يقف دافعان اثنان وراء مقاربة الأستاذ عبدالله العروي لمسألة العقل في الإسلام، وفي الثقافة العربية الإسلامية، هما: الاطمئنان المزمن، في الوعي الإسلامي، إلى التلازم بين الدين (دين الفطرة) والعقل، وملاحظة ظواهر الفجوة الكبيرة بين خطاب يبجل العقل والعقلانية، وواقع ينطق - يومياً - بالشواهد الدالة على التجافي بين السلوك الفردي والجماعي و(بين) العقل، ويقيم الدليل على خلو المجتمع والحياة العامة من أي مظهر من مظاهر العقلانية، والدافعان معاً تتأسس مشروعيتهما، عنده، على قاعدتين نظريتين مترابطتين: أولاهما أن العقل، الذي تقصده فرضية التلازم بين الدين والعقل، لا يعني المعنى الذي يفيده مفهوم العقل في مظانه الفلسفية الكلاسيكية، وفي استعماله الحديث في الفكر الإنساني،

وثانيهما أن العقل والعقلانية ليسا مسألة نظرية صرفاً تتقرر بمدى تمتع فكر ما بدرجة ما من الاتساق المنطقي والمنهجي، أو بمدى تمتعه بقدرة ما على بناء منظومة من الأفكار والمعارف متماسكة، وإنما هما مسألة عملية، في المقام الأول، تتعلق بمدى تجسد الفكرة في الواقع، وصيرورتها من اقتناع إلى سلوك مادي،

إن تمظهرهما في الأفعال والعلاقات والمؤسسات، أو غيابهما عن تلك، وحده المعيار الذي يقاس به حضور، أو امتناع، العقل والعقلانية .

من الواضح أن مقاربة تسلك هذه السبيل، وتنطلق من هذه المقدمات، لا يمكنها إلا أن تندرج في نطاق مشروع معرفي هو نقد العقل، لكن نقد عبدالله العروي لا يُشبه كثيراً - حتى لا نقول لا يشبه في شيء - نقد محمد عابد الجابري، أو نقد محمد أركون، أو غيرهما من المفكرين العرب له، فالعروي معني، في المقام الأول، ببيان محدودية العقل في الفكر العربي الإسلامي، الكلاسيكي والحديث، وتحليل الأسباب التي حالت دون صيرورة العقل النظري (عقل المطلق) إلى عقل عملي منتج، عقل الاسم - مثلما سماه - إلى عقل فعل، أي التي حالت دون تحول العقل من عقل يتعقل ويعقل إلى عقل سلوكي، ثم من عقل إلى عقلانية، ولم تكن تلك محاولة الجابري أو أركون التفسيرية، ذلك أن هذه - على ما بين الباحثين من اختلاف في المنطلقات والمنهج - انصرفت إلى التفكير في ماهية العقل ونسبته الثقافية (عربي، إسلامي)، ونظام المعرفة (الإيبيستيمي) الحاكم له، ومكانته ضمن النظام الإجمالي للثقافة العربية الإسلامية .

قد لا يكون ثمة من شك في أن انشغال محمد عابد الجابري، ومحمد أركون بسؤال العقل ليس انشغالاً بسؤال فكري، أو معرفي، في التراث الإسلامي بمقدار ما إنه يبدأ من ملاحظة واقع حاضر وراهن، هو واقع فقر الثقافة العربية المعاصرة إلى العقلانية، فذلك - على الأقل - ما لم يكف الباحثان الكبيران على التشديد على كونه من منطلقات اهتمامهما المعرفي بمسألة العقل، غير أن ما ميز تفكير الأستاذ عبدالله العروي في المسألة هو الحضور الكثيف لهاجس مشكلات اليوم في برنامج البحث لديه في المسألة عينيها، وفي سواها من المسائل التي فكر وكتب فيها، لا يكتفي العروي بملاحظة فقر الفكر العربي إلى العقل، وما في الإنتاج الفكري العربي من مفارقات، ومن عوامل حصر وامتناع، بل يزيد على ذلك بملاحظة ما بين الفكر والواقع من فجوات، وما في جوف ذلك الواقع من ظواهر في غاية التجافي مع منطق العقل والعقلانية، في الوقت عينه الذي لا يكف فيه عن التبجح بأن العقل فريضة واجبة، وأنه من مقتضيات الدين . . إلخ! لا ينطلق العروي، بهذا الحسبان، من التراث ليفسر خلو الفكر والاجتماع، اليوم، من روحية العقل، وإنما هو يختار الانطلاق من ملاحظة الظاهرة في الواقع المعيش ليعود إلى الحفر، في الطبقات العميقة للفكر، عما عساه أن يكون من عواملها الثقافية - التاريخية المؤسسة .

لعل لهذه الطريقة في مقاربة مسائل العقل في الإسلام صلة بالموقع الذي يتحرك فيه كمفكر: موقع المؤرخ، أي الباحث الذي عدته الأساس من الواقعات لا من الأفكار .

وهذا موقع معرفي يعرض صاحبه،على الأغلب، عن التفكير في الماهيات تفكيراً نظرياً: فلسفياً أو تأمليا، لينصرف إلى التفكير في الظواهر المادية والعلاقات، بماهي وحدها الموضوعات التي يمكن انتاج معرفة بها، غير أنا لا نملك، في الوقت عينه، أن نُغفل حقيقة طالما أفصح عنها عبدالله العروي نفسه، في مناسبات مختلفة، هي قدحه في النظر الفلسفي، وإباؤه إياه طريقة مناسبة للتفكير في قضايا المجتمع والتاريخ، وعده النظر هذا ثرثرة جوفاء لا طائل منها!

والحق أن كثيراً من الباحثين في ميدان الفلسفة، أو في العلوم الإنسانية، والقارئين لكتابات العروي، والدارسين لها، يتملكهم الاستغراب الشديد لهذه الأحكام القاسية التي يصدرها، في حق الفلسفة، فالعروي إن لم يكن فيلسوفاً، أو إن هو أصر على ألا يكونه، يملك من عدة اشتغال الفلاسفة الشيء الكثير: اللغة النظرية المجردة، التفكير المنطقي الصارم، الولع الشديد بطرائق الاستنتاج والتركيب والمقارنة، مقاسمة الفلاسفة نفس مصادرهم النظرية والمرجعية، فضلاً عن الانتهال الدائب من معين مدارسها وتياراتها، والمعرفة الواسعة المحيطة بتاريخها .

على أن هذه المرارة المشروعة من موقف العروي السلبي- للغاية - من الفلسفة، لا تغير في شيء من وجاهة نظرته الواقعية إلى الموضوعات التي يبحث فيها، أو من وجاهة برمه بالنزعة التأملية في التفكير والدرس، السائدة في معظم التأليف الفلسفي، وآي ذلك أن مقاربته لمسألة العقل في الإسلام، من منطلقاته التاريخية والواقعية تلك، أعفته من الانجرار إلى خطاب مماحك دائر على معنى العقل ومفهومه، أو إلى تحليل بنيوي لنظام العقل والتعقل في الإسلام .