حسبك روعة القرآن وجدته وحيويته وأخذه بالأفئدة، والأسماع والمشاعر، والعواطف والنفوس . وحسبك خلوده على مر الأيام، واختلاف البيئات والعصور .
هذه البساطة في الأسلوب، والوضوح والجمال والدقة والقوة فيه، والجزالة والعذوبة في أطرافه ونواحيه، تمثل فيما تمثل جانباً من جوانب عظمة التصوير في القرآن الكريم .
جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستمع إلى تلاوته في قول الله تعالى في سورة الزمر: وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (67)، فخر ساجداً - وكان مشركاً - وقال: والله ما يقول هذا بشر .
وقد حدث عندما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو من سورة النجم قوله تعالى: أَزِفَتْ الآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)، فسجد المشركون عن غير وعي، لما بهرهم من بلاغة القرآن وإعجازه .
وذكر أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ من سورة الحجر قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)، فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وكان موضع التأثير هو كلمة اصدع في إبانتها عن الدعوة، والجهر بها، والشجاعة فيها، وكلمة بما تؤمر في إيجازها وجمعها .
قال صاحب الصناعتين: ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء .
وقال ابن أبي الإصبع: المعنى صرّح بجميع ما أوحي إليك، وبلغ كل ما أمرت ببيانه، وإن شق بعض ذلك على القلوب فانصدعت .
وهذا آخر سمع قول الله تعالى في سورة يوسف: فَلَمَّا اسْتَيْأسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً (80)، فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام .