محمد حماد

العشر الأول من شهر ذي الحجة، خصها الله عز وجل بنفحات مميزة، من تعرض لها وأصاب نفحاتها لا يشقى بعدها، وقد خص الله بواسع علمه وعظيم فضله أوقاتاً وأماكن فضل بعضها على بعض، واختار بعضها من بعض، «فلله خواص من الأزمنة والأمكنة والأشخاص». «وربك يخلق ما يشاء ويختار»، وقد اختار الله من الأوقات أياماً جعلها مواسم خيرات، وأيام عبادات، وأوقات قربات، وهي بين أيام السنة كالنفحات، ترغيباً في الطاعة ومضاعفة الأجر والثواب لعباده الصالحين، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطبراني بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده».

يوم عرفة

وروى الطبراني في معجمه الكبير بإسناد جيد: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير»، تلك النفحات الربانية جعلها الله في العشر الأول من شهر ذي الحجة، تلك التي تبدأ من أول شهر ذي الحجة إلى اليوم العاشر منه، وهو يوم عيد الأضحى، فهي من الأشهر الحرم التي عظمها الله وجعلها «ديناً قيماً»، ومن بين هذه الأيام العشرة يوم عرفة الذي يعد الركن الأساسي في الحج، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، وروت عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبد من النار من يوم عرفة».
هي فرصة للمؤمن يتقرب فيها إلى ربه، في أيام يحب الله فيها العمل الصالح، والأجر فيها أجر المعطي الذي لا حد لعطائه، وكان سلفنا الصالح يعظّمون هذه الأيام ضمن ثلاث عشرات: العشر الأخيرة من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم).

أجر بلا حساب

العشر الأول من ذي الحجة هي موسم للطاعة والقرب من الله بالعمل الذي يرضاه وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام، العمل الصالح فيهن أحبّ إلى الله منه في هذه الأيام العشرة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء»، فتخيل الأجر الذي يفوق أجر الجهاد في سبيل الله عن كل عمل صالح في تلك العشر المباركة.
هي أيام العمل الصالح فيها هو عمل مزكى منه سبحانه وتعالى، وأجره عليه بلا حساب، بل وأعظم من أي حساب، والحديث نفسه رواه الدارمي برواية أخرى تؤكد المعنى نفسه، وتزيد إيضاحه أكثر، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظمُ أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى» قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء»، فتصور أن يكون أجر الرجل الذي يخرج بماله ونفسه في سبيل الله ولا يرجع، هو أجرك عن كل عمل صالح في تلك العشر المباركات فهل تتقاعس؟ وهل يفوتك موسم الأجر الوفير؟
وقد تعددت أنواع العبادات واجتمعت أفضل القربات في هذه الأيام العشرة من صلاة وصيام وصدقة ونسك، ولا شك أن من فضائل الأعمال في هذه الأيام: أداء الحج والعمرة لمن استطاع إليهما سبيلاً، وصيام تسع ذي الحجة من أفضل الأعمال الصالحة التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم خاصة يوم عرفة، وكان صلى الله عليه وسلم يصومها، فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر. أول اثنين من الشهر وخميسين» (أخرجه النسائي وأبو داود وصححه الألباني).

تكفير ذنوب سنتين

ويكفي فضلاً لهذه العشر الأول من ذي الحجة أن صوم يوم فيها هو يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين، ففي الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة، قال: «يكفر السنة الماضية والسنة القابلة»، ومن أعظم العبادات في العشر الأول من ذي الحجة الإكثار من التكبير والتهليل والذكر بصفة عامة، لقوله تعالى «ويذكروا اسم الله في أيام معلومات»، وقد روى البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويروي فقهاء التابعين أنهم كانوا يكثرون في هذه الأيام قولهم: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد».
والعلماء على مشروعية التكبير المطلق في جميع الأوقات والأحوال إلى صلاة العيد، بل واستحباب رفع الأصوات بالتكبير في الأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها، لقوله تعالى «ولتكبروا الله على ما هداكم»، أما التكبير «المقيد»، فيكون دبر الصلوات المكتوبة التي تقام في جماعة في المسجد، ويبدأ لغير الحاج من فجر يوم عرفة، وللحجاج من ظهر يوم النحر، ويستمر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وعموماً فإن من السنة الإكثار من صالحات الأعمال في هذه الأيام كالإكثار من الدعاء، والإكثار من نوافل الصلاة وقيام الليل والمحافظة على السنن الرواتب والصدقة وقراءة القرآن، وسائر الأعمال الصالحة، كبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتوبة النصوح، وحسن الإنابة، فكلها أعمال تضاعف في هذه الأيام.

إحياء سنة إبراهيم

وتبقى عملية الذبح والأضحية من أبرز القربات إلى الله عز وجل، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله تعالى من إراقة دم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها، وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا».
والأضحية من أجلِّ وأعظم الأعمال الصالحة في نهاية تلك الأيام العشرة، وهي إن لم تكن واجبة على المستطيع فهي من السنن المؤكدة، فقد أخرج أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي»، والأحوط للمسلم ألا يترك الأضحية مع قدرته عليها، لأن أداءها هو الذي تتعين به براءة ذمته، وأما غير القادر الذي ليس عنده إلا مؤنة أهله فإن الأضحية لا تلزمه، ومن كان عليه دين فإنه يقدمه على الأضحية لوجوب إبراء الذمة عند الاستطاعة، والمسلم يضحي عن نفسه وأهل بيته، فيشركهم في ثواب الأضحية لينال بذلك عظيم الأجر امتثالاً لأمر الله تعالى، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث ضحى عن نفسه وأهل بيته.
وفي الأضحية إحياء سنة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وفيها تقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم، وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوه: «يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟»، قال: «سنة أبيكم إبراهيم»، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: «بكل شعرة حسنة»، قالوا: فالصوف يا رسول الله؟ قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة».
وفي الأضحية توسعة على الأهل والفقراء يوم العيد، والإهداء لذوي القربى والجيران، وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، لما فيها من تعظيم الله تعالى بذبحها تقرباً إليه، وإظهار شعائر دينه، وغير ذلك من المصالح التي تربو على مصلحة الصدقة بثمنها.