الغش صفة ذميمة في الإنسان، لكنها موجودة في الكثير من البشر، فمن العلماء من لا ينصحك بما يجب أن ينصح، ومن التجار من لا يطلعك على عيب بضاعته، ومن العمال من لا يتقن عمله إذا طلب منه رب المال أو رب العمل أن ينجز له .

الغش حاربه الإسلام فقال عليه الصلاة والسلام: مَنْ غشنا فليس منا . (رواه مسلم)

وقد قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عندما تحدث عن الصلاح الإداري في كتاب رؤيتي، معلقاً على الآية الكريمة: قالت إحداهما يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين . (الآية رقم 26 من سورة القصص) القوي الأمين في زماننا هو الموظف المتميز الناجح الكفء الفاعل الملتزم ذو الأمانة والسلوك الأخلاقي الحميد .

إذاً الغش هو أن تزين لصاحبك غير المصلحة، وتظهر له غير ما تضمر، وهكذا يلتقي الغش والخيانة على درجة واحدة، وكلاهما نقيض الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً .

ويروى في القصص أن امرأة كانت تخلط الحليب بالماء فتبيعه، فقالت لها ابنتها ذات يوم: ما هذا الذي تفعلينه يا أماه؟ أليس هذا هو الغش الذي حرمه أمير المؤمنين؟

قالت الأم: اسكتي فأمير المؤمنين لا يرانا، فقالت البنت: إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا .

لم تعط الأم أهمية لقول البنت، واستمرت في الغش، مسرورة بالربح الذي تحققه من وراء هذا الخلط، وذات يوم جاء سيل شديد، وجرت الوديان في كل مكان، حتى قلعت خيمة العجوز وحملت المياه البقرة معها، فصاحت المرأة العجوز: بقرتي بقرتي، فقالت البنت وهي تضحك: ولم تبكين يا أماه؟ إن الماء الذي كنت تضعينه في الحليب ثم تبيعينه للناس تستغلين ثقتهم بك، قد تجمع الآن وصار وادياً، فجرى بالبقرة اليوم، والجزاء من جنس العمل طبعاً .

أمثال هذه القصص كثيرة في زماننا، نراها في مجتمع التجار، فبعضهم يمارس صنوفاً من الغش حتى يجني من ورائها الأرباح الكبيرة، من غير أن يعلم بها أحد، لكن الله يعلمها .

حتى إنني رأيت بأم عيني تاجراً كان يحضر ملابس جاهزة من دولة معينة بأسعار رخيصة، ثم يضع عليها شعار دولة أخرى بضاعتها مرغوبة أكثر وبسعر أعلى، فيشتريها الناس على أنها البضاعة الفلانية الغالية، في حين أنها رخيصة رخص التراب .

استمر هذا التجار لعدة سنوات، ثم انكسر مرة واحدة وتراكمت عليه الديون فاضطر أن يبيع دكانه، ومع ذلك لم يستطع أن يسدد ديونه، فصار يهلوس إلى أن دخل السجن .

إذن . . . فكن كما قال الشاعر:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل

خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ما مضى

ولا أن ما يخفى عليه يغيب