قال تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (النحل: 90)

الموعظة ربانية والخطبة قرآنية وهذه الآية كانت سبباً في إسلام أحد الصحابة وتمكن الإيمان في قلبه وهو عثمان بن مظعون رضي الله عنه حيث كان بجانب النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزلت عليه هذه الاية فلما قرأها عليه تمكنت من شغاف قلبه واستولت على فؤاده وزرعت محبة النبي في وجدانه، ويقول عنها ابن مسعود (أجمع آية في القرآن).

بدأت الآية بالجملة الاسمية المؤكدة إعلاناً بشأنها وتأكيداً على سموها ثم ذكر لفظ الجلالة الله ليكون الكلام أقوى أثراً وأسرع قبولاً وأجدر امتثالاً فلم يقل: عليكم بالعدل، وإنما صرح بالأمر الناهي ليعرف قدره ويمتثل أمره إن الله يأمر فهو أمر وليس إخباراً. بالعدل وهو روح الحياة وقوام الدنيا وأساس الدين، والعدل هو إعطاء الحق إلى صاحبه، وهو المساواة والانصاف، وأعدل العدل عدل الإنسان مع ربه جل وعلا بأن يعبده حق عبادته ولا يجعل له ندا فهو الخالق الرازق المنعم المتفضل، والعدل هو الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة قاعدة ثابتة للتعامل لا تميل مع الهوى ولا تتأثر بالود والبغض ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب والقريب والبعيد والغني والفقير.

والله أمر بالعدل فويل لمن خالف أمره وتنكب هديه وتمرد على شرعه، ولما أمر بالعدل بين أن هنالك مرتبة أسمى ودرجة أعلى وهي الإحسان، فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه والشر بأقل منه.

ولذلك ذكر الإحسان بعد العدل تذكيراً به وتنويهاً بشأنه فهو يدع الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه طلباً للآخرة، وطمعاً في المغفرة وايثاراً لود القلوب، ورأباً لصدع النفوس، وشفاء لغل الصدور، والإحسان باب يلجه من أراد أن يأتي بما فوق العدل وأعظم من الانصاف المتحتم ليكسب فضلاً أو يداوي جرحاً ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (النحل: 126).

فالإحسان فوق العدل منزلة وأسمى منه خلقاً وهو من أفضل منازل العبودية لأنه لب الإيمان وروح الإسلام وكمال الشريعة، وهو يدخل في سائر الأقوال والأفعال والأحوال، وأعظم درجات الإحسان مع الله عز وجل ثم إحسان المرء مع نفسه وأهله وسائر المخلوقين، والمحسن محبوب من المخلوقين ومن الخالق قال تعالى والله يحب المحسنين. وقال إن رحمة الله قريب من المحسنين. وقال إن الله لا يضيع أجر المحسنين.

اللهم اجعلنا من المحسنين الذين يعرفون قدرك وقدر حبيبك محمد صلى الله عليه وعلى من سار على هديه بإحسان إلى يوم الدين.