بعد سقوط الدولة الأموية على يد العباسيين عام 750م، الموافق 133 للهجرة، فر مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين إلى مصر، لينجو بنفسه ضد منازعه ابن العباس الهاشمي، أول الخلفاء العباسيين، فلما وصل إلى مصر أشعل رجاله النار في الفسطاط، وفى القنطرة التي كانت تصلها بجزيرة الروضة، واتجه إلى شاطئ النيل الغربي، لكن ذهبت تدابيره عبثاً، لأن القائد العباسي، ورجال خراسان، أدركوا ما عزم عليه، ولحقوا به بسرعة في قرية بوصير، وقتلوه. ثم حملوا رأسه وطافوا المدن ليتأكد الناس أن الخلافة انتقلت من البيت الأموي إلى العباسي.
ونجحت قوات العباسيين بقيادة صالح علي، في دخول الفسطاط بعد قتال عنيف مع جنود الأمويين، ثم أحرقها، وقتل آلاف المتمردين وعلقت رؤوس القتلى في جامع عمرو.

رأيان

تذكر فاطمة الفهرية في كتاب «الفتوحات والدول والممالك»، أن رجال العباسيين لم يرضوا أن يسكنوا بيوت الفسطاط، إما لرغبة في التجديد واتخاذ عاصمة جديدة، كما جرت العادات في الشرق منذ قديم الزمان، وإما لأن مروان بن محمد كان قبل مقتله أضرم النار في الفسطاط، فدمر جزءاً كبيراً منها، وهناك رأي آخر، وهو أن الفسطاط كانت تزدحم بأهلها، وتضيق بالوافدين الجدد، وأن بناء مدينة جديدة كان مناسباً ولازماً لإقامة الجند العباسيين الذين وفدوا إلى مصر مع القائدين صالح بن علي، وأبي عون. وأنشأوا حاضرة أخرى جديدة لدولتهم الناشئة في مصر في مكان عرف في صدر الإسلام باسم الحمراء القصوى، وأطلقوا عليها مدينة «العسكر»، كما أمر صالح بن علي ببناء دار الإمارة إلى جانب المسجد الجامع لمدينته الجديدة، فأصبح ثاني المساجد الجامعة بمصر، بعد جامع عمرو، كما ضمت المدينة الجديدة مقراً للشرطة، إضافة إلى شرطة الفسطاط.

مقر الحكم

كانت «العسكر» في البداية مقصورة على الجنود العباسيين، ولعل هذا سبب اسمها، واستمر ذلك الحال حتى جاء السري بن الحكم والياً على مصر عام (201ه - 816م)، فمنح المصريين الحق في البناء بالقرب من مقر الحكم، ونمت المدينة، واتسعت رقعتها. وكانت تمتد إلى جبل يشكر الذي بنى ابن طولون على قمته، فيما بعد، مسجده الجامع. وفي ذلك المكان أقام العباسيون دورهم واتخذوا مساكنهم، وبنى صالح بن علي دار الإمارة، وسكن الجند، ثم شيد الفضل بن صالح مسجد العسكر. واتخذها ولاة العسكر مقراً لهم، ودرجوا على الإنشاء والتعمير بالعسكر، فها هو الوالي موسى بن عيسى الهاشمي يبني بها داراً لحاشيته، وعمّر الناس من حولها، كما شهدت العسكر كثرة البناء في عهد الوالي السري بن الحكم، وبلغ من كثرة المباني أن اتصل عمرانها بالفسطاط، وأصبحتا مدينة كبيرة خطت فيها الشوارع، وشيدت عليها المساجد، والدور، والبساتين، والأسواق.
وحدد المقريزي حدود مدينة العسكر فيما بين قناطر السباع شمالاً، وكوم الجارح جنوباً، أي المنطقة الممتدة «حالياً» من فم الخليج جنوباً، وحتى ومسجد السيدة زينب شمالاً، وهي منطقة تلي الحد الشمالي للفسطاط، أما الحد الشرقي فكان محدوداً بصحراء مصر الشرقية، وتلالها، في حين كان النيل يحد الجانب الغربي من المدينة.
وجاء في كتاب «مصر الإسلامية» أن العسكر ازدهرت لكثرة ما شيد فيها من الأحياء العامرة. وسكنها الولاة الخمسة والستون الذين حكموا مصر نائبين عن الخلفاء العباسيين، مدة 118 سنة، وصارت حياً زاهراً لم يقلل من شأن الفسطاط كمركز مهم للتجارة، أو كقاعدة ثانية لمصر، ولما توالت الأعوام عظمت العمارة في العسكر، إلى أن قدم الوالي أحمد بن طولون، وشيد قصره بالقطائع، وترك العسكر، وليس هناك اليوم أثر لهذه الضاحية، كما أن المؤرخين لم يحتفظوا بتاريخ واف لسكانها، فقد ساد عصرهم نوع من سوء الإدارة، وفساد الحكم، ولقوا صعاباً كثيرة عرقلت أعمالهم أشد مما عاناه ولاة بنى أمية في مصر، وكان لزاماً عليهم أن يخمدوا الفتن التي أثارها الخارجون عن الإسلام، أصحاب بعض المذاهب، أو يقاوموا الثورات التي شبت بين القبائل العربية، أو الأقباط. وظل أمراء مصر يقيمون في دار الإمارة في العسكر، حتى بنى جوهر، قائد جيوش المعز، مدينة القاهرة، بل إن العسكر ظلت عامرة أيضاً لفترة طويلة في العصر الفاطمي، وتشير المصادر إلى تخصيص الخليفة الفاطمي، المعز لدين الله، دار الإمارة بالعسكر لإقامة عمه أبي علي، ما يدل على بقائها حتى ذلك التاريخ، وتضيف المصادر التاريخية أيضاً أنها ظلت عامرة حتى خربت في سنوات الشدة المستنصرية «447- 454ه».