فرض موضوع حماية البيئة نفسه على اهتمام الجميع بعدما ظهر التدهور البيئي وآثاره السلبية على حياة الإنسان بصورة كبيرة وهذا ما جعل المجتمع الدولي يولي اهتماماً كبيراً بالبيئة.
ومن هنا تبرز أهمية التعرف إلى المنهج الإسلامي لحماية البيئة والذي يقوم على الجانب التربوي من خلال الربط بين واجب حماية البيئة وبين أصول الدين والعقيدة والشريعة، ثم على الجانب العملي من خلال نظام مؤسسي وإجرائي.
ففي الجانب التربوي نجد أن حماية البيئة من شعب الإيمان: كما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.
كما أن حماية البيئة من التلوث من مقاصد الشريعة: التي حددها العلماء بمقومات الحياة الخمسة وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، ومن المعروف أن تلوث البيئة يضر بهذه المقومات والضرر منهي عنه شرعاً كما يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار، كما يؤدي التلوث إلى إفساد هذه المقومات، والفساد منهي عنه شرعاً في قوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 85).
وإذا كانت الأحكام التكليفية بنيت على أن ما يصلح هذه المقومات الخمسة يكون واجباً أو مندوباً إليه بحسب درجة الصلاح، وأن ما يفسدها يكون حراماً أو مكروهاً بحسب درجة الإفساد، وأن التلوث يعتبر ضرراً حيث يوصف اقتصادياً بأنه الزيادات التراكمية للعناصر الضارة بالبيئة كما يوصف فقهياً بالضرر الكبير المستدام لذا فإنه يدخل في نطاق التحريم الشرعي، وفي المقابل فإن حماية البيئة منه تدخل في نطاق الوجوب الشرعي.
كما نهى الإسلام عن الإسراف والتبذير لأنهما يؤديان إلى استنزاف الموارد مما يضر بالبيئة وجاء هذا النهي مقترنا بعدم حب الله للمسرفين في قوله تعالى (إِنهُ لا يُحِب الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: 114).
أما الإجراءات العملية لحماية البيئة من التلوث فتقوم على نظام متكامل بدءاً من تحديد صور التلوث وإنشاء أجهزة التحكم والرقابة على التلوث وتحديد مسؤولياتها، ووضع السياسات والأساليب والإجراءات العملية اللازمة لعمل النظام.
ولقد طبق هذا النظام عملياً وأثمر نتائج باهرة رغم عدم حدة المشكلة حينها، وتتمثل أهم إجراءات هذا النظام في الآتي:
في الجانب القانوني وما يذكره الفقهاء في باب القضاء في المرافق يجب على القاضي الحكم في القضايا المتعلقة بتلوث البيئة والذي حددت صوره بما لا يخرج عن الصور المتعارف عليها الآن مثل تلوث الهواء بالدخان الناتج عن الأفران، والروائح الكريهة من المدابغ، وتلوث الضوضاء الناتج عن تشغيل الآلات ومنه أيضاً إفساد جدران المباني، وتلوث مياه الأنهار بإلقاء المخلفات والنجاسات فيه كل ما يضر بالمياه في الأنهار وهناك صور للتلوث المعنوي بانتهاك حرمات الآخرين وخصوصياتهم عن طريق اتخاذ نوافذ وأبواب يطلع منها الإنسان على جيرانه، وتم وضع قواعد قانونية ليسترشد بها القاضي في كل هذه الأمور.
إجراءات التحكم والرقابة: بجانب الإجراءات القانونية أو القضائية تأتي إجراءات التحكم والرقابة على التلوث من خلال جهاز الحسبة الذي يتبع إجراءات وقائية تمنع حدوث التلوث فوراً وتزيل أسبابه، ومن أمثلة ما ورد عن واجب المحتسب تجاه ذلك مكافحة تلوث الهواء بالدخان من الأفران حيث ينبغي أن يأمر أصحابها برفع سقوف أفرانهم وبأن يجعلوا في هذه السقوف مخارج واسعة للدخان وأما في مواجهة التلوث الناتج عن مخلفات الإنتاج فجاء فيه: ويكلف من فتح سراباً وأخرج ما فيه من مخلفات الإنتاج السائلة أن ينقله إلى خارج البلد ويسوي موضع السراب ويعدل الطريق وينظفه من الأذى.
وهناك إجراءات وقائية تتبع عند تخطيط المشروعات بشكل لا يضر بالبيئة ومنها أن تقام المشروعات الملوثة للبيئة في أماكن لا يصل ضررها للناس مثل ما جاء، ويجب أن تصنع القراميد والآجر مواد البناء خارج أبواب المدينة وتكون مواضعها بالحفير الذي يحظى بالمدينة كما جاء ويجب على المحتسب أن يتخذ لبياعي الحوت مكاناً يكون فيه سوقهم بمعزل عن الطريق لما تعوده من الرائحة. ومن أوجه الإعجاز القرآني الإشارة إلى تفاقم حالة تلوث البيئة التي تعيشها البشرية الآن وآثارها وعلاجها في قوله تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَر وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41). فهاهو القرآن الكريم يخبر منذ 1430 سنة بأن تلوث البيئة سيظهر بحدة في صورة إفساد لعناصر البيئة المختلفة برا وبحرا وذلك بفعل الإنسان الذي سيصيبه أضرار هذا التلوث ولا مخرج منه إلا بالرجوع إلى الله عز وجل واتباع أوامره واجتناب نواهيه.
* أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر