تعدد الزوجات قد يحل مشكلات كثيرة للرجال والنساء وبالتالي يجلب الاستقرار للطرفين شريطة أن يراعي الرجل حقوق زوجاته وأن يعدل بينهما أو بينهن وفق ما أمر الله ورسوله .

وعندما أباح الإسلام للرجل أن يتزوج بأكثر من امرأة لم يكن المقصود إطلاق رغباته في أن يتزوج ما يشاء من النساء من دون أن يحد من هذا أي قيد . . وإنما الإباحة مقيدة بعدة شروط تؤكد في مجملها حق الرجل في أن يتزوج أكثر من امرأة وتؤكد أيضاً حق كل واحدة من هؤلاء الزوجات في أن يعدل زوجهن بينهن في كل ما يملك من مال ومبيت ومشاعر واهتمام قدر المستطاع، لقول الله سبحانه وتعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا .

في البداية يؤكد الشيخ فرحات المنجي الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر أن شريعتنا الإسلامية أباحت تعدد الزوجات وفق ضوابط شرعية فمن كانت له زوجتان أو أكثر فالواجب عليه أن يعدل بينهن، ولا يحل له بحال أن يخص إحداهن بشيء من دون الأخريات من النفقة والسكنى والمبيت والهدية وحتى الابتسامة، فإذا تبسم في وجه الأولى كان لزاماً عليه أن يبتسم في وجه الأخرى .

وليس هناك قيد على الرجل في تعدد الزوجات غير العدل فالآية الكريمة واضحة فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فحينما يريد الرجل أن يتزوج أكثر من واحدة فالشرط أن يعدل بين زوجاته في كل شيء إلا في الميل القلبي لأنه لا يملكه الإنسان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا قسمي فيما أملك .

ويضيف: من المفترض أن الزوج لا يفكر في الزوجة الثانية أو الثالثة إلا عندما تعجز الأولى عن الوفاء بالواجبات الزوجية، كأن تكون مريضة أو عقيما أو تكون نكدية تحول حياته إلى جحيم ويريد أن يعيش حياة زوجية مستقرة، لكن أن يرتبط الإنسان بزوجة ثانية وثالثة ورابعة من دون أن تكون هناك ضرورة تدفعه إلى ذلك أو لمجرد أن الله قد أنعم عليه بالمال ويستطيع أن يوفر متطلبات أكثر من زوجة فهذا هو الجنون بعينه .

ويوضح الشيخ فرحات المنجي أن الشريعة الإسلامية أباحت التعدد لفوائده الكثيرة والعظيمة، بل إن إلغاء تعدد الزوجات يكون السبب في العديد من الكوارث والنكبات في المجتمعات، أما ما يثار من أن الزواج بأكثر من امرأة يجلب المشاكل ويكثر القلاقل فهذا أمر عار عن الصحة بشرط أن يكون هناك سبب قوي دفعه إلى ذلك، فالرجل العاقل المؤمن المتبع لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يعلم كيف يعدل بين زوجاته .

مسألة وعي

الدكتور صبري عبدالرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر يؤكد أن العدل بين الزوجات واجب على الزوج الذي يريد أن يتزوج بأكثر من امرأة، لكنه يرى أن العدل بين النساء عدلاً مطلقاً غير مستطاع فيتجاوز في القليل من الميل ولا يتجاوز عن الميل الواضح الكبير .

والعدل المطلوب فيما يستطاع، وحدده العلماء بالنفقة والمبيت، أما الميل القلبي فلا يجب العدل فيه وهذا لما جاء في الحديث الشريف: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك وهذا لأنه كان يحب عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها، لكنه لا يظلم الأخريات في المبيت والنفقة .

ويؤكد الدكتور عبدالرؤوف أن التعدد في الإسلام يظل مشروطاً بقيام مشكلة تقتضيه سواء أكانت على مستوى الفرد أم على مستوى المجتمع، لكن للأسف هناك بعض الرجال من ضعاف النفوس يتزوجون ويطلقون دون وعي وتقدير لقدسية الحياة الزوجية، وهذا موجود بين بعض القادرين فهم يتزوجون في السر عرفياً ورسمياً ثم يطلقون زوجاتهم بعد فترة مع تعويضهن ويبحثون عن زوجات أخريات . . وهذا مخالف لما أمر به الإسلام فقد لعن الله ورسوله: الذواقين والذواقات .

ويرى الدكتور صبري عبدالرؤوف أنه يجب على كل زوج له أكثر من زوجة أن يتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العدل حتى في أيام مرضه الذي توفي فيه وأخرج البخاري ومسلم أنه كان يلاقي ألماً في جولاته على نسائه وكان سأل عن صاحبة الليلة المقبلة، اشتياقاً لنوبة عائشة، فعرفت زوجاته ذلك فأذن له أن يمرض في بيت عائشة، ويضيف: وكان النبي إذا اجتمع معهن في بيت صاحبة النوبة لا يولي اهتماماً بغيرها أو يعمل شيئاً يدخل الغيرة عليها، فليكن في هذا عبرة للذين لا يعدلون مع زوجاتهم، فذلك ظلم له أثره السيئ على الأولاد والأسرة بوجه عام .

ويشدد الدكتور عبدالرؤوف على ضرورة أن يكون الزوج الذي يتزوج أكثر من امرأة لديه المقدرة المادية بأن يستطيع أن يوفر لها المعيشة الكريمة، وأن تتوافر فيه المقدرة الصحيحة والأدبية، مشيراً إلى أن الزوج ليس من حقه أن يميز بين زوجاته بحجة أن إحداهن تعامله أفضل من زوجته القديمة بل لكل زوجة حقوقها التي لا مساس بها، فقد يجد الرجل عيوباً في زوجته أو تصرفات لا يرضاها لكن هذا ليس معناه أن يكرهها أو يبغضها أو يهينها، فقد قال الحق سبحانه: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وهذا معناه أن الزوج إذا وجد في زوجته خلقاً يبغضه سيجد فيها آخر يرضاه، وأنها قد تعاب في أمر لكنها تحمد في أمور أخرى . ويجب على الرجل أن ينظر إلى ما في زوجته من حسنات ومميزات ولا يقف فقط عند النقائص والسلبيات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر .

حتى لا يخسر كلاهما

الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة ترى أن هناك بعض الرجال لديهم مفاهيم خاطئة عن الزواج بصفة عامة، فمنهم من يرى انه يعني شراء زوجة لتقوم بإعداد الطعام وتلبية الرغبة وتربية الأبناء، وهي نظرة خاطئة للزواج الذي يعني في مفهومه الصحيح المودة والرحمة والمشاركة بين اثنين متساويين في الحقوق والواجبات وفي الأدوار التي يؤديانها في الحياة .

والإسلام يمثل غاية الواقعية لأنه جاء ليتعامل مع ظروف وأحوال المجتمع المسلم المتغيرة والمتبدلة على عكس الأديان الأخرى والقوانين الوضعية التي تجرم التعدد وتمنعه منعاً باتاً، فماذا لو كان الزوج يحب زوجته الأولى لكنها لا تنجب؟ هل يطلقها كي يبحث عمن تنجب له أم يتزوج بأخرى ويحتفظ بالأولى؟

وتؤكد الدكتورة عزة كريم أنه يجب على كل زوج يفكر في التعدد أن يعلم تماماً أن وجود الضرائر في حياة الزوج والأبناء خاصة إذا كانوا يعيشون في نفس البيت ينشأ عنه منافسات وعداوات تنعكس على الجميع، كما أن التعدد قد يجعل الزوج يميل إلى الزوجة الجديدة، ويقدم لها كل حبه واهتمامه ويهمل الأخرى ولا يسأل عنها من دون أن يفكر في حاجتها إليه وحاجة أطفاله لوجوده ولرعايته لهم، كما أن التعدد سينتج عنه مشكلة أكبر وهى الطلاق، وذلك لأن كثيراً من الزوجات لا يقبلن وجود امرأة أخرى تشاركها في زوجها .

الزوجة الأولى

الدكتور محمد عبدالرحمن حمودة أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر يؤكد أن الكثير من النساء لا يقبلن بفكرة الزوجة الثانية في حياة الزوج ويعتبرن ذلك من قبيل الخيانة حتى وإن كان من حق الزوج شرعاً الزواج مرة أخرى وحتى إن كانت الزوجة بها ما يدعو الزوج للتفكير في الزواج الثاني، ويقول إن مشاعر المرأة هي نفس مشاعر الرجل، وكل امرأة يسوؤها أن ترى امرأة أخرى تشاركها في زوجها، وللأسف فإن بعض الرجال يدركون تماماً أن التعدد حق لهم ولا ينظرون إلى الجانب الآخر وهو وجوب العدل بين الزوجات، فنجد الرجل يبيت عند إحدى زوجاته أكثر مما يبيت عند الأخرى، وقد يمكث الوقت الطويل عند إحداهن ولا يأتي إلى الأخرى إلا لماماً وقد يدعها شهوراً وربما أعواماً وربما علقها من دون أن يطلقها أو يعاشرها بالمعروف .

ومن هنا يلوم الدكتور عبدالرحمن حمودة بعض الرجال الذين يبالغون في الاهتمام بالزوجة الجديدة خاصة إذا كان ذلك على مسمع من الأخرى بما يزيد في غيظها واشتداد غيرتها من دون مراعاة لمشاعرها، ويرى أن هذه القضية تحتاج لطرح اجتماعي وديني في مختلف وسائل الإعلام لتوضيح أبعادها كافة، وحتى تعرف كل زوجة حق زوجها في الارتباط بأخرى إذا ما كانت لديه الأسباب المقبولة لذلك، وليعرف كل زوج كيف يحافظ على مشاعر زوجاته وكيف يزرع الحب بين أبنائه .