العلامة الموريتاني أحمد ولد النيني، أحد أشهر العلماء الموريتانيين، فهو سليل أسرة أهل محمد سالم الشهيرة بتخريج جهابذة العلماء منذ ثلاثة قرون، وقد تولى ولد النيني مناصب سامية بينها رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، والمؤسسة الوطنية للأوقاف، كما أن له نشاطاً ملحوظاً في نشر الدعوة وأحكام الإسلام عبر المحاضرات والأحاديث الدينية في وسائل الإعلام والمساجد والمنابر الدعوية المختلفة.

الخليج التقت العلامة أحمد ولد النيني في العاصمة نواكشوط وحدثها عن حقوق المرأة والطفل في الإسلام وذلك في هذا الحوار:

ديننا خلّص النساء من القتل والتعذيب والإهانة

الغرب دائما يتهم الإسلام بانتهاك حقوق المرأة وهذا ينم طبعا عن عدم فهم لحقيقة الإسلام وتعاليمه السمحة، فهلا حدثتمونا عن الوضعية العامة للإنسان وحقوق المرأة والطفل في الإسلام؟

الإسلام شرف الإنسان وكرمه وجعله من أفضل المخلوقات كما قال سبحانه وتعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.

ومن ضمن التكريم الذي فضل الله به الإنسان حسن الهيئة والتقويم في امتداد القامة وحسن الصورة وملذات الأطعمة والاشربة ومحاسن الثياب بالإضافة إلى النطق والتمييز والعقل.

ويزداد التكريم بالتحلي بالأخلاق الحسنة والقيم الفاضلة حيث جعل الإسلام تحديد قيمة الإنسان بالتقوى التي هي الامتثال في الظاهر والباطن للأوامر الشرعية والاجتناب في الظاهر والباطن للنواهي الشرعية ويقود ابتعاد الإنسان عن التقوى إلى انحطاط رتبته ومكانته لأنه لم يحافظ على ما كرمه الله به ونلاحظ ذلك في كون المسلم الشريف ذي الخلق الحسن يستحق نصف الدية بالاعتداء على بعض أعضائه كاليد مثلا بينما يستحق قطع هذا العضو لسرقة ما يعادل ربع دينار فقط لابتعاده عن المثل العليا والأخلاق السامية.

حقوق كاملة

وفي ما يتعلق بالمرأة فإن الإسلام هو الذي خلصها من ويلات القتل والتعذيب والاهانة والاضطهاد حيث كان الرجل في الجاهلية يتعامل مع البنت التي تفضل الله عليه بها بمضمون قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون.

فالذين ينسبون إلى الإسلام النيل من المرأة يجهلون حقيقة الإسلام وسماحته، فالإسلام هو من جعل المرأة ترث وتتمتع كالرجل بأكل كل الوجبات الشهية بعد أن كانت تحرم منها قال تعالى: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وان يكن ميتة فهم فيه شركاء.

والإسلام هو من خلص المرأة من الحصار الذي كانت تعيشه وهي في حالة الحيض مثلا حيث كانت تبقى بمعزل تماما حتى تتخلص من ذلك، وبالإسلام ارتفعت مكانة المرأة فأصبحت تتمتع بحقوقها كاملة من احترام وحرية رأي وحق في الميراث والتملك قال سبحانه وتعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ويقول سبحانه وتعالى: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ويقول صلى الله عليه وسلم: إن لكم من نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا.

وفي بعض حالات الميراث نجد نصيب المرأة أعظم من الرجل كما هو الحال في أخت شقيقة وأخ لأم حيث للأخت النصف وللأخ للأم السدس فقط وقد تحجب المرأة الرجل أصلا فلا يرث كما هو الحال في بنت وأخت شقيقة وأخ لأب فلا شيء للأخ هنا، فللبنت النصف والباقي للشقيقة.

المرأة في موريتانيا

لقد رفع الإسلام منزلة المرأة وشرفها بعدما كانت تعانيه من وأد واحتقار وإذلال وإقصاء...

لكن الذين يقولون إن المرأة المسلمة لا تحتل المكانة الملائمة لها ينطلقون في رأيهم من الواقع الحالي للمرأة فهي مثلا هنا في موريتانيا لا تتولى القضاء، بينما نجد أن المرأة في بلدنا مثلا تحتل مكانة عالية في نفوس الأفراد والمجتمع والدولة لأن لها نسبة عالية في المشاركة في الوظائف، فالمرأة وزيرة وتستحق ذلك، والمرأة مديرة، والمرأة في مختلف المناصب عندنا، ويكفيها أنها هي ربة البيت وهي التي تأمر الرجل في البيت ويأتمر بأمرها، وإذا لم تكن رئيسة فلأن الإسلام لا يجعل المرأة في منصب الرئاسة إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وأرى أن في ذلك صونا للمرأة لأن مسؤولية الإمامة العظمى (الرئاسة) مسؤولية صعبة وفي نظرنا أن الإسلام شرف المرأة عن تحمل تبعات هذه المسؤولية لأنها مسؤولية جسيمة وفي مجال القضاء لا يسمح جمهور الفقهاء للمرأة بممارسة هذه المهنة وفي نظري أن ذلك يرجع إلى تشريفها وتكريمها لأن القاضي نائب عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم بما أنزل الله وبتقصيره يتعرض لوعيد شديد ففي الحديث الشريف قاضيان في النار وقاض في الجنة، ومن ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين وفي إبعاد المرأة عن إمامة الصلاة تشريف وتعظيم لها، فكل إساءة يقوم بها الإمام في صلاته تحسب عليه.

ضوابط إسلامية

هل هذا يعني أن المرأة أقل قدرة على التحمل في التكوين الفسيولوجي ومن الناحية العقلية؟

لا ليس الأمر كذلك إطلاقا، لأن من النساء من هن أشد فطنة وذكاء ونباهة من الرجل والمتتبع للتاريخ الإسلامي يجد فيه أن عائشة رضي الله عنها كانت تعلم الصحابة وكانت من الصحابة المكثرين في الحديث والنساء عبر التاريخ تولين مكانة عالية في العلوم وحتى في الجهاد، إلا أن الذي جعل الإسلام في رأي الجمهور يمنع المرأة من القيام ببعض الوظائف لا يعود إلى عدم قدرتها على القيام بهذه المسؤولية، بل فيه كما قلت نوع من تعظيم المرأة والنأي بها عن تبعات قد تكون عظيمة لأن صاحب المسؤولية يتحمل تبعاتها.

في بعض بلدان العالم الإسلامي تدخل المرأة تحت يافطة الحريم فتمنع من ممارسة السياسة مثلا؟

الإسلام يمكن أن نقول باسمه إنه لا يمنع المرأة أية وظيفة ما دامت تتحلى بالأخلاق والضوابط الإسلامية فثمة ضوابط وسمات إسلامية لابد للمرأة أن تتحلى بها في الوظيفة وحتى في المنزل وما دامت تلك السمات والضوابط مصانة فبإمكانها أن تقوم بكل المسؤوليات والوظائف إلا أن كل ذلك لا بد أن يؤدي طبقاً لتعاليم الشريعة وضوابطها، ولا يعني منع المرأة من تولي الوظائف الثلاث التي سبق الحديث عنها أن تمنع عليها وظائف أخرى فلها أن تقوم بوظائفها طبقا لنصوص الشرع والضوابط التي يمنع الخروج عليها في أي حال من الأحوال.

عناية فائقة بالطفل

تتهم بعض الجهات الغربية العالم الإسلامي بانتهاك حقوق الأطفال فهم يقولون إن الأطفال المسلمين يتعرضون للضرب والحرمان من حقوقهم وهو ما يؤدي إلى نوع من انفصام الشخصية لدى الطفل، فالتنشئة غير السليمة من الأساس هي التي ينجم عنها إنسان غير سوي.

لعل ذلك يرجع إلى عدم تتبع نصوص الشريعة السمحة، فالإسلام هو أول من دعا إلى العناية بالطفل، حيث دعا الرجل قبل الزواج إلى أن يتخير من ستكون أما لابنه أو ابنته إذ يقول صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم وإذا كان هذا في مبدأ الصلة بين الطرفين فإنه دعا إلى القيام بنفقات الأم إذا كانت ذات حمل ودعا إلى الاعتناء بها من أجل صحة إنجابية تامة وبعد الإنجاب دعا الإسلام إلى الرضاعة الطبيعية حتى أنه أوجب على الزوج أن يزيد المصاريف المالية في النفقات على الزوجة إذا كانت مرضعا لأنها تحتاج إلى ضمان وجود غذاء تام متكامل للصبي، ودعا إلى إرضاع الصبي حولين كاملين كما قال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، وقال في الحمل: وان كن اولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتونهن أجورهن، وإذا كان هذا في الحمل والرضاعة فإن الحضانة هي الأخرى أمانة عظيمة جعلها الإسلام في رقبة الرجل والمرأة ما داما مجتمعين، فهي تتولى حفظ الولد في نومه، يقظته، تنظيف ثيابه، و بدنه، وتربيته جسميا وعقليا، وإذا وقع طلاق فالإسلام جعل الحضانة على المرأة لاحتياجها إلى مزيد الشفقة والرأفة فالرجل قد لا يصبر على بكاء الصبي وتحمل أقذاره ومشاقه، بينما تبيت المرأة في سهر من أجل أن ينام ولدها وتتحمل مشاقه العظيمة، وإذا كان هذا على المرأة، فإن على الرجل توفير الأمور المادية التي تمكن من حضانة تامة، والمتتبع لنصوص الشريعة يرى أنها أحاطت الحضانة بشروط عالية لا بد من توفرها في الحاضنة فمثلا لا بد للحاضنة من القدرة على مسايرة الصبي، فالزمنة (المقعدة) لا حضانة لها لأنها عاجزة عن تتبع حركة الولد غير المضبوطة، ولا حضانة للام إذا كانت أخلاقها سيئة لأنها ستربي النشء على أخلاق فاسدة، والأم التي بها مرض معدٍ لا حضانة لها لأنها قد تؤدي إلى أمراض خطيرة، وإذا سبق للام أن أصيبت بضرب من الجنون سقطت حضانتها مخافة أن تعاودها تلك الضربة فتوقع بولدها أضرارا أو شيئا من هذا القبيل، فالمرأة لا بد أن تكون سليمة، وكذلك المرأة المسنة أو العمياء لأنهما لا يمكنهما متابعة الصبي في حركاته، ولابد من تحلي الأم بالأمانة وحسن الأخلاق، وبهذه العناية الكبيرة نجد أن الإسلام هو أول من دعا إلى حقوق الطفل وحقوق الأم ودعا إلى صحة إنجابية متكاملة. وباختصار فإن حقوق المرأة والطفل في الإسلام لا مثيل لها.