قال تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}، (سورة العنكبوت الآيات: 41-43).
العنكبوت حشرة غريبة عجيبة وجسمها صغير، ولها ثمانية أرجل وست عيون، وتختلف ألوانها ما بين البني إلى الرمادي أو الأسود، وبعضها ذات ألوان صفراء أو مخططة أو بيضاء أو ذات علامات مميزة، وقد أفرد القرآن الكريم لحشرة العنكبوت سورة كاملة باسمها وهي «سورة العنكبوت» ليلفت الله سبحانه وتعالى أنظارنا إلى قدرة خالقها وعدم تحقير شأنها، فالله سبحانه الذي خلق كل شيء وقدر كيانه تقديراً.
ومن اللافت للنظر أن أنثى العناكب أصغر حجماً من الذكور، وتهوى افتراس الذكر (زوجها) في وقت معين من موسم التزاوج.
ثم تنفرد بحياتها في البيت الحريري الناعم وتراقب بيضها حتى الفقس، وتصطاد كل ما يقع في شباكها، وقد اختلفت آراء العلماء حول هذا التصرف الغريب المفاجئ، (أي التهام زوجها)، ويرى بعضهم أن لدى إناث العناكب هرموناً معيناً يدفعها إلى الالتهام، وأن عالم العنكبوت مبني كله على قاعدة أنه كلما زادت القدرة على الالتهام ضمنت العنكبوت البقاء حية مدة أطول.

مصيدة غير مرئية

يقول المهندس حسين الليثي في كتابه «الله خالق الكون الأعظم»: «تتغذى العناكب على الحشرات التي توقعها في شراك أعدتها لاصطيادها، تتكون من خيوط حريرية رفيعة تفرزها من مجموعة من الغدد التي تكمن في أعلى جسم الحشرة، وتبدأ بنسج هذه الخيوط بأول خيط رئيسي فيها وهو ما يعرف بالكوبري ويكون في وضع أفقي، ثم تثبت خيطين جانبيين لاكتمال الشكل الرباعي أو الخماسي أو السداسي حسب أسلوبها في البناء، ثم تربط بين هذه الأفرع الرئيسية بأوتار نسيجية أخرى تتركز على الهيكل الأصلي من البيت وتكون قليلة الصلابة ومنها الوتر المخصص لتحرك الحشرة عليه، وتكون الخيوط عند إفرازها وقذفها من الغدد في حالة سائلة، ثم تتصلب بتعرضها للجو ثم تقوى وتصير مرنة قابلة لتحرك العنكب عليها بسهولة ويسر من دون أن يحدث بها قطع أو فك لأربطتها».
وبعد تمام بناء وربط هذه الشبكة العجيبة بأقرب المواد الصلبة أو أغصان الأشجار تكون مهيأة لاستقبال أي حشرات تهبط عليها من دون أن تدري أنها شراك صائدة، ولا تفلت منها بعد أن تتشابك أرجلها بخيوطها بينما يكون العنكب صاحب البيت منزوياً في ركن أو بجانب غصن أو ورقة شجر أو نحوها. وتسقط الحشرة الطائرة أو الذبابة والتي تصطدم بغير قصد بهذه الشبكة الرفيعة غير المرئية فتتشابك مع أنسجتها الحريرية وتحاول الخلاص ولكن من دون جدوى، بل كلما أمعنت في محاولة التخلص يزداد تورطها.
وعندما يلمح العنكب أنها وقعت في حبائله يسرع السير فوق الخيوط لينقض عليها ويأخذها بين مخالبه الطويلة القابضة الخانقة ولا يتركها حتى تلفظ أنفاسها وتسكن، ثم يسحبها كصيد ثمين إلى حيث يمتص من سوائلها وغذائها. ويتربص من جديد بأي عابر سبيل آخر من الحشرات الطائرة والهائمة والزاحفة التي يشاء حظها العاثر أن تقع في الشبكة الحريرية من دون قصد منها فتلقى حتفها.

تكوين هندسي بديع

وتختلف البيوت التي تقيمها العناكب من بضع بوصات إلى ما يقارب نصف متر في القطر، ولا يؤثر فيها ضباب ولا رياح ولا أتربة عالقة وتصبح شبكة قوية مرنة تستقبل كل الحشرات والهوام مهما اختلف حجمها، وتقوم العناكب بإجراء ترميم لازم لبعض أجزائها خاصة التي تتهتك بفعل المقاومة العنيفة للفريسة الساقطة عليها.
وتختار العناكب أماكن إقامة بيوتها بذكاء شديد. إما في فتحات محددة الجوانب أو مداخل أو مخارج يفترض أن تمر منها الحشرات الطيارة والهائمة أو في واجهة مكشوفة أو مستترة، وسطح البيت يكون عادة شبه دائري أو بأضلاع متعددة، تتجه كل أوتارها من الخارج إلى المركز الرئيسي في تكوين هندسي بديع ومن دون استخدام أي أدوات هندسية، فسبحان من ألهمها وعلمها كيف تفعل ذلك.
وبعض العناكب التي تقطن الأدغال والبراري كبيرة الحجم وبعضها سام يفتك بفريسته بلدغها مرة واحدة، وللعناكب جولات تشابك فيما بينها حيث تدخل في قتال عنيف ليسقط أحدها صريعا أثناء المعركة، وقد تهاجم العناكب بعض الحشرات الزاحفة وتسد عليها طريقها بأرجلها الطويلة التي تمتد لاعتراضها وتحاول أن تقلبها على ظهرها لتسهل السيطرة عليها، وقد يكون حجمها أكبر منها بكثير، ويستغرق بناء البيت الواحد عدة أيام في صبر وأناة حيث يفشل العنكب مرات كثيرة ثم يعاود الكفاح من دون يأس وبلا مساعدة، وهذا الأسلوب في الحياة يعطي دروسا مستفادة للبشر للتمسك بالصبر والمثابرة وعدم اليأس والثقة بما يفعل من عمل حتى وإن كان وهناً كبيت العنكبوت.
يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «ثبت علميا»: «ينسج العنكبوت منزله في الهواء، وقد اكتشف علماء من جامعة «أوكسفورد» البريطانية أن العنكبوت تملك أحدث شبكة لمياه الشرب في العالم، حيث يقوم نسيج العنكبوت بجمع «الندى» وتخزينه لتشرب منه العنكبوت، بالإضافة إلى ما هو معروف عنها في اصطياد الفريسة، أي أنها تؤمن لنفسها المأكل والمشرب. ويفسر ذلك إقدام العنكبوت على إعادة نسج شباكها كل يوم».
وقد قامت العالمة «كارترين كريج» المتخصصة في دراسة العلاقات بين الكائنات بالتعاون مع عالم الفسيولوجيا الدكتور «جاري برنار» بتحليل الخصائص الطيفية الضوئية لخيوط بيت العنكبوت واتضح أن تلك العقد الصغيرة البيضاء التي تنتشر على مسارات خيط البيت في الوسط ما هي إلا عاكسات هندسية للأشعة فوق البنفسجية، وهذه لها دور مهم في اصطياد الحشرات أثناء بحثها عن الطعام، حيث تجذبها انعكاسات الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن بيت العنكبوت. وحين تحط الحشرة وسط بيت العنكبوت اللزج تنتبه إلى خطئها، ولكن بعد فوات الأوان.

اكتشاف جديد

وفي دراسة علمية أخرى توصلت باحثة برازيلية تدعى «كريستينا ساندروفال» من جامعة «كاليفورنيا» إلى أسرار جديدة عن حياة حشرة العنكبوت لم تكن معروفة من قبل، ومن بين الأسرار أن العنكبوت لا تنسج بيتها هكذا بمحض المصادفة، بل إنها تفعل ذلك بناء على حسابات معينة.
وأثبتت الباحثة خطأ الاعتقاد الذي كان سائدا بين العلماء ومفاده أن كل بيوت العنكبوت تشبه بعضها بعضا، حيث اكتشفت أن عنكبوت «بارافيكسيا بيسترياتا» التي تعيش في مناطق «السافانا» تنوع طريقة نسج بيوتها حسب الظروف المحيطة بها، وأن بيتها في العادة عبارة عن شبكة صغيرة ذات عقد ضيقة تصلح لاصطياد الحشرات الصغيرة التي يتغذى عليها العنكبوت.
وقد لاحظت الباحثة أن هذا النوع من العنكبوت يغير طريقته في النسج في شهر سبتمبر/أيلول من كل عام، وأنه ينسج شبكة كبيرة ذات عقد واسعة حتى يمكنه اصطياد النمل الأبيض الذي يخرج من أعشاشه في هذا الوقت من العام لتجديد حياته وبناء أعشاش جديدة.
وأوضحت الباحثة أنه بينما لا تحتاج الشبكة الضيقة إلا إلى وقت قصير، حيث تنسجها العنكبوت مرة واحدة في المساء، فإن الشبكة الأوسع تتطلب وقتا أطول، وبالتالي تعكف العنكبوت على نسجها في أوقات متقطعة خلال اليوم.
وجدير بالذكر أن علماء الحشرات كانوا في الماضي يعتقدون أن الاختلاف في شكل شبكة بيت العنكبوت يرجع إلى عوامل بيئية ومناخية لا دخل للعنكبوت بها، كالريح والمطر والمساحة المتاحة للعنكبوت، ولكن الخالق عز وجل زود هذه الحشرة الضئيلة بالقدرة على فهم طبيعة الفريسة، ومن ثم تبني البيت المناسب لاصطيادها.
أخيراً لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من الأسرار التي كشفها العلماء عن العنكبوت إلا أن الكثير من الجوانب المتعلقة بهذه الحشرة العجيبة لا يزال لغزاً كبيراً.
مصائد حريرية لا فكاك منها تنصبها العناكب لفرائسها