أبرز ما يمكن أن يلاحظه قارئ تحقيق الخليج الثقافي عن العلاقات الثقافية بين تركيا والوطن العربي تأكيد بعض الآراء على أن كل ثقافة تعرفت على الآخرى في العصر الحديث من خلال طرف ثالث هو الوسيط الغربي، لقد ترجمنا أورهان باموق لحصوله على جائزة نوبل الغربية وعرفنا ناظم حكمت كمبدع احتفى به اليسار في العالم كله خلال حقبة سابقة وربما بدرجة أو أخرى أورهان كمال.. الخ ربما تصح هذه الرؤية بالنسبة للثقافة العربية ولكن على الطرف الآخر ترجمت تركيا عيون الأدب العربي المعاصر رغبة في التعرف إلى ثقافة الجار الأقرب، هنا نلاحظ أن الخلل في العلاقة بين الطرفين يقع على عاتق المثقف العربي.. خلل لا غلل من الحديث عنه: هناك ضعف واضح في الترجمة إلى العربية يتحول إلى كابوس إذا رصدنا ما ترجمه العرب من ثقافات الهامش يتحول الكابوس إلى مأساة إذا سألنا ماذا نعرف عن ثقافات إيران وإفريقيا جنوب الصحراء وغيرها؟ أي تلك الكيانات التي لا تشترك معنا في تاريخ ضارب في القدم وحسب بل أيضاً في حدود جغرافية ومصير مشترك.
الدكتور عبدالرازق بركات رئيس قسم اللغة التركية في كلية الآداب جامعة عين شمس يرى أن العلاقة بين الثقافة العربية والثقافة التركية تضرب بجذور موغلة في القدم، فرؤية الأتراك للثقافة العربية رؤية احترام كبير لتلك الثقافة، ذلك أن ثقافة الأتراك بعد دخولهم الإسلام إنما تولدت أصلا من الثقافة العربية الإسلامية، فكانت اللغة العربية تكاد تكون اللغة الأم لدى المثقفين الأتراك، وكان يشترط لكي يمنح العالم في الدولة العثمانية منصبا أن يمتحن في حفظ قواميس ومعاجم اللغة العربية وبخاصة القاموس المحيط.
وبلغت نسبة المفردات العربية في معجم اللغة التركية العثمانية أكثر من 70% من مفردات ذلك المعجم، وانخفضت هذه النسبة بعد تغيير الحروف وبعد الهجمة الشرسة على الثقافة العربية في تركيا المعاصرة، التي بدأت مع مصطفى كمال أتاتورك، وبرغم ذلك فإن نسبة الكلمات العربية في القاموس التركي المعاصر لا تقل عن 15%، وهي نسبة غير قليلة، وقد عاش الأتراك العثمانيون، عرباً في لغتهم وثقافتهم، ذلك أنهم كانوا يعتبرون اللغة العربية لغة الإسلام والثقافة، ويعتبرون بعد ذلك اللغة الفارسية لغة الآداب، ولغتهم التركية لغة حديث وخطاب فقط، فالأتراك غير الفرس لم يكن لهم قبل الإسلام حضارة يعتزون بها، ولذلك لم يصابوا بداء الشعوبية والعنصرية العرقية مثل الفرس، ولم يضيقوا بالعرب ولا بالثقافة العربية، بل على العكس كانوا يبجلون كل ما هو عربي، وانعكس ذلك على علماء الدولة العثمانية، فكثير منهم كتب بالعربية مثل حاجي خليفة المعروف بكاتب جلبي صاحب كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون وكذلك طاش كبرى زاده صاحب كتاب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية وكتاب مصباح السعادة مفتاح السيادة وتحتوي المكتبة التركية على ما لا يقل عن مائتي مخطوطة بالعربية ألفها علماء أتراك، كما تأثر الأتراك تأثرا كبيرا بابن خلدون، وترجمت مقدمته في القرن الخامس عشر الميلادي وتركت تأثيرا واضحا في رجال السياسة والفكر الأتراك، وتلك صفحات مطوية يغفل أكثر المفكرين عنها وبحاجة إلى من يجلوها للمثقف العربي.
أما عن تأثير الفكر العربي المعاصر في الفكر التركي المعاصر، فهو تأثير قوي وكبير لا يقل عن تأثير الفكر القديم الذي تحدثنا عنه باختصار آنفا، فلا يخفى أن كتابات حسن البنا وسيد قطب ورشيد رضا، ومحمد عبده والأفغاني من قبلهم، تمت ترجمتها إلى اللغة التركية وتركت تأثيرا كبيرا في التيار الديني في تركيا المعاصرة، فجماعة طلاب رسائل نور الذين يطلق عليهم النورجية أتباع بديع الزمان سعيد النورسي هؤلاء مثل نجم الدين أربكان رئيس الوزراء الأسبق ورجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الحالي، كلهم تربوا على فكر الإمام محمد عبده وحسن البنا وسيد قطب، كما أن التيار الديني المعاصر في تركيا يحاول في الفترة الأخيرة وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة أن يتسرب أو ينتشر في الفكر العربي المعاصر عن طريق إقامة المراكز الثقافية ومراكز تعليم اللغة، مثل مركز النيل في مصر، ومدرسة فتح الله جولان وغير ذلك، كل هذا يعد محاولات لنشر الفكر التركي بين المثقفين المصريين على وجه الخصوص، فالعلاقة الثقافية العربية التركية قوية للغاية قديما وحديثا.
انفتاح
أما د. عبدالعزيز عوض الله أستاذ اللغة التركية في جامعة الأزهر فيرى أن أهم ما يميز الثقافة التركية المعاصرة هو انفتاحها على الثقافة العالمية وعدم انغلاقها على نفسها وهم يطبقون هذه السياسة منذ عشرات السنين، وهي ثقافة متسامحة خاصة مع الجيران ولا يسعون إلى إشعال حروب أخرى مع الجيران، وأصبحت هذه سياسة راسخة في أذهان الأتراك، يتفادون خلق بؤر صراع جديدة بحيث تقل درجة المشاكل مع الجيران إلى الصفر.
ويغلب على الثقافة التركية المعاصرة الطابع الإسلامي، في مقابل تقلص الاتجاه الغربي.
وهناك نشاط ملحوظ في حركة الترجمة بين الأدبين العربي والتركي وترجم الأتراك أعمال نجيب محفوظ والكتب الدينية وخاصة تفسير ظلال القرآن لسيد قطب الذي ترجم عدة ترجمات.
ولكن هناك مشكلة في نشر الثقافة التركية في البيئة العربية، حيث يحجم الناشرون عن طباعة الأدب التركي، لأنه لا توجد سوق رائجة له على حد زعمهم، في حين أن كل الأعمال العربية الأدبية الكبرى نقلها الأتراك ابتداء من ليلى والمجنون وألف ليلة وليلة وأضيف إليها من التراث الصوفي الكثير، ولدينا في المعجم العربي كلمات تركية كثيرة مثل: باشا وأبلة، دندرمة وغيرها
الأتراك يحترمون الثقافة العربية ويتمنون لو استطاعوا نقل كل التراث العربي إلى اللغة التركية، وهناك قواسم مشتركة بين الأمثال العربية والتركية لدرجة أنك لو حذفت كلمة عربية من المثل العربي واستبدلت بها كلمة تركية لصار المثل تركيا مثل: الحيطان لها ودان، والقطط لها سبع أرواح لكنها عندهم تسع أرواح وليست سبعا.
وهناك سعي من تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لتحقيق مكاسب اقتصادية من ناحية ومن ناحية أخرى يريدون إثبات ازدواجية الأوروبيين الذين يدعون عدم التفرقة بين الأديان، وقد سبق أن قال أحد رؤساء فرنسا السابقين، إن تركيا بلد إسلامي ولا مكان لها في مجتمع مسيحي، وعلينا أن ننظر إلى تركيا نظرة إيجابية ونحذف أية حساسيات بيننا لأنهم يحبون العرب والمسلمين.
طرف آخر
يقول الباحث الموريتاني محمد ولد أحظانا، إن الثقافة التركية الحديثة عرّفت نفسها للعرب ولغيرهم، منذ عشرينيات القرن الماضي، بأنها هي تلك الثقافة التي انقطعت انقطاعا كاملا من سياق الثقافة العثمانية الشرقية، مع سبق الإصرار، فهي من جهة ثقافة غربية مكتوبة بالحرف اللاتيني، وتسعى لبت نفسها من سياقها التاريخي بكل ما أوتيت من قوة؛ وهي من جهة ثانية ثقافة قومية للأتراك مقابل العرب، والجرمان، والإنجليز، والسلاف، واليونانيين، والأرمن... وما لا يخدم هذه الحقيقة مرفوض لديها، والثقافة التركية لم تستطع رغم جهودها الجبارة- أن تحقق غايتها المعلنة، فلم تصبح ثقافة غربية لا تمت إلى تاريخها القريب والبعيد بصلة. ولعب عاملا الإنكار الغربي المتعصب تاريخيا ودائما ضد الأتراك بسبب ذاكرة الصراع المريرة، والمضمون الثقافي والديني للثقافة التركية، دورهما في تثبيت هذه النتيجة، إلى أن توجت برغبة أغلب الأتراك في حكم سياسي يعيد إليهم ذاكرتهم الشرقية الفقيدة، رغم أنف النخب القومية والتحديثية التغريبية التركية.
وبناء على هاتين الخلفيتين أرى أنه كان هناك صدود متبادل باستثناءات فردية قليلة- بين الثقافة العربية المعاصرة والثقافة التركية الحديثة، حيث كانت الوجهة الأساسية للثقافتين، ومن ثم الأدبين نحو استيعاب وتمثل الثقافة الغربية، فكان النموذج البراق غربيا يمنع الأدبين عن الالتفات إلى جاره. وبما أن المعاصرة والحداثة فهمتا بهويتهما الغربية لدى العرب والأتراك، وبما أن الاحتكاك السياسي والثقافي بين الثقافة التركية والثقافة العربية لم يكن متاحا، بسبب حوائل لدى كل من الطرفين، ونتيجة العمل المنهجي الدائب من لدن المخططين السياسيين في الغرب لتوسيع الشقة، ونتيجة الجفاء المترتب على سابق سيطرة الاستانة على أجزاء من الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، واقتران الثورة العربية بالثورة على الأتراك، فإن الطرفين ركزا على تعميق الأخدود الذي حفرته عوامل التعرية السياسية. وربما كان للذاكرة العربية الجمعية عتب ثقافي كبير لا يمكن التجاوز عنه، نتيجة رمي الحرف العربي بكل برودة وإبداله بالحرف اللاتيني، وهو أمر لم تتجرأ أمة من الأمم المسلمة ذات الحرف العربي على اقترافه، كالفرس والباكستان وغيرهما. كما أن الذاكرة التركية تحتفظ بالتحالف بين الإنجليز والثورة العربية. وربما تكون هزيمة الجميع أمام القوة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى من دعائم تكريس القطيعة حيث لا يرغب المنهزمون عادة في أن يرى أحدهم وجه الآخر، أو يلاحظ في عينيه ذاكرة الهزيمة المنكرة.
ومع ذلك فإن ثمة جسورا رغم الضباب الكثيف حولها- لم تزل تحتفظ ببعض التواصل، والتأثير والتأثر الحيين. وكان ثمة جسران على الأقل هما جسر القاهرة اسطنبول، وجسر الشام اسطنبول. فقد لعبت الجاليات المقيمة على الضفتين دورا لا يستهان به في تبادل الأدب وإبقاء بعض الخيوط ذات النسج المحكم، من دون أن يصل ذلك لدرجة الظاهرة، حيث لم تكن الدولة القومية في تركيا وفي القاهرة والشام متحمسة لأي ترابط معلن نتيجة التناكر القومي. فنشأ تواصل غير معترف به رسميا، وإن تجسد في الأدب والفكر، والفنون الجميلة (ناظم حكمت، وغيره..) لكنه بقي تواصلا شبيها بالعلاقة الناشئة بعد طلاق الزوجين، يستدعيها التعارف السابق ويأباها الوضع القائم، مع ملاحظة أنه حتى ولو كان الطلاق أصلا بالثلاث فإن التراجع أصبح جائزا بسبب الزيجات مع طرف ثالث في كلتا الثقافتين.
وفي المحصلة فإن المثقفين والأدباء العرب ربما يعرفون أشياء معينة عن الثقافة التركية والأدب التركي، لكن عبر الوسيط الثقافي الغربي أحيانا كثيرة، ونفس الشيء تقريبا بالنسبة للمثقفين والأدباء الأتراك، حيث يعرفون غالبا- عبر نفس الوسيط. وفي كلتا الحالتين يكون التعارف غير دقيق، وغير آمن طبعا، حيث لا تزال العلاقة المباشرة بين الأتراك والعرب سواء من الناحية المادية أو المعنوية هدفا حيويا للتسلط الغربي. ولكن ضرورة الترابط وحيويته للعرب والأتراك تفرضان إحياء سنة الحوار المعمق والصريح بين الطرفين، مهما تكن تراكمات التجاهل المتبادل بين النخب المثقفة في الثقافتين والأدبين.
ننتهي إلى أن الثقافتين لم تستعيدا عافية التفاهم والتعارف الكافيين بعد، رغم تغير زاوية النظر في الأمة التركية بتزكية الحكومة الحالية، وتزحزحها في الرأي العام العربي. وقبل حدوث تلك العافية فإن الحديث عن تبادل التأثير والتعارف،هو محاولة لإسقاط أمل مستقبلي على ماض لم يكن في غاية الإشراق.
يقول الشاعر بدي ولد أبنو: لنأخذ كمثال اسمين ثقافيين تركيين من جيلين متباعدين إلى حد ما هما ناظم حكمت و أورهان باموق. فهما من الكتاب الأتراك المعاصرين القلائل المعروفين عربيا على نطاق واسع نسبيا. هل تصدر شهرتهما العربية عن فضاء ثقافي مشترك بين تركيا والعالم العربي؟ أو بصيغة أخرى هل تصدر عن فضاء ثقافي أو أدبي خاص بالعالم الإسلامي؟ يمكن من دون كبير عناء أن نجيب نفيا فشهرة حكمت وباموق العربية ليست إلا انعكاسا لشهرتهما العالمية. ويكفي لتأييد هذه الإجابة أن ننظر إلى قائمة ما يترجم عربيا عن التركية لاسيما إذا ما قارناه بما يترجم عنها إلى اللغات الأوروبية. لنتذكر هنا لفهم حجم المفارقة أن التركية والتركية العثمانية بالخصوص كانت إلى عهد قريب ولأسباب بديهية إحدى أبرز اللغات الإسلامية التي تدرس في عدة مناطق من العالم العربي كلغة تميز وهو ما استمر بنسبة ما إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى. هل مثل رمزيا وواقعيا إلغاء أتاتورك سنة 1924 للخلافة واستبداله الحروف العربية بالحروف اللاتينية كإعلان عن ميلاد اللغة التركية المعاصرة تتويجا لنهاية الأخيرة عربيا؟ الواقع أن المسلسل الذي قاد إلى إلغاء الخلافة ليس إلا جزءا من الإشكالية. فلو نظرنا إلى حجاب المعاصرة الذي يفصل حديثا الثقافة العربية عن الثقافة الفارسية أو الثقافة الأردية لأدركنا أن الإشكالية القومية العربية التركية التي تَرافق ظهورُها مع تضعضع الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر ليست إلا جزءا من مسلسل تاريخي أعم كان العالم الإسلامي أحد ساحاته الأساسية.
في العلاقات الثقافية العربية التركية في الفترة المعاصرة ثلاثة محاور رئيسة. أولها يتعلق بميلاد القوميات داخل الفضاء الإسلامي في أفق ظهور الفكرة القومية الأوروبية الحديثة وتكرسها تكريسها عالميا. وثانيها الطبيعة الخاصة بولادة الأدبين العربي والتركي الحديثين. أما المحور الثالث فهو طبيعة علاقات الثقافتين العربية والتركية بالثقافة الأوروبية المهيمنة. فعلاقة الثقافات الهامشية ببعضها البعض حتى وإن اختلف مستوى الهامشية تظل تمر بشكل شبه حصري بالمركز الأوربي. هل هنالك اليوم في الأفق وفي ظل التحولات الجيو سياسية الحالية ما يسمح بالقول بأن العلاقات الثقافية العربية التركية ستشهد تحولا جديدا أو مراجعة تتجاوز جزئيا أو كليا الثقل الذي تجسده مثل هذه المحاور؟ السؤال مفتوح ولكن من العسير أن نقدم إجابة جدية عليه تعتمد استشرافاً ينبني حصرياً على المعطيات الموضوعية المتوفرة حالياً.
اعتراف
يقول الصحافي والروائي الياس خوري: أظن أن علاقتنا بالثقافة التركية والأدب التركي محكومة بالسياسة مثلما هي محكومة بالاطلاع الثقافي الصرف. والأرجح أن طرح السؤال حالياً قائمٌ على منصة سياسية وليس على منصة ثقافية، والسبب كما لا يخفى على أحد هو التغير الذي حدث في السياسة التركية تجاه إسرائيل منذ تسلم حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان السلطة في تركيا. وإذا عدنا إلى الماضي، سنجد أن ثمة تاريخاً طويلاً يجمعنا بالأتراك الذين حكموا العالم العربي لأربعة قرون. لا أريد أن أطيل أكثر في الشق السياسي، ولكن لا بد من وضع الكلام عن الثقافة العربية وعلاقتها بالثقافة التركية داخل إطار أوسع من الفعل الثقافي نفسه. إن معرفتنا بالثقافة التركية مرتبطة بالترجمة. هكذا عرفنا عدداً من الكتاب الأتراك، وكان آخرهم أورهان باموق بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للآداب. في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، كانت ترجمة أعمال تركية إلى اللغة العربية أفضل من اليوم. عرفنا ناظم حكمت في الشعر، ويشار كمال وعزيز نيسين في الرواية والقصة، ويلماز غوني في السينما. في المقابل، نكاد لا نعرف شيئاً عن حضور الثقافة العربية أو الأدب العربي في تركيا. نسمع بين الحين والآخر، عن ترجمات لمحمود درويش وأدونيس ونجيب محفوظ... وغيرهم. ولكننا لا نعرف إن كانت هذه الترجمات تحظى باهتمام كبير، ولا نعرف حجم أو نوعية تأثير نصوص هؤلاء لدى القراء والكتاب الأتراك. من ناحية أخرى، هناك سوق أدبية عالمية اليوم. الآداب المكتوبة بالانكليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية هي المسيطرة على هذه السوق. العرب والأتراك زبائن مستهلكون أكثر من كونهم منتجين فيها. حين ينال كاتب عربي أو تركي اعترافاً من الجهات المسيطرة على هذه السوق، تكون هناك فرصة لترجمته. هذا ما حدث حين حصل نجيب محفوظ العربي وأورهان باموق التركي على جائزة نوبل.
أما الروائي جبور الدويهي فيقول: هناك عدة جوانب يمكن الحديث بشأنها في ما يخص الثقافة التركية أو الأدب التركي وعلاقته أو التأثير المتبادل بينه وبين الأدب العربي. نحن نعرف الثقافة التركية بحكم التاريخ والجغرافيا، كما أن اللغة التركية كانت تستخدم الحروف العربية في الحقبة العثمانية، علاوة على انتماء تركيا إلى العالم الإسلامي. هذه المعرفة أمرٌ مسلم به، ولكنها باتت معرفة تقليدية وقديمة وغير كافية في الوقت الراهن. الواقع يقول إننا نعرف ما هو عام أو ما هو مشهورعالمياً. نعرف بعض الروائيين الأتراك المميزين مثل يشار كمال، وأورهان باموق الذي نال جائزة نوبل للأدب قبل عامين. أما في الشعر، فإن معرفتنا بالشعر التركي لا تزال متوقفة عند ناظم حكمت. نكاد لا نعرف شيئاً عن الأجيال الشعرية التي تلت. طبعاً هناك مشكلة في ترجمة الأدب التركي إلى العربية. أغلب دور النشر عندنا تركز على الأدب الفرنسي أو الأمريكي أوالإسباني. وغالباً ما تتحكم شهرة الكاتب أو نيله لجائزة عالمية بتسريع عملية الترجمة. والحال أن الجغرافيا والتاريخ ليستا صفتين حاسمتين في تبادل المعرفة بالآخر بين الشعوب. هناك قواعد مختلفة اليوم. إذا حصرنا الكلام عن لبنان مثلاً، سنجد أن الاقبال على ترجمة الأدب التركي ضعيف جداً ويكاد يصل إلى درجة العدم، بينما نجد إقبالاً أكثر في سوريا التي تُرجم فيها أورهان باموق قبل ذيوع شهرته وحصوله على جائزة نوبل بسنوات طويلة، وكذلك الحال بالنسبة ليشار كمال وعزيز نيسن وأوردال أوز... وغيرهم.
عمق استراتيجي
يقول الروائي الكويتي طالب الرفاعي: لسبب ما انطبع هذا المقطع، أو ما يشبهه، من إحدى قصائد الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت في رأسي، ولم أزل أردده بين الفينة والأخرى، كلما قست علي لحظة الحاضر، ومرت بي سحابة وجع عابر، فأوكلت أمري للغد، أهمس بقلبي مواسيا ومؤملاً: هو الغد، سيأتي ملوّناً بالسر والخير والخبر السعيد.
تعرفت إلى تركيا التي أحب من قصائد الشاعر ناظم حكمت، ومن كتابات القصاص والروائي عزيز نيسين، وتالياً عايشت الحاضر الاجتماعي الراهن من خلال روايات أورهان باموق. عن طريق هؤلاء وغيرهم من الكتّاب الأتراك، كوّنت مشاعري ومعرفتي بعوالم المجتمع التركي، فأنا منذ وعيت سحر الحرف، استدل على المكان وأهل المكان، من خلال أقلام كتّابه، المعجونة بالوجع والألم، والحالمة بغد أجمل.
إن الشعوب العربية، تحمل لتركيا ما لا تحمله لغيرها، فتركيا، وفي أهون تعبير، ظلت قابعة على أنفاس بلادنا العربية لمدة أربعمائة عام، وفي ذلك دلالة كبيرة، لطبيعة وعمق العلاقة بين تركيا والعرب، خاصة وكون تركيا تشترك مع الأمة العربية بدينها الإسلامي، وتراثها الحضاري، مثلما تجاورها في حدودها الجغرافية، وتشترك معها في ما يُسمى بمنطقة الشرق الأوسط، وتنطحن معها في معركة الشرق الأوسط الجديد.
إن العلاقات الثقافية التركية العربية، تستند إلى إرث تاريخي كبير، وربما لعب هذا دوراً أساسياً في قدرة المفكر التركي على فهم العقلية العربية، وفي استعداد الإنسان العربي لمد يده إلى أخيه وجاره التركي.
إن ضرورات وألاعيب السياسة والسياسيين، خلقت، لفترة ليست بالقليلة، حالة من القطيعة الثقافية العربية التركية الكريهة، لكن موزاييك المجتمع التركي، العرقية واللغوية والدينية، تأهله بامتياز لأن يكون، بفكره وأدبه وفنه، حاضراً في قلب شعوب العالم العربي، مثلما تسمح بوصول الثقافة والأدب والفن العربيين إلى المتلقي التركي. وليس أدلّ على ذلك من التلقي العربي المدهش للمسلسلات التركية، على القنوات الفضائية العربية، في السنوات الأخيرة، بالرغم من ضعف وسطحية هذه المسلسلات فنياً.
آفاق
أما الشاعر عمر السراي رئيس نادي الشعر في الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين فيقول: إن المتطلع للثقافة بصفتها وشيجة واحدة على مستوى الثقافات المتعددة يستطيع ان يدخل من باب الادب المقارن، إن الثقافة التركية سقطت في البداية بحاضنة الثقافة العربية وذلك نتيجة لدخول المواطن التركي إلى الدين الاسلامي الحنيف والاسلام مادة عربية. لقد كانت هناك محاولات معينة بعد ان احتلت الدولة العثمانية البلدان العربية لاعادة تنظيم اللغة واعادة طمس اللغة العربية واحلال اللغة التركية محلها. وكانت النتيجة واضحة جداً، حيث ان القرآن الكريم كان له دور في نشر الثقافة العربية داخل منظومة التتريك نفسها.
تركيا على مستوى الشعر والادب بصورة عامة لم تؤثر تأثيرا كبيراً في الثقافة العربية. فمثلا الشاعر ناظم حكمت يعد نموذجاً مهماً، ولكن حينما نقرأ ناظم حكمت نجد أن هذا الشاعر وكأنه شاعر عربي وليس شاعرا تركيا مما يجرنا إلى ان التأثيرات العربية أو تأثيرات حاضنة الثقافة العربية هي التي خلقت شاعرا مثل ناظم حكمت وبالتالي فتأثرنا بشيء اسمه ناظم حكمت على اعتباره تركيّا الا ان الاصل هو أن ناظم حكمت كان قد تأثر بالثقافة العربية.
على مستوى الرواية مثلا ظلت تركيا لمدة طويلة غير فاعلة في مجال الرواية ولكن هناك اسم تكون وتبلور إلى ان خطف جائزة نوبل وهو الروائي الكبير اورهان باموك الذي يتحدث عن حضارة عربية، حضارة فارسية، حضارة تركية، أورهان باموك هو كاتب أوروبي إلا أنه بنفس عربي يستطيع ان يفهم الحضارات وهو مع اتاتورك وتركيا العلمانية، تركيا التي تتأرجح الآن ما بين ان تكون دولة إسلامية، إلا أن الاسلام عملة قديمة في تركيا، أو دولة تميل إلى علمانية مفرطة. لذلك فأن باموك يعد انموذجا للمثقف الاتاتوركي الذي لا استطيع ان اصفه تركّيا الا من جانب تعلقه بالتراث وحتى في هذا الجانب فإن تعلق باموك بالتراث لينتمي إلى الأفق العربي، إذ إن تأثره بالحضارة العربية يبدو واضحا جدا.
في حين تطرق الشاعر محمود النمر إلى ثقافة تركية مؤثرة في العالم العربي بدأت تفرض وجودها على المتلقي العربي وهي ثقافة الغناء والدراما التركية ويقول: إن لتركيا ثقافة أخرى هي ثقافة الاغنية، تركيا بجانب الاغنية واللحن والموسيقا هي مدرسة كبيرة في الغناء. هناك البعض ممن يقولون إن المقامات الغنائية التركية هي مقامات عربية. ولكن أنا اقول بصراحة وبعد أن تتبعت إن هناك قربا في المقامات، ألا إن تركيا مدرسة رصينة في الغناء والمقام. ان تركيا في هذا المجال متفوقة وقطعت اشواطا طويلة لتسبق الوطن العربي في الموسيقا والغناء.
إن أول تأثيرات لتركيا فينا انطلقت من عالم الغناء، لأن الالحان والمقامات التركية افرزت مقامات وألحاناً تراثية طوّرت بصورة حداثية فانتشرت لفترات طويلة حيث لم يكن لدينا الحان نحن العرب سواء في مصر أو العراق أو السودان أو الجزائر، بل ان الموجود هو الحان تركية ويعاد صياغة الكلام عليها. ان هذا التأثير الكبير كان له صدى واسع جدا في البلدان العربية.
اما الضربة الثانية التي برزت الان هي تركيا السياحية التي اثرت على العالم فاتخذت اداة هي اداة الدراما التلفزيونية. ان هذه المسلسلات التلفزيونية هي مسلسلات سياحية، لانها مسلسلات لا تعتمد الحبكة الواحدة لكي تتابع دراما معينة، بل ان هذه المسلسلات تعتمد العقد المنفردة عقدة اثر عقدة. كما ان هذه المسلسلات هي مسلسلات صورة بحيث نجد المشاهد ينشد وينجذب نحو الصورة اكثر مما يهتم بالشخصيات، تتجول الكاميرا وكأنك سائح داخل داخل هذه المسلسلات. لذلك فإن تركيا اثرت تأثيرا كبيرا حتى استطاعت ان تجتذب الناس من لبنان ومن اسبانيا وربما كردستان العراق وحتى تونس لكي تجرها إلى تركيا. تركيا الجميلة اثرت دراميا من خلال اعتمادها على المسلسل المكسيكي المدبلج وقامت بالتصرف بذات التصميم الدرامي لها الا انها انطلقت بآفاق واسعة نحو البلدان العربية من خلال دبلجة مسلسلاتها باللغة العربية. حيث ان هذه الدبلجة قد دعمت من المنتج التركي لكي تبث إلى المشاهدين العرب. لذلك استغلت تركيا هذا الجانب واجتذبت السائح العربي.
تاريخ مشترك
يقول الشاعر العراقي محمود النمو: إن هناك تاريخا مشتركا بين تركيا والبلدان العربية، لأن الكثير من البلدان العربية كانت خاضعة للاحتلال العثماني لقرون عدة. كذلك هناك لغة مشتركة بين تركيا والعرب وهي لغة القرآن الكريم. في العراق على الاقل نجد ان التأثيرات التركية كانت كبيرة على اللهجة العراقية التي فيها الآن كلمات تركية كثيرة لا يجد لها المواطن البسيط ما يقابلها باللغة العربية الفصحى. هناك تداخل ثقافي كبير بين العراق وتركيا بسبب الامتداد الجغرافي حيث لدينا شعراء عراقيون من القومية التركمانية يكتبون باللغة العربية وايضا باللغة التركية ومن أبرز هؤلاء الشاعر العراقي عبد اللطيف بندر اوغلو.
راهن المنطقة
يقول الروائي الكويتي طالب الرفاعي: إن العلاقات العربية التركية، وضمن الراهن السياسي لمنطقة الشرق الأوسط الجديد، مرشحة لمزيد من التواصل والتقارب، وأظن أن أفضل بوابة لذلك هو الفكر والثقافة والأدب، فالشعوب العربية، وكذا الشعب التركي، ملّت لغة الحرب والدم ونفي الآخر، وهي بالتأكيد، ستكون سعيدة بالانكشاف على عالم الآخر. الآخر الإنسان المسالم، والآخر المجاور اللصيق، والآخر الحامل لبعض ملامح الروح نفسها التي يحملها التركي والعربي، وأخيراً الآخر الذي ينشد غداً أفضل، إن معرفة الآخر، عبر القصيدة والرواية واللوحة التشكيلية والمسرحية، هي الطريق الأجمل للوصل بين العربي والتركي، وهل لنا إلا ذلك؟