الإسلام دين يقدر العلم أحسن تقدير، ويعلي من شأن حامليه فقد أمر الله عز وجل نبيه أن يستزيد من العلم قال الله تعالى: وقل ربي زدني علماً (طه 114) قال القرطبي رحمه الله تعالى: فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم، وقال الله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (الزمر 9) قال السعدي رحمه الله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون ربهم ويعلمون دينه الشرعي ودينه الجزائي، وما له في ذلك من الأسرار والحكم والذين لا يعلمون شيئاً من ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلام، والماء والنار .
خطر التقليد الأعمى
ومن أجل ذلك ذم الله سبحانه وتعالى التقليد الأعمى الذي لا يستند إلى دليل يقبله العقل، أو حجة يقرها النقل فقال الله جل وعلا: بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (الزخرف 21) فهؤلاء المشركون لا دليل لهم ولا حجة على شركهم إلا أنهم وجدوا آباءهم على الضلال فاتبعوهم واقتفوا أثرهم ولم يستخدموا ما أنعم الله عليهم به من عقل في التمييز بين الحق والباطل، كما أنهم لم يلقوا السمع إلى ما جاءهم من الهدى على رجل منهم يعرفون نبل أصله وكريم خصاله، حالهم في ذلك حال أهل الغواية والضلال في كل عصر من العصور قال الله تعالى: وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (الزخرف 23) وتكمن خطورة التقليد الأعمى في كونه يعطل العقل عن العمل ويحجبه عن رؤية الحقائق قال الله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءً صم بكم عمي فهم لا يعقلون (البقرة 170 - 171) فهؤلاء عندما دعوا لاتباع ما جاء من عند الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من الهدى رفضوه بحجة تمسكهم بدين الآباء والأجداد على غير بصيرة أو تعقل، لذلك شبههم الله عز وجل بالبهائم التي إذا ما صاح بها راعيها لم تعقل من صياحه شيئاً ولم تر في فعله هداية، وليس ذلك منهم لضعف حجة الرسول، أو عدم وضوح قوله وإنما لتقليدهم الأعمى، وتعصبهم لتراث الأقدمين، قال الله تعالى: ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (الحجر ،14 15) فالذي منعهم عن رؤية الحق وحجب عقولهم عن الهداية عنادهم واعتزازهم الزائد بموروث السابقين، ومما يدلك على الأثر السيئ للتقليد الأعمى، والتعصب الشديد ما رواه البخاري عن ابن المسيب عن ابيه ان أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقال أبوجهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبدالمطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبدالمطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (التوبة 113)
معنى الاتباع
والتقليد هو موافقة بلا بينة، وقد منعه العلماء في العقائد قال ابن عاشور رحمه الله تعالى عند تفسير قول الله تعالى: وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً (الجن 5) (وفي هذه الآية إشارة إلى خطر التقليد في العقيدة، وأنها لا يجوز فيها الأخذ بحسن الظن بالمقلد (بفتح اللام) بل يتعين النظر واتهام رأي المقلد حتى ينهض دليله) . وقال ابن عطية رحمه الله تعالى: وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد، كما أن التقليد ليس بعلم، والمقلد لا يسمى عالماً قال الغزالي في المستصفى: التقليد هو قبول قول بلا حجة، وليس ذلك طريقاً إلى العلم لا في الأصول ولا في الفروع، وليس من ذلك الاتباع لأن الاتباع هو: قبول قول العالم المشهود له بالأهلية في الاجتهاد بعد معرفة حجته فيما ذهب إليه، قال القرطبي رحمه الله تعالى: (وليس قول أهل الأثر في عقائدهم: إنا وجدنا أئتمنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة، من قولهم: إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل، لان هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزل وإلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الاباطيل، فازدادوا بذلك في التضليل، ألا ترى ان الله سبحانه اثنى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله، كان اتباعه آباءه من صفات المدح)، وجاء في الموسوعة الفقهية في معنى الاتباع اصطلاحاً: هو الرجوع إلى قول ثبتت عليه حجة)، ولذلك علمنا الله عز وجل أن نسأله الهداية ونحن في أكمل الأحوال (في صلاة) قال الله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم (الفاتحة 6) وبين الله سبحانه وتعالى أن الصراط المستقيم، هو طريق الذين أنعم عليهم قال الله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (الفاتحة 7) والذين أنعم الله سبحانه عليهم هم المذكورون في سورة النساء قال الله عز وجل: ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً (النساء 69 - 70) لذلك فإنه يأتي في مقدمة ما يتبع ما أنزله الله تعالى على رسله عليهم السلام قال الله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين (الأنعام 90) وقال تعالى: اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون (الاعراف 3) وقد جعل الله عز وجل الدليل الحقيقي على صدق محبته اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (آل عمران 31)
السابقون الأولون
ومن المنعم عليهم الذين ينبغي أن يقتدى بهم ويلتمس الخير والفضل عندهم من أثنى الله عليهم في كتابه الكريم، وزكى طريقتهم، وبين أن في اتباعهم الخير والفلاح والفوز برضوان الله تعالى قال الله جل وعلا: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم (التوبة 100) قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان، أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود في الجنات والفوز العظيم، وبين في مواضع أخرى أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم في الخير كقوله جل وعلا: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم (الجمعة 3 الآية) وقوله: والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا (الحشر 10 الآية) وقوله: والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم (الأنفال 75) .
إن العلم النافع الذي لا شك في نفعه، الجالب لأسباب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، هو العلم الذي أنزله الله عز وجل على أنبيائه ورسله، ولا سبيل لتحصله الوقوف على معانيه ومقاصده إلا باتباعهم والأخذ عنهم، وتلقى علم ذلك ممن سمعهم واقتدى بهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين قال الله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فالصحابة رضوان الله عليهم من أعلم الناس بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، لمعاصرتهم نزول الوحي وتلقيهم بيانه من الرسول صلى الله عليه وسلم ولمعرفتهم باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ولا شك أن اعلم الناس بشرع الله سبحانه من حرص على اتباع الرسل والتابعين لهم قال الشوكاني رحمه الله تعالى: ومعنى الذين اتبعوهم بإحسان: الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وأرشد إلى ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطحاوي عن ابي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين .
في التقليد الأعمى تعطيل للعقل عن العمل، وللسمع عن التلقي والهداية، وفي الاتباع طلب للهداية، وحرص على السداد، في ذم التعصب والتقليد، والحث على الاتباع تقدير للعلم وبيان لسبل تحصيله قال الله تعالى: أفمن كان على بينةٍ من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (محمد 14) وقال تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى (الرعد 19) .