاق لإصلاح منظومة العدالة في المغرب من خلال إحداث عدة أجهزة من بينها الهيئة العليا للحوار الوطني عن إصلاح منظومة العدالة؛ وهيئة إدارة الحوار الوطني عن إصلاح منظومة العدالة، وتسعى إلى عقد مناظرة الحوار الوطني عن إصلاح منظومة العدالة يتمخض عنها وضع ميثاق الإصلاح .

فالهيئة العليا للحوار الوطني عن إصلاح منظومة العدالة، هي بمنزلة مجلس للتوجيه والتنسيق، يحدد عدد أعضائها من 15 إلى 20 شخصاً برئاسة وزير العدل والحريات . وتتولى هذه الهيئة تنسيق إدارة الحوار الوطني، ورصد المقترحات وصياغة مشروع الإصلاح على ضوء ذلك، وتتبع تنفيذ ميثاق الحوار الوطني عن إصلاح منظومة العدالة .أما هيئة إدارة الحوار الوطني بشأن إصلاح منظومة العدالة، فهي لجنة موسعة تضم ممثلين عن كافة الفعاليات (40 -50 شخصاً) . وتتفرع هذه اللجنة إلى لجان فرعية موضوعاتية بحسب جدول موضوعات الحوار الوطني .

فهل ينجح الإصلاح، أم أن الأماني ستذروها رياح الواقع وإكراهات وتعقد مشكلات القطاع الأكثر حساسية في البلاد .