تجده في الكهوف وبين رؤوس الجبال فوق القمم وبين حنايا الصخور وروعة السفوح وفي قلوب الوديان .
من الأزهار مصنوع، وللأمراض موصوف، ومن فوق جبال الفجيرة وضواحيها مقطوف .
هو . . شهد الأبناء الموعود وكنز الأجداد المنشود العسل البري ماذا لو اصطحبناك معنا في رحلة طويلة مع العسّالين ترى هل سنستطيع أن نعرف منهم سر المهنة التي يعتز بها أبناء الإمارات ويتوارثونها جيلاً بعد جيل .
وهل سننجح في أن نتسلق معهم الجبال ونُمسك بالسكين والمخصية والحبل والعسقة؟
وهل سننجو من لدغ النحل إذا حاولنا أن نقوم بفصل العسل عن بيض النحل والملكة؟
أسئلة وعلامات استفهام كثيرة ربما تجد لها إجابة عبر سطور رحلتنا المقبلة .
البداية من عند محمد سعيد محمد أحمد اليماحي (30 عاماً): والذي بدأ حديثه عن تلك المهنة التي عمل بها لسنوات قائلاً: رحلة البحث عن خلايا العسل البري تكون منذ مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول وحتى نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام .
ومن أهم التجهيزات والأدوات المستخدمة في جني العسل السكين والمقص القوي والوعاء والحبال والمدخنة والعصا وغيرها، ثم تنطلق الرحلة بعد صلاة الفجر مباشرة أي قبل طلوع الشمس إما بشكل فردي أو جماعي عبر الطرق الجبلية الوعرة حتى الوصول إلى خلايا النحل التي تسكن في رؤوس الجبال الشاهقة وكهوفها، وعند الحصول على خلية نحل نشعر بفرح وسعادة كبيرة وننسى التعب والعناء الشديد وبعدها نقوم بالهدوء والسكينة لعدم إثارة النحل، ونقوم بتحديد خلية النحل بدقة وعندما نرى امتلاء فتحات القفير فإن ذلك يدل على أن الخلية جاهزة للقطف ونشعل المدخنة في بعض الأحيان ونقوم بتمرير الدخان على الخلية لأن ذلك يهدئ من حركة النحل، ثم نقوم باقتصاص العسل مع وضع العصا على وسط الخلية لكي يكون العسل في أعلى الخلية وفي الأسفل هناك مكان لتكاثر النحل وبعدها نفصل بين العسل ومكان تكاثر النحل في الخليه بالسكين دون أن يضر أحد الطرفين .
الحاج سعيد محمد أحمد اليماحي (80 عاماً) يقول: الكل من أهالي منطقة الغوب بدبا الفجيرة يهتم بالحصول على خلايا نحل العسل البري في الماضي والحاضر وخاصة في مواسم الأمطار نخرج على شكل جماعات من الشباب وكبار السن في رحلات طويلة وشاقة للبحث عن خلايا النحل في الجبال القريبة للقرية والبعيدة عنها حتى نحصل على مكان لخلية نحل وعندها نقوم بوضع علامة وهي عبارة عن خيط يكون ذا لون بارز في مكان ظاهر بالقرب من الخلية وحسب العادات والعرف المتعارف عليه بين الأهالي منذ القدم لا يمكن لأي شخص الاقتراب من الخلية المربط بجانبها إشارة، وبعدها نعود بين فترة وأخرى لتفقد الخلايا حتى نرى أن القفير قد امتلأ، بذلك جاء وقت قطافها ونقوم بحمل العصي الملفوف على قمتها قماش ونغمسها بالبنزين ونشعل النار ونكون حريصين على ارتداء ملابس تغطي الجسم بأكمله وتغطية الوجه بالغنرة وبعدها نقوم بقص القفير مع الحرص على إزالة أجزاء معينة منه وترك الباقي للنحلات، ونقوم بأخذ الجزء الذي يغطيه العسل وهو الجزء العلوي للقفير ولكن الجهة اليسرى التي تكون غير مكتملة بالعسل نعيدها مرة أخرى على الكهف أو نعيد تعليقها مرة أخرى إلى أحد أغصان أشجار السدر أو السمر لكي يعود النحل إليها ليقوم ببناء خلية جديدة خلال فترة الموسم المقبل .
بينما يقول أحمد سعيد اليماحي: نخرج إلى جبال ووديان منطقة دبا الفجيرة كافة لاكتشاف مخابئ نحل العسل البري الذي يسكن في الكهوف الجبلية وعلى أغصان الأشجار المنتشرة بالمنطقة، وقد تبدأ رحلة البحث عن العسل في أوقات الصباح الباكر أو المساء لبرودة الجو ولهدوء النحل وقلة نشاطه في هذه الفترة، ونكون مزودين بنفاخات دخان لتحييد النحل وشل قدرته على الدفاع عن خليته وبعدها نقوم بقص العسل حسب الطريقة المتعارف عليها عند جميع الأهالي، وتقطف نسبة 80 إلى 70 بالمئة من الشهد المملوء بالعسل ويترك نحو 20 إلى 30 بالمئة كاحتياطي غذائي للنحل حتى يعيد بناء الخلية في المكان نفسه .
وأضاف أن الطبيعة الجبلية الخلابة لإمارة الفجيرة والطقس الذي تتماز به معتدل صيفاً وبارد شتاء، ساعد على نمو الأزهار والنباتات وتنوع الأشجار البرية مما شجع على انتشار العسل البري بالمنطقة بشكل كبير وهذا ما أسهم في تشجيع الأهل على البحث عن العسل البري على مدار أيام السنة .
ويؤكد أن على الأجيال القادمة المحافظة على مهنة وهواية جني العسل البري لأنها تعد من تراث وتاريخ الأجداد والأباء كما أنها تعد مصدر رزق كبيراً لبعض الأسر في مواسم قطاف العسل ولذلك أحرص أنا وإخواني على تعليم أبنائنا هذه المهنة حتى يتمكنوا من صعود الجبال وتحمل التعب في سبيل البحث عن خلايا عسل النحل البري في كافة جبال منطقة الغوب والمناطق المجاورة لها .
غاصب علي (25 عام) يقول: لقد تعلمت قطف العسل من والدي منذ كان عمري 14 عاماً حيث تعلمت استقطاع المناحل الطبيعية من بين الأشجار وأعالي الجبال . كما تعلمت العرف والعادات بين جامعي العسل التي تؤكد احترام العلامة الموضوعة بالقرب من خلية النحل، بحيث لا يقربها أحد لأنه هذه الإشارة تجعل الخلية محفوظة لأصحاب الإشارة ويقوم دائماً برعايتها .
أقوم كل يوم في الأسبوع برحلة لجني خلايا النحل البري من على رؤوس الجبال والأودية المجاورة لمنطقة الصرم بدبا الفجيرة، هكذا تحدث محمد صالح محمد (55 عاماً) قائلاً: إن رحلة جني العسل جعلتني أمتاز بحيوية كبيرة وأحترف الانتقال بين سفوح الجبال حيث إنني ما زلت أمارس مهنة جمع العسل البري بحب وحماس برغم من العديد من الصعوبات .
والحقيقة أن جني العسل البري أصبح في وقتنا الحاضر هواية أكثر مما هو مهنة، حيث يحرص العديد من أبناء الجيل الحالي على البحث عن العسل البري بشكل كبير، نظراً لفوائدة الطبيعية التي لا تعد ولا تحصى وكون جبال إمارة الفجيرة تزخر بالمناحل الطبيعية . كما أن تربيته يعد إرثاً تناقله الأبناء عن الآباء والأجداد بشغف بهدف الحفاظ على هذه الثروة الجبلية .
وعن سلبيات جني العسل يقول علي سعيد اليماحي أبو محمد (60 عاماً): إن طرق الحصول على العسل مسألة صعبة لأننا نقوم بصعود الجبال بمواسم معينة بالجو الحار جداً لجني عسل (البرم) الذي يكون في بداية فصل الصيف، أما الجو البارد فيكون لجني عسل (اليبياب) أي عسل السدر الذي يكثر وجوده بين صخور الجبال العالية في مناطق دبا الفجيرة في ظنحا وغوب والبصيرة في فصل الربيع .
وأشار اليماحي إلى أن رحلة البحث عن خلايا النحل البري قد تستغرق أياماً للبحث عن مكسب الرزق هذا، إلا أننا نسعى دوماً للحصول على كمية كبيرة والعمل على تصفيته وتخزينه، لمجاراة ارتفاع تكاليف المعيشة .
النحال علي الضنحاني (45 عاماً) يقول: رحلة البحث عن العسل في الجبال أو في الأشجار تعتمد على خبرة النحال حيث تبدأ الرحلة بالكشف عن مواقع الخلايا وذلك من خلال موراد الماء، بحيث يقوم النحال بالوقوف على جانب أحد موارد المياه لمدة ربع إلى نصف ساعة بانتظار ومراقبة حركة النحلات ثم نقوم بعد ذلك بتتبع أثرها إلى الخلية حيث إن طبيعة النحل السير بخطوط متستقيمة لأداء مهامه الحيوية حيث إنه إذا وجد على مورد الماء فإنه يقوم بالرجوع إلى الخلية مباشرة، مما يسهم في كشف الخلية بشكل سريع . وللتأكد من وجود خلايا نحل بالمنطقة نقوم بتتبع نقاط الرحيق المتساقط من النحلة في طريق عودته من المرعى إلى الخلية وقد تدل النقاط على عمر الخلية ومدى امتلائها بالعسل وأنها أصبحت جاهزة للقطف أم لا .
وبعد الحصول على الخلية نقوم بوضع علامة تدل على ملكيه الخلية كأول شخص قام بالكشف عنها، بحيث لا يحق لأي شخص أخذ الحصاد ويكون العسل من نصيب صاحب الإشارة فقط، ولابد على الشخص الأول الذي وضع العلامة أن يقوم بزيارة الخلية بين فترة وفترة أخرى وأن يقوم على رعايتها رعاية تامة ولابد له من تجديد العلامة مع كل موسم حصاد .
ويشير الضنحاني إلى أن طريقة التعامل مع النحل بدون خوف تيسر عملية حصاد عسل الخلية بدون أن نتعرض للسعات النحل، حيث إن مادة الأدرنالين التي يفرزها الإنسان وقت الشعور بالخوف أو محاولة إبعاد النحل عنه يكون لها نتائج عكسية وسلبية، مما يثير النحل لمهاجمته بشكل كبير . مؤكداً أنه يتحمل لدغات النحل بصبر وهدوء لأن ذلك فيه علاجاً وحماية من الأمراض .
راشد عبيد أحمد (60 عاماً) يقول: لقد تعلمت قطف العسل من جدي رحمه الله منذ أن كان عمري (17 عاماً)، ومنذ تلك الفترة كنت أجيد فن التعامل مع النحل والمناحل وكنت وما زلت أجيد بقوة التنقل بين الجبال الوعرة وأتحدى الصعاب والتعب للحصول على أجواد أنواع العسل الطبيعي، من أعلى رؤوس الجبال .
ويقول محمد أحمد سعيد اليماحي (16 عاماً): لقد تعلمت مهنة العسل من والدي الذي كان يعلمنا عليها منذ الصغر وكثيراً ما تسلقنا الجبال معه وتنقلنا بين الصخور في الحبال الشامخة في منطقة ظنحا، ولقد أحببت هذه المهنة مع أنني موظف في الفترة الصباحية، ولكني أمارسها في فترة العطلات وفي نهاية الأسبوع .