قضى إسلام عزوز سبع سنوات من عمره الذي لا يزيد على 20 عاماً، في تلك المهنة التي ورثها عن أبيه، وعدد من أعمامه.
ينحدر عزوز من أسرة تضرب بجذورها في محافظة سوهاج في صعيد مصر، واحترفت تلك المهنة منذ ما يزيد على 50 عاماً.
يجوب شوارع منطقة وسط البلد في القاهرة، حاملاً على صدره ذلك الإبريق الزجاجي المغطى بعازل من الألمنيوم، للحفاظ على برودة بضاعته في أيام القيظ، لكنه يقول في خبرة محترف صغير: «شهور الصيف شيء، ورمضان شيء آخر».
منذ عقود وشراب العرقسوس، يعد أحد المشروبات المفضلة للأغلبية العظمى من المصريين، إذ يزداد الإقبال عليه طوال أيام شهر رمضان، باعتباره مشروباً طبيعياً مفيداً للصحة ورخيص السعر في آن.
والعرقسوس المصري إحدى فصائل البقوليات، وهو عبارة عن نبات شجري معمر ينبت في كثير من بقاع العالم، كما يحظى بشهرة عريضة في البلاد العربية، وينبت في الأرض البرية حول حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتستخرج مادة العرقسوس من جذور تلك النبتة العجيبة، وهي أكثر حلاوة من السكر العادي، لذا فإنه يمكن مضغها أو أكلها كحلوى، وعرفها البابليون منذ أكثر من أربعة آلاف عام، وتناولوها كدواء مقوٍ للمناعة، وعرفها المصريون القدماء كذلك، واستخدموها كشراب للملوك، قبل أن يتحول مع مرور الزمان إلى الشراب المفضل للأغلبية العظمى من الفقراء.
يحترف مهنة بائع العرقسوس في مصر عشرات الآلاف، ينتشرون في مختلف المحافظات، بدءاً من الإسكندرية شمالاً وانتهاء بأسوان في أقصى الجنوب، ولا تتطلب تلك المهنة رأسمال كبير، فقط قِدر كبيرة وعدة أكواب للشراب، إلى جانب زوج من الصاجات النحاسية، وهي تلك التي يقبض عليها بائع العرقسوس بيده، ليصدر من خلالها ذلك الصوت المميز الذي يشي بقدومه، فيهرع إليه الصغار والكبار على حد سواء.
وتبدأ صناعة مشروع العرقسوس بنقعه لساعات في إناء زجاجي كبير، قبل أن تبدأ مرحلة التصفية، التي تتم دائماً عن طريق قطعة من القماش النظيف، تسمى في أوساط محترفي تلك المهنة «الشاشة»، وينتهي المشروب ويصبح جاهزاً عقب تعبئته في الإبريق الزجاجي أو النحاسي، تمهيداً لبيعه للجمهور.
ترك إسلام عزوز دراسته وهو في المرحلة الإعدادية، ليلحق بركب أبيه وعمه من قبل، ويحترف صناعة مشروب العرقسوس، الذي يقول إنه يضمن له دخلاً يومياً يتراوح بين 30 و50 جنيهاً (15 -25 درهماً)، وربما يتضاعف إذا ما كان الحال رائجة، بخاصة في أيام الصيف شديد الحرارة، وشهر رمضان.
يصر عزوز على تحضير العرقسوس وفقاً لهذه الطريقة التقليدية التي تعلمها على يد أبيه، ويقول عن ذلك: «هذا هو العرقسوس الطبيعي، أما ما يبيعه كثيرون الآن فليس إلا مشروباً مصنوعاً من مسحوق العرقسوس المطحون، ويقبل عليه كثيرون الآن لأنه سهل التحضير، لكنه في النهاية لا يعطي المذاق الأصلي للعرقسوس».