توصيف العيب

أبلغ ما في كلمة عَيبْ هو دلالاتها واستخداماتها الشعبية في الثقافة الفلسطينية التي يؤسسها الناس العاديون.. الفلاحون مثلاً، المزارعون، أولئك الذين يقطفون الزيتون في بلادهم وهم يتصببون عرقاً ومع ذلك يؤلفون الاغاني ويعقدون الدبكات ويطلقون العنان لألسنتهم بالمواويل، ويتضامنون في الأعراس وإعمار البيوت وفلاحة الارض، وإذا مات أحدهم يخرج الجميع في جنازته، ويتسابقون الى الكلمة الطيبة وإلقاء التحية، ويغضون الطرف، ويطرقون باب الجار باسم الله الرحمن الرحيم، ويحدبون على الغريب، ويرفعون من شأن الضعيف.

وكل من يخرج على هذا السياق الاجتماعي والثقافي فهو في عرفهم يقع في العيب.. وعندما يقول الفلسطيني للفلسطيني عيب عليك.. أو ياعيب الشوم فكأنك أطلقت عليه رصاصة.

تلك هي ثقافة الفلسطينيين الأرضية وهذه بعض من ملامحها في الصور الاجتماعية السابقة، ولكن هذا الفلسطيني الشعبي والآدمي حتى دم الدم..! إذا سمع كلمة عار فإنه يتصبب دماً قبل ان يتصبب عرقاً، والخجل بالنسبة إليه سواء في الرجل أو في المرأة هو اشارة على تمسك هذا الكائن الذي يحمرّ وجهه من مجرد كلمة بذاكرة ثقافية فلسطينية شعبية كانت قد أرست أساساتها مجموعة من القيم والتقاليد والأعراف وحتى المعتقدات منذ مئات السنوات وحتى اليوم.

.. تلك هي تداعيات مفردة العيب في عمقها وافقها الثقافي الاجتماعي الفلسطيني، قبل أن يتلطخ هذا العُمق وهذا الأفق بالسياسة التي لا اخلاق لها.

لذلك، يستعين الكثير من الكتّاب العرب والفلسطينيين اليوم بالذاكرة الشعبية الفلسطينية في تعليقهم على الحالة الانقسامية المرعبة الجارية الآن في فلسطين، وهكذا، فإن استخدام العيب.. في واقعه ما هو إلا تخفيف مؤدب جداً لكلمتي العار والخجل.

مع ذلك، هل تصغي الزعامات الفلسطينية المقتتلة والمتنابذة والجاهرة في عدائها لبعضها البعض، والممعنة في أكل لحمها وشرب دمها ونشر غسيلها الوسخ ومسخ صورة الفلسطيني وتمريغ سمعته في التراب، وجعله أضحوكة ومسخرة ومهانة وعرضة للنقد كما عرضة للتوبيخ، وللشماتة؟.. هل تصغي هذه الزعامات والقيادات في الطرفين، العصابيين والمتشنجين، إلى صوت الانسان الفلسطيني الذي سئم وملّ وكره ونبذ هذه الحالة المخزية؟

هل في الطرفين ثمة من تهزه كلمة عيب؟

وإذا كانت الكلمة لا صوت لها مثل الطلقة في عرف هؤلاء المحتربين، هل من الممكن ان تكون كلمة العار معرّفة اكثر من ذلك؟

وعلنية اكثر من ذلك؟.. ومسموعة اكثر من ذلك؟

بعد ذلك وبكلمة صغيرة، فإن السياسة لا تعترف بالإنشاء، إذ سوف يقع كل هذا التوبيخ المشروع في خانة الإنشاء في عُرف السياسة التي عندما يصيبها العماء الوطني، فإنها لا ترى الناس في الشارع، ولا تصغي إلى أصوات قلوبهم المنقبضة حتى العار.

الاغتصاب

بثت إحدى الفضائيات العربية، قبل أيام، تقريراً عن حالات اغتصاب وابتزاز جنسي تعرض لها أطفال فلسطينيون على أيدي القوات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه، كان الكبار من الفلسطينيين يلعبون لعبة شد الحبل البائسة بين غزة ورام الله، ومع ذلك لم يتصبب عرق قيادي بين مدينتين تحاول إحداهما أكل الأخرى في أسرع وقت؟

الضحية هنا، في المنظور الفكري، هي هذا الطفل الذي يعتقد الجانبان أنه زهرة المستقبل، ولكن في حقيقة الأمر.. يبدو أن الكبار في فلسطين يكذبون على الصغار.

الماضي هنا يكذب على الحاضر.

والحاضر يكذب على المستقبل

أما المستقبل الذي قد يتمثل في طفل فلسطيني من حقه أن يأكل جيداً وينام جيداً ويتعلم جيداً، فإنه يلملم في نفسه هذه الصورة الأبوية المخزية ويعضّ عليها ويخفيها تحت ثيابه وتحت جلده.

لذلك يكثر الشعراء والشهداء في فلسطين، ولكن ليس الآن، وإنما بعد تصفح تاريخ هذه الأيام السوداء في بلد كل من فيه من الزعامات البائسة تشحذ أسنانها لقضم ذلك الذي أصبح آخر.. في وطن يفترض أنه واحد.

مع ذلك، فإن الطفولة إذا أهينت لا تنتقم مع الأيام.. من ذلك الذي قام بابتزازها واغتصابها.. وإنما تنتقم من ذلك الذي تسبب في الاغتصاب.

وفي كل ذلك يتوضح معنى العار.. لأن العيب هنا أقل بكثير من المعنى الذي ينمو في عقل الطفل وفي جسده معاً.

صوت

اتركونا إلى شأننا وارحلوا

لا نريد حماساً ولا أي فتح،

فقد طفح الكيل،

هذي بلاد لعشاقها الأقدمين

اتركونا إلى شأننا وارحلوا،

فالدماء إذا رخصت هكذا،

فهي من عمل الآثمين

أتركونا.. وموتوا على صورة الشهداء،

.. الذين إذا نهضوا من تراب القبور،

لأَلقوْا عليكم حجارة هذا الزمان المشين.

الأسير بيد الأسير

تدوين التاريخ يحتاج أيضاً الى نوع من الفكاهة والاستعانة بمؤلفي النكات والطرفة المريرة التي سماها المتنبي ضحكاً كالبكاء.

ولكن من يبكي حقاً؟ أهو هذا الذي المتمترس،، في صندوقه السياسي والسلطوي والنفعي والتنظيمي والمصلحجي.. الخ، أم هذا الآدمي المسكين الذي تقع على رأسه كل هذه الشظايا المتبادلة بين فريقين خرجا على كل عقل وعاطفة؟

من فكاهة التاريخ الفلسطيني، إذا تم تدوينه بأمانة وقرأناه مثلاً بعد خمسين عاماً ان الأسير الفلسطيني يأسر الفلسطيني الأسير أيضاً أو الأسير الفلسطيني - لا فرق -

فهي فكاهة التاريخ الذي سيقول بالطبع بعد سنوات وربما سنوات ايضاً، ان الأسيرين كانا في قبضة عدو واحد لهما.

قبل ايام نشر الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصيدة تحت عنوان سيناريو جاهز هي الأكثر عمقاً من حيث التدليل على السخرية حتى من الصراع بين الاسرائيلي والفلسطيني، فقد رسم درويش في قصيدته صورة لهذين المتصارعين وقد وقعا في بئر واطلت عليهما في البئر افعى، بعدما سقطا في البئر أو في حفرة من الجو، فماذا سيحدث؟.

يقول درويش:

في البداية ننتظر الحظ

قد يعثر المنقذون علينا هنا

ويمدون حبل النجاة لنا

فيقول: أنا أولاً

واقول: أنا أولاً

ويشتمني ثم اشتمه

دون جدوى

فليم يصل الحبل بعد/...

القصيدة ساخرة ومريرة، ولكنني هنا في مدار العيب أدوّرها كالتالي: وعلى هذا الافتراض، ان الذي سقط من الجو في الحفرة هو الفلسطيني والفلسطيني.. وبسرعة اقول، إنه ليس افتراضاً اليوم إنما هو الواقع والحقيقة.

سقط الفلسطيني والفلسطيني في الحفرة

والحبل الآن بيد الاسرائيلي

وقد مد الاسرائيلي الحبل الى الفلسطيني، ولكنه جعله يدفع الثمن، فقد عرّاه من ملابسه أمام كاميرات التلفزيون، في صورة معيبة وبالغة الاهانة، غير ان الفلسطيني الثاني ايضاً هو الآخر لم يسلم من العري وان كانت المسألة لا تتعلق بالثياب.

الاسيران هنا، الفلسطيني والفلسطيني، وقد وقعا في الحفرة، هما العاريان.

صوت

عرونا في بستان التفاح

امرأة فامرأة

رجلا.. رجلا

فسترنا العورات بأيدينا

غطينا اثداء النسوة بالأكتاف

ولكن التفاحات

احمرت خجلا

أبعد من الانقسام

أسوأ، وربما اجمل، ما يجري في الحالة الفلسطينية اليوم، هو هذا الانقسام.

على السطح السياسي وعلى سطح المعارك الخاسرة سلفاً التي يخوضها الطرفان في غزة ورام الله، يبدو الأمر كالتالي:

- ان هناك انقساماً سياسياً وادارياً وحكومياً بات معروفاً تماماً للجميع، فهناك حكومة تسيير الأعمال، وهناك حكومة مقالة.

- ان الاطروحات والبرامج والأفكار ووجهات النظر التي يتقدم بها فريق ما من المتنازعين الفلسطينيين لا تلقى القبول من الفريق الآخر، أوالعكس.

- ان العصاب والتشنج والتشدد ونزعة الزعامة وشهوة السلطة والبطولة والاستشهاد والوطنية والحرص على المصالح الفلسطينية هي اللغة المشتركة بين الطرفين، ففي رام الله ابطال وشهداء ووطنيون وضحايا ومنكوبون من الاحتلال.. وكذلك، في غزة ابطال وشهداء ووطنيون.. الخ.

القاموس واحد كما نرى بين الطرفين، ولأنه كذلك، فإنه في يوم غد أو بعد غد أو بعد بعد غد.. سيلتقي الطرفان، وتتم المصالحة، وسيكون هناك كالعادة تبويس لحى وجبر خواطر وعتاب عابر، يعقبه ضحك وعناق، وأكل كامل الدسم على مائدة وطنية واحدة.

سيحدث هذا وسوف يتصالح الطرفان، وسوف تصبح غزة الاخت الشقيقة الى رام الله، ولن يكون هناك انقسام. ومن يتحدث عن الانقسام في الصف الفلسطيني وقتها سيكون خائناً ومن الطابور الخامس.

ولكن هؤلاء، وفي تلك اللحظة التصالحية، سيكتشفون انهم انتجوا انقساماً آخر يتمثل بقوة، بذلك السأم والضجر من جانب الشعب.

ان الانقسام الذي لم ينتبه اليه احد في طرفي النزاع المصلحي على السلطة وعلى الكراسي هو ذلك الانقسام بين الشعب وبين هؤلاء الذين جعلوا رؤوس الناس البسطاء العاديين في التراب، وهؤلاء في الغالب، أي هؤلاء الناس، هم ليسوا مسيسين، ولا علاقة لهم بالدمين المحرمين في غزة وفي رام الله.

بعد قليل.. أو بعد كثير

تتصالح غزة مع رام الله، لكن ثقة الشعب ستذهب الى مكان آخر ولعلها القدس التي تبكي دموعاً وليس ماء.

صوت

نحب فلسطين اكثرْ

نحب الهواء الذي يسكب البرتقال

على وجه سيدة في الجنوب

وقد هالها، ان شيئاً تدورْ

هلالاً،

كتاباً،

سماء،

وبحراً من الدمع أصغرْ

نحب حياة بلا رؤساء على الورد

قمح الحياة ألذ وانضرْ

نحب القصيدة من دون موتى

ونعشق بيتاً لنا في فلسطين

.. تلك الغريبة والمشتهاة كقطعة سكرْ

.. نحب فلسطين أكثر

لا دفاع عن أحد

لم يترك السياسي الفلسطيني، المدجج بقناعات أحادية تصل الى حد ديكتاتورية الرأي، لم يترك فرصة للدفاع عن أحد.

الآن، واليوم، والآن هنا في فلسطين يصعب على ابن غزة ان يدافع عن سياسة غزة، كما، ويصعب على ابن رام الله ان يدافع عن سياسة رام الله. الجميع اليوم في الرؤية الشعبية البسيطة والفلاحية واليائسة والسئمة من هذا الجنون، الجميع في سلة واحدة بالنسبة الى الفلسطيني العادي.

الفلسطيني، بكلمة صغيرة لا يريد اليوم سوى ابنته المفقودة منذ 60 عاماً فلسطين.

والفلسطيني اليوم يريد استرداد كرامته ووطنه، ويريد استرداد صورته العليا في صورة عز الدين القسام وغسان كنفاني وناجي العلي واحسان عباس وابراهيم طوقان وياسر عرفات والشيخ احمد ياسين.

.. وخارج هذه الصورة.. يا عيب الشوم.