يلجأ العديد من الآباء إلى استخدام العنف والقسوة مع الأبناء كنوع من العقاب، الذي يتخذ أشكالاً كثيرة ومتنوعة، فهناك العقاب اللفظي والبدني والنفسي، ولكل هذه الأنواع المرفوضة تربوياً ودينياً عواقب وخيمة تؤثر بالسلب في شخصية هذا الصغير، بل وقد تؤدي إلى نتائج عكسية، تضعف من شخصيته عند الكبر بل وتخلق منه أبا عنيفا مع أولاده . في هذا التحقيق ناقشنا هذه الإشكالية وتأثيرها مع عدد من الآباء والمختصين .

أولادنا أعظم نعمة منحها الخالق لنا، بهذه الكلمات بدأ د . أبو بكر علي الصديق عضو هيئة التدريس بكلية التربية جامعة عجمان كلامه، وأكد أن هذه النعمة تحتاج إلى من يتعهدها منذ البداية، وأنه يجب ألا يترك الأب أولاده من دون رعاية يعيشون في فوضى، وفجأة يقرر محاسبتهم على ما فعلوه . وهذا يتطلب، حسب الصديق، أن يبدأ الأب رحلة التعهد أو مسيرته التربوية مع أولاده منذ الصغر، عندما يبدأ هذا الصغير بمعرفة معنى الخطأ والصواب .

وأضاف: التدرج في عقاب الأبناء عند قيامهم بشيء خارج عن الإطار السلوكي القويم، مهم للغاية، وهذا التدرج يجب أن يبدأ بالإرشاد والتوجيه، الذي يرافقه تعليم الابن كيفية تصويب هذا الخطأ، ثانياً الإشارة إلى السلوك الخطأ، ثم تأتي مرحلة التوبيخ، والمقصود به ليس الإهانة أو السب والقذف، وإنما هو تقريعه بكلمات قاسية تترك أثراً في نفسه لارتكابه خطأ معين، ليتذكرها عند معاودة ارتكاب الخطأ نفسه، وبعد ذلك تأتي مرحلة الضرب التأديبي، وهو عبارة عن ضرب خفيف على اليد أو الرجل، وليس الضرب الانتقامي العنيف على الوجه أو الأماكن الحساسة، لأن نتائجه عكسية تماماً .

وعن أهم نتائج العنف قال: الضرب والعقاب القاسي يولدان الشعور بالخوف داخل الصغير، وهذا قد يدفعه للكذب، والتكرار في الضرب يصيبه أيضاً بالتبلد وعدم التأثر بهذا العقاب مستقبلاً، إضافة إلى القضاء على مواهبه وملكاته الخاصة، وشعوره بالرغبة في الانتقام من الآخرين خاصة الأب والأم .

اتفقت إنعام يوسف أستاذ علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة عجمان مع هذا الرأي، وأضافت أن هذا النوع من العقاب يعد عنفاً أسرياً، والذي يُعرف بأنه ذلك العنف الذي يحدث في إطار الأسرة وبين أفرادها، وعادة ما يكون داخل المنزل، حيث استخدام القوة من قبل شخص لفرض سلطته وتحكمه في الآخر، ولهذا العنف أنواع كثيرة منها ما يدخل في إطار الإساءة الجسدية، أو اللفظية والعاطفية، والإهمال إضافة إلى الاحتقار والحرق في بعض الأحيان، مع إرغام الطفل على القيام بأشياء ضد رغبته .

وأكدت أن هذه المرحلة العمرية لابد أن نعمل فيها على تنمية مهارات الطفل، وخاصة السلوكية منها، وذلك من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي تكسب الطفل كل السلوكيات المرتبطة بالثقافة مع بلورة طريقة تفكيره وصولاً به إلى فرد وعضو فاعل في المجتمع، له دور مهم في خدمة الحياة الاجتماعية كلها . وأوضحت أن هناك أضراراً فادحة تلحق بالطفل، خاصة ما يتعلق بكرامته وثقته بنفسه وتحمله المسؤولية، بسبب استخدام هذا العنف الأسري .

تحدث د . محمد عيادة الكبيسي، كبير المفتين بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، عن أفضل طرق لتربية الأبناء في الإسلام قائلاً: الأولاد هم زينة الحياة الدنيا، وعندما نتكلم عن الأطفال فإننا نتكلم عن شباب الغد والجيل القادم، لذا حث الإسلام على تربيتهم والعناية بهم، ومعاملتهم بالرأفة والرحمة، فقد قال الرسول الكريم ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا والرسول الكريم لم يضرب صغيراً ولا طفلاً ولا خادماً ولا امرأة قط .

وأضاف الكبيسي: النبي صلى الله عليه وسلم وجهنا في تعليم الصلاة للصغار إلى أمرهم بها في سن السابعة، والصبر عليهم من دون محاسبتهم أو معاقبتهم عليها أكثر من ألف يوم حتى يبلغوا العاشرة .وهذا يعني أن الأمر بالصلاة تكرر على الطفل أكثر من خمسة آلاف مرة، مع الحث والتعليم والتشجيع والمكافأة وغيرها من وسائل التربية، قبل اللجوء للمرحلة الأخيرة وهي العقاب، والتي قد يضطر لها المربي نظراً لاختلاف طبائع الأطفال، فبعضهم يتعظ بالنظرة والعتاب، وبعضهم لا ينتبه لخطئه إلا بتنبيه جسدي .

وأكد الكبيسي أن الإسلام وضع ضوابط صارمة عند إباحة ضرب الأطفال للتأكد من عدم الإساءة لهم أو إيقاع الأذى بهم، وأهم هذه الضوابط اللجوء للضرب البسيط الذي لا يكون مبرحاً أو شديداً، وبعد أن نستنفد الوسائل الأخرى من وسائل التربية، من نصح وتشجيع وتكرار، وألا يضرب الطفل قبل سن العاشرة، وأن يكون الضرب على سبيل التأديب لمصلحة الطفل، وليس بدافع الغيظ والتشفي، كما لا يجوز الضرب على الوجه والأماكن الحساسة، ولا على البطن والأماكن المؤلمة .

أما جاسم محمد كبير منسقي مشاريع نفظية، فأكد أن الحرمان هو أفضل عقاب، وأشار إلى أن الضرب، يحطم معنويات الصغير، ويخلق بداخله مشاعر غير مرغوب بها تجاه الأسرة، لذلك لابد أن نستبعده من حياتنا نهائياً . وقال: لابد أن نجلس كأولياء أمور مع أولادنا ونتناقش معهم عند وقوعهم في أي خطأ مهما كان صغيراً، ونشرح لهم أضرار المشكلة، مع الإشارة إلى نقاط الرئيسة التي تتسبب في الخطأ، ونترك لهم الفرصة لتحديده بأنفسهم ووضع الحلول، فهذا سيترك بداخلهم إصراراً أكبر على الالتزام بها .

وأشار جاسم إلى أن الحرمان من الأشياء التي يفضلها الطفل يؤثر جداً فيه، فمثلاً حرمانه من لعبته أو من الجلوس على جهاز الكمبيوتر الخاص به، أو الحلوى التي يحبها، كلها أشياء مجربة مع الصغار ونتائجها مضمونة، غير نتائج العنف الذي لا يولد سوى العنف .

من منا لم يُضرب وهو صغير؟ هكذا بدأ باسم سامي موظف في حكومة دبي كلامه، وأكمل مؤكداً أنه كثيراً ما تعرض للعقاب الجسدي من والده وهو صغير، سواء كان الضرب خفيفاً أو قاسياً، وترك ذلك أثراً سلبياً بداخله، فهو كثيراً ما يتذكر هذه المشاهد، ويتعجب عندما يتذكر السبب، ففي مرة ضربه والده لأنه نسى مفتاح السيارة في المنزل، ومرة أخرى لأنه نسى إغلاق باب المنزل .

وأضاف أنه لن يستخدم هذا الأسلوب مع أولاده مهما حدث، بل سيعتمد على الحوار والنقاش الهادئ حتى لا يترك بصمة سيئة داخل أولاده بخصوص هذا السلوك العنيف .

إسلام ثابت طالب بكلية التجارة، قال: التربية أنواع، منها نوع يعتمد على التدليل الزائد وآخر يعتمد على القسوة، وكلاهما خطأ، لأن الوسطية في كل شيء مطلوبة حتى تكون النتيجة مرضية، فهناك أب يستجيب لرغبات أولاده من دون تفكير، وعندما يخطئون لا يعاقبهم ويتساهل معهم، وبذلك يخلق شاباً غير مكترث بالآخرين ومشاعرهم، وهناك أب آخر يعتمد على العقاب الشديد، وهذا النوع من التربية يخلق طفلاً عدوانياً جباناً وكذاباً .

وعن تجربته الشخصية قال: لم أتعرض للعنف من والدي، والمرة الوحيدة التي تعرضت فيها لضرب وعقاب قاس كانت من عمي، الذي تسبب في جرح قدمي لأنه ضربني بقطعة خشبية، عندما خرجت من المنزل وذهبت مع أصدقائي، أثناء وجود عمال في منزلنا .

رفيف أبو شاهين تتذكر تعرضها للعقاب العنيف وهي طفلة قائلة:والدي كان دائم الضرب والإهانة لي أنا وإخواني، وكان شديد القسوة، التي كانت من وجهة نظره تربية، لكن ما حدث غير ذلك، فقد أثر العنف في أخي وترك المنزل ليجد الملاذ مع مجموعة شباب خارجين عن القانون، أما أنا فنشأ بداخلي شعور تجاه أبي، قد يكون كرهاً أو خوفاً، لازال موجوداً حتى بعد أن أصبحت أم .

وعن أسلوبها في التعامل مع أولادها قالت: في سنوات زواجي الأولى كنت شديدة العنف معهم، وكنت دائماً أضربهم وأسبهم، حتى لاحظت تغييراً في مشاعرهم لي، إضافة إلى تراجعهم دراسياً، فقررت أن أقف مع نفسي، وألا أكرر ما فعله معي والدي، حتى أربيهم بطريقة سليمة، ولا أضع بيني وبينهم جدراناً .