ليس غريباً أن يشعر الفرد بعدم رضاه عن نتائج اختبارات الذكاء، خاصة إذا أظهرت أن مستواه أقل من الأسئلة أو العكس . واختبار الذكاء الشامل، هدفه تصنيف البشر والروبوتات، بل وربما حتى الشمبانزي، والكائنات الفضائية، جميعها على مقياس واحد باستخدام نظريات مستوحاة من علم الرياضيات . ولكن هل الذكاء معيار لتصنيف البشر؟

هذا النوع من الاختبارات، فكرته مستوحاة من دراسات الذكاء الاصطناعي ورغبة العلماء في إيجاد أفضل السبل لقياسه . ويتوقع أن يشهد العام الجاري، الاختبار الأكثر شهرة لوضع مقياس عالمي للذكاء، على هامش احتفالات الذكرى ال 100 لميلاد عالم الرياضيات الإنجليزي ومؤسس علم الحاسوب الحديث آلان تورينج . ولكن اختبار تورينج، يعيبه عدد من الخبراء، لصعوبة اجتيازه بسبب اعتماده على جهاز يوهم مستخدمه بأنه يتحدث إلى شخص آخر . ولذلك، كما يرى منتقدوه، لا يستطيع ضبط نسبة ذكاء الإنسان، ما يؤكد الحاجة الملحة إلى إيجاد طريقة أفضل لقياس الذكاء .

على الرغم من ذلك، فإن اختبار الذكاء أكثر تأثيراً من البحوث العلمية التي تستهلك الوقت، عن طريق الاختبار المستند إلى مبادئ رياضية قد تفضي لنتائج تعرفنا أشكال الحياة التي تعرض أنواعاً غير مألوفة من الذكاء . وفي الواقع، يجب وضع اختبار لا يتحيز إلى الإنسان ليكون الطريق الناجح لاكتشاف الطبيعة الحقيقية للذكاء بصورة عامة .

ويقول خوسيه هرنانديز أورالو في جامعة فالنسيا في إسبانيا: من الصعب جدا أن تكون النتيجة دقيقة باستخدام نوع واحد فقط من اختبارات الذكاء، وحان الوقت للتخلي عن فكرة أن أدمغتنا هي المعيار .

ومن السهل بمكان اختبار ذكاء الإنسان باختبارات الذكاء العصرية، على الرغم من عيوبها المعترف بها . ولكن عندما يتعلق الأمر باختبارات دقيقة لغير البشر، فستصبح هذه الاختبارات عديمة الفائدة لأنها لا تقوم على تعريف رياضي أو حتى رسمي للذكاء، وغالباً ما تفترض المعرفة والمهارات التي يتميز بها الإنسان كمعيار قامت وارتكزت عليه عند اقتراعها، كما في تورينج اختبار الذكاء الأفضل أداء والمعروف عالمياً، ولكن العثور على برنامج يمكنه تقليد قدرات العقل البشري، يمثل في حد ذاته تحدياً كبيراً . فمنذ عام ،1990 أثارت جائزة لوبنر التي ترتكز على اختبار تورينج إلى حد ما، إعجاب الباحثين، ولكن معظمهم لا يعتقد أنها مكتملة الفصول .

ويقول ماركوس هوتر في الجامعة الوطنية الاسترالية في كانبيرا: اختبار تورينج يسلك منهاجاً قد يؤدي إلى الاعتماد على الحجج الفلسفية حول الذكاء بشكل عام، وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن الاعتماد عليه، ولا يمكننا أن نأخذ به على محمل الجد كهدف نظري نهائي .

وبدلا من ذلك، هناك اختبارات لا تحصى ولا تعد لقياس الذكاء عند البشر، مثل نارو الذي يعتمد على لعب الشطرنج، والذي ظهر في تجربة اللعبة الشهيرة بين جهاز ديب بلو الذي أنتجته شركة آي بي إم والذي فاز على بطل العالم السابق وأسطورة الشطرنج الروسي غاري كاسباروف عام ،1997 ومع ذلك، كما يرى هوتر، فإنه سيكون عديم الجدوى تماماً ولا يمكنه تكييف نفسه لإكمال الكلمات المتقاطعة، والمحاولة الوحيدة لتشجيع تنمية الذكاء هي منافسات الألعاب، التي تعقد سنويا في اجتماع للجمعية الأمريكية للذكاء الاصطناعي التي يقدم خلالها مستحدثات الألعاب .

ووضع هرنانديز بالتعاون مع ديفيد دوي، المتخصص في نظرية المعلومات والإحصاءات من جامعة موناش في ملبورن، استراليا، مثل هذا الاختبار، وحاولا تعريف الذكاء من منطلق يرتكز على مفاهيم علم الرياضيات بحسب تطورها قبل ستينات القرن الماضي . وهي الفترة التي رأى فيها أن الذكاء متصل بالقدرة على اختصار المعلومات، وهذه المهارة تجعل العقل أكثر مهارة في حل المشكلات، وبطريقة أفضل من استخدام نظرية الخطأ والصواب .

فعلى سبيل المثال، يمكن اختصار المتوالية 10101010101010، بأنها تكرار للرقم 10 ل7 مرات . أو 1234567 بأنها عد إلى رقم ،7 والاختصار يؤدي أيضا إلى القدرة على التنبؤ: فالآلة التي يمكنها تحديد نمط، يمكنها استخدام تلك المعلومات في تسمية الأرقام ومتواليات عددية أخرى إن لم تكن جميعها . ويسمى ذلك بالتعلم التنبؤي، الذي يقوم على أساس القدرة على التعلم من خلال الكشف والتعميم، وإعادة استخدام الأنماط المتشابهة .

وليس بشيء جديد ارتباط أنماط وحقائق المعلومات بالذكاء، ولكن كانت مساهمة دوي وهرنانديز في قياس عملية التعلم التنبؤي، باستخدام ما يعرف الآن باسم تعقيدات كولموغوروف حيث أثبتت مساهمتهما أن المعلومات التي يمكن اختصارها بسهولة مثل المتواليات أعلاه، قد تكون بحسب نظرية كولموغوروف منخفضة التعقيد، بعكس ما تأتي بتسلسل عشوائي، والتي لا يمكن اختصارها على الإطلاق .

وعلى الرغم من آثار هذه النظرية على تفسيرات الذكاء، إلا أن الحقل العلمي تجاهلها إلى حد كبير حتى أواخر تسعينات القرن الماضي، إلى أن اكتشف دوي وهيرنانديز في وقت لاحق، العلاقة بين الاختصار والذكاء . وفي محاولة لتحفيز بحوث اختبارات الذكاء، أطلق عدد من الباحثين، عام ،2006 جائزة الاختصار المعرفي لدى الإنسان المعروفة باسم جائزة هوتر، التي تقدم مكافآت نقدية لمصممي الخوارزميات التي تستخرج وتختصر المعلومات من شبكة الإنترنت .

ومع ذلك، فإن العالم الأمريكي هوتر الذي أطلق الجائزة وحملت اسمه، هو أول من رأى أن الاختصار وحده لا يمكنه تفسير كل جانب من جوانب الذكاء . ولإظهار المهارات العقلية، ينبغي أيضا اختبار قدرات العقل على استخدام المعرفة واختصارها، ومن هنا يمكن أن يبدو جلياً ما إذا كان قادراً على اتخاذ قرارات ذكية والتخطيط للمستقبل على أساس سليم .

وهناك نوع آخر يسمى ب الذكاء طول الوقت . ويتمثل في سلسلة من المهام التفاعلية المعروضة على شاشة الكمبيوتر، وتتكون كل مهمة فيه من صف من صناديق تحتوي على الرموز . ففي البداية توجد ثلاث خانات، مع زيادة عددها في الأسفل . والهدف هو الحصول على أكبر عدد من النتائج الايجابية وتجنب الإجابات السلبية .

فبمجرد أن يبدأ الاختبار، يبدأ الفرد باستخدام الفأرة في نقل الرمز الذي يمثل me بين المربعات . وبعد كل خطوة يحدد فيها ما يريد فعله، فإن رموزاً أخرى في المربعات تنتقل تلقائياً، وتخلف نتائج وخيارات إيجابية أو سلبية أو محايدة . كل ذلك يعرض بعلامات ملونة هي الأخضر والأحمر والرمادي .

وبعد فترة، يلاحظ الشخص الذي وضع في الاختبار، أن نقل مربعات معينة غير مسموح به . ويتبين له أن هناك شبكة من المربعات غير مرئية، وذلك بظهور مسارات فيها عدد المربعات . فاستخدام هذه المسارات ومطاردتها إلى أسفل، فإن واحدا من الرموز يؤدي إلى نتائج إيجابية، وبالعكس . ولكن كيف يمكن تحديد نسبة الذكاء؟

يقول هوتر: يمكن استخدام قدرة الشخص على معرفة الأنماط، وقياس ذكائه من خلال نتائجه الإيجابية وفوزه في اللعبة . مضيفاً: إن الاختبار هو تقييم رياضي لقدرة الفرد على الردود الفورية، ثم إعادة اختصارها المعرفي .

وهناك بعض المهارات في برامج الكمبيوتر هي ميزة في البشر . فقد توصل هيرنانديز وزميله دوي إلى أن قدرات المخلوقات التي تستخدمها في التنقل المكاني، ما هي إلا أنماط معينة من المعلومات يوظفها الإنسان بسهولة أكثر من جهاز كمبيوتر، فعلى سبيل المثال: قد يكون الإنسان أكثر ميولا إلى استشعار المسارات بين الأماكن جسديا . حيث يتم إنشاء المسارات بشكل عشوائي . وعلى العكس، فإن تطبيقه لذلك على آلة العمليات الحسابية السريعة سيكون مملاً بالنسبة له .

فقد وضع هرنانديز وفريقه، 20 شخصاً أمام 20 نوعاً من الاختبارات الأولية، استمدوها من تجربة في مؤتمر الذكاء الاصطناعي في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا الأمريكية . وما كشفته التجربة، عن الذكاء بصورة عامة كان أكثر أهمية من ذكاء المشاركين أنفسهم .

فكيف نصنع اختبار ذكاء أكثر فعالية؟ أولى خطواته تتمثل في التركيز على أداء الفرد، والثانية أن يأتي أكثر صعوبة أو سهولة حسب عمر الشخص . وهذا من شأنه أن يضمن للمشاركين الأكثر ذكاء، خضوعهم إلى اختبارات أصعب . فإذا كان الاختبار سهلاً أو صعباً، سيكون مملاً وغير فعال .

ويجب إعادة تصميم الاختبار عند تطبيقه على الحيوانات، لأنه من الصعب أن تستطيع هذه الشريحة من الكائنات الجلوس إلى شاشة الحاسوب، وهي نفس المشاكل التي ظلت تواجه علماء النفس الحيواني .

ويقول دوغلاس ديترمان من جامعة وسترن ريزيرف في كليفلاند بولاية أوهايو الأمريكية: لا يمكن المقارنة بين الأنواع التي نريد اختبارها وبعض المهام الأساسية للاختبار، مضيفاً، أن المشكلة هي الهدف المتمثل في الأداء الجيد، لذلك يجب وضع الاختبارات لكل الأنواع .

ويقول توم شاول باحث الذكاء الاصطناعي في جامعة لوغانو في سويسرا: أتوقع أن يستغرق الأمر بعض الوقت والجهد البحثي حتى يتم تسوية جميع مكامن الخلل .

ويعتقد هيرنانديز أنهم يسيرون، مشيراً إلى فريقه الباحث، على الطريق الصحيح . إذ يقول: إن أكثر ما يعجبني نجاحنا في وضع اختبار يبدو أنه حاسم بالنسبة لمستقبل الذكاء الاصطناعي، ولكن عدم قدرتنا الحالية على قياس الذكاء في الشعور العام الخارجي للجنس البشري مشكلة رئيسة، سنحيلها إلى فكرة فلسفية، بدلاً من كونها علمية .

هناك بالتأكيد إمكانيات وآفاق علمية متعددة، لاكتشاف ما إذا كنا نستطيع تجاوز قدرات الإنسان المرتكزة على الذكاء . ويبدو ذلك فيما توصل إليه باحثون في الذكاء خلال تجاربهم على الحيوانات التي تظهر قدرة عالية على اجتياز المتاهات .

وتقول بلاي ايتباي، الفيلسوف في جامعة ساسكس في برايتون، المملكة المتحدة، والمتخصصة في الذكاء الاصطناعي: من يدري، ربما هناك مفاجآت أخرى، فإذا استطعنا تصميم اختبار لتقييم ذكاء الكائنات الأخرى غير الإنسان، ربما نكشف حالات خاصة في الذكاء البشري .