إعداد: محمد هاني عطوي

يقف في (إلبرت كنتري)، الواقعة في الشمال الشرقي من ولاية جورجيا الأمريكية، نصب حجري غامض من الغرانيت يصفه بعضهم ب «ستونهنغ أمريكا»، نسبة إلى أحجار ستونهنغ القديمة في بريطانيا، ويرجع الغموض إلى الجهل بهوية من بناه، والسبب من بنائه، ومدى صلة فحوى الرسالة متعددة اللغات المحفورة عليه بطوائف أو منظمات سرية تعمل لإقامة نظام عالمي جديد، وربما يكون نصب جورجيا أكثر الصروح غموضاً في الولايات المتحدة الأمريكية، فالألواح الضخمة من الغرانيت نقش عليها توجيهات تهدف إلى إعادة بناء الحضارة بعد نهاية العالم كما نعرفه الآن.
وما زالت هوية الجهة التي أعطت الأمر ببناء النصب مجهولة، وكل ما يعرف عنه أن له اسم حركي أو مستعار «آر.سي.كريستيان»، حيث أوكل في شهر يونيو/‏حزيران 1979 إلى شركة «إلبرتون» لأعمال الغرانيت بناء هذا النصب، وتعلم هذه الشركة أو ذلك الشخص أو تلك الجماعة من الأشخاص ما وراءه، لكن الجميع يلتزم الصمت. ونستعرض هنا بعضاً من الألغاز التي لم يجد لها العلماء تفسيراً بعد.

} نصب جورجيا الغامض: ستونهنغ أمريكي

بدأت قصة بناء النصب في مساء يوم الجمعة من شهر يونيو عام 1979، عندما ظهر شخص بمظهر أنيق، يتميز بشعره الشائب في (إلبرت كنتري )، ثم دخل إلى مكاتب شركة (إلبرتون) لأعمال الغرانيت، وقدم نفسه على أنه (روبرت.سي.كريستيان)، وادعى أنه يمثل: «جماعة صغيرة من الأمريكيين المخلصين»، الذين يخططون لبناء نصب ضخم معقد وغير اعتيادي، وقد اختار (كريستيان) شركة (إلبرتون) لأنه يعلم جيداً مكانة هذه البلدة في صناعة الغرانيت، فهي توصف بأنها عاصمة الغرانيت في العالم، كما يعلم أن الشركة تنتج أفخم أنواع الحجارة على وجه كوكب الأرض.

أعطى «جو فندلي»، وهو رئيس شركة «إلبرتون»، موافقته على المشروع، بينما كان منشغلاً بإتمام جدول صرف الرواتب الأسبوعي للعمال، وأثناء ذلك كان «كريستيان» يصف البناء الذي يتصوره في عقله إلى «فندلي»، وفجأة توقف «فندلي» عن متابعة عمله المنشغل به، لأن الرجل كان يطلب منه اقتطاع أضخم حجارة، من أي حجارة جرى اقتطاعها في البلاد، كما طلب أن تقطع وتصقل وتوضع، بحيث تكون نوعاً من أداة فلكية ضخمة.

وعندها سأل «فندلي» الرجل عن الغاية، أجاب بأنه بناء تصوره في عقله منذ زمن، ليكون بوصلة وتقويماً وساعة، وأوضح أنه يحتاج إلى نقوشات تتضمن مجموعة من التوجيهات مكتوبة بثمان لغات، اختيرت من بين اللغات الرئيسية في العالم.

كما طلب أن يتحمل البناء أشد الأحداث الكارثية، لكي تتمكن بقايا البشرية من استخدام هذه التوجيهات لإعادة تأسيس حضارة أفضل من هذه الحضارة، التي توشك أن تدمر نفسها.

ويتكون النصب من 5 أعمدة من ألواح ضخمة من حجر الغرانيت، مسقوفة بلوح حجري سادس، يبلغ طول كل عمود حوالي 4.9 متر، ويزن 20 طناً، ويتموضع في الوسط، لوح مركزي مربع الشكل، وتحيط به من أربع جهات ألواح مستطيلة موزعة بشكل حرف x، ولكنها غير متصلة، ويزن السقف 11.3 طن، وهو عبارة عن لوح حجري مستطيل حفر على كل من أوجهه الأربعة رسالة بلغة مختلفة قديمة وميتة، وهي:البابلية والإغريقية واليونانية والسنسكريتية والهيروغليفية المصرية.

أما الأحجار الأربعة، التي ترفع السقف، فنقش على أوجهها الأمامية والخلفية الثمانية رسالة مترجمة بلغات حية، مرتبة باتجاه عقارب الساعة، ومن جهة الشمال: الإنجليزية - الإسبانية - السواحلية- الهندية - العبرية- العربية - الصينية- الروسية.

ويوجد ثقوب في الحجر، تدل على حركة النجوم والشمس، منها ثقب في قلب الحجر المربع المركزي، الذي يمكن من خلاله رؤية نجم القطب، الذي يشير إلى الشمال في أي وقت، وكان هذا من بين المتطلبات التي حددها المدعو (آر.سي.كريستيان)، لبناء النصب الحجري، مما يعكس هوسه بمواقع النجوم والشمس والقمر، وفي الأغلب ما كان أتباع الطوائف الدينية عبر التاريخ يعبدون مواقع وحركة الأجرام السماوية، كجزء من طقوسهم الدينية.

وعلى مقربة من النصب، يوجد بلاطة حجرية على الأرض نقش عليها معلومات عن النصب ومواصفاته: أبعاده وأوزانه ونوع حجارته ودلالات ثقوبه وتاريخ الانتهاء من بنائه، الموافق 22 مارس عام 1980.

الجدير بالذكر أن (توماس باين) (1737-1809)، وهو كاتب وشاعر وسياسي وثوري إنجليزي أمريكي.

وله دور بارز في بداية الثورة الأمريكية، قد استخدم نفس عبارة «عصر الرشد» The Age Of Reason، كعنوان لكتابه، كما كتب مقالاً عن جذور الماسونية، مع أنه ليس هناك أي دليل على أنه كان ماسونياً.

وكان يقول في مسألة الأديان: «عقلي هو كنيستي، والمعابد والكنائس كافة سواء أكانت يهودية ومسيحية أو تركية، تبدو لي من اختراع الإنسان، وقد أقيمت لترويع واستعباد البشرية، وللاستئثار بالسلطة واحتكار المنفعة».

وهنا نتساءل: ما مغزى الرسالة الحقيقي من وراء بناء هذا النصب ؟

وهل وراء هذا النصب منظمات سرية وطوائف باطنية لها صلة بغايات ما ؟
الحقيقة أنه يمكن تلخيص هذه الغايات كما يلي:
- تخفيض عدد سكان العالم بشكل كبير.
- الترويج لمواضيع بيئية.
- إنشاء حكومة عالمية.
- الترويج لنظام روحي جديد.
يرى بعضهم وخصوصاً أولئك الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة، ومعركة الصراع الأخير مع المسيح الدجال «معركة أرمجادون»، وأولئك الذين يخشون تدمير العقائد الدينية، أن الجماعة التي كانت وراء بناء نصب جورجيا هي إحدى جماعات مشابهة وعديدة تعمل معاً لإقامة «نظام عالمي جديد» New World Order.

وترى فيه نظاماً اقتصادياً جديداً، ونظاماً روحياً جديداً، ويرون أن خلف تلك المخططات، قوى روحية ظلامية، وأنه دون الفهم الواضح لطبيعة هذه القوى يستحيل فهم أحداث العالم التي لم يكشف عنها.

} همهمة تاوس: ضوضاء يسمعها بعضهم فقط

مدينة تاوس، بنيو مكسيكو، تضم مجتمعاً فنياً صغيراً يحتوي سرها الخاص، المسمى همهمة تاوس، فما نسمعه هناك عبارة عن جلبة أو همهمة، يشبه محرك الديزل القادم من بعيد كما أنه يُسمع ليلاً وفي بعض الأحيان في الصباح الباكر، ورغم أننا ندركه بالأذن المجردة، إلا أن أجهزة الكشف الصوتية لم تتمكن من التقاط هذه الضوضاء، التي ظهرت لأول مرة في فترة السبعينات من القرن الماضي، حيث رصدت هذه الظاهرة في بريطانيا، وسميت آنذاك ب همهمة بريستول Bristol Hum، لكن لم تتوافر معلومات دقيقة عن تلك الظاهرة، في أوائل عام 1990، واتسعت هذه الظاهرة، لتشمل قارة أمريكا الشمالية، واتجهت بعض الجامعات لدراستها بصورة جدية، مثل جامعة نيومكسيكو، نتيجة للشكاوى المتكررة من قبل السكان، وشغلت الإعلام آنذاك، وفي عام 2010، وفي كندا - أونتاريو، ادعت مجموعة من سكان البلدة، أنهم سمعوا هذه الهمهمة، ولكن لم يتم أخذ الموضوع بجدية، لعدم توافر الأدلة الكاملة، فضلاً عن أن الظاهرة كانت تنشط في أيام، وتختفي في أيام أخرى، إضافة إلى أن بعض السكان من البلدة نفسها، لم يسمعوا بهذه الظاهرة، الأمر الذي أدى إلى عدم متابعة التحقيقات.

وفي 9 يونيو2011، تم التثبت من أول حالة في قرية ودلاند - بإنجلترا، حيث أوضح بعض سكان البلدة، أنهم قد سمعوا هذه الهمهمة لنحو شهرين ماضيين، ومما قاله جون واتسون وهو محقق محلي في الظواهر الغريبة: لقد سمعته بنفسي، إنه صوت منخفض وغريب فعلاً ويشبه الهمهمة، كان مثل ضوضاء مهتزة ومضطربة، يعلو تارة ومن ثم ينخفض تارة أخرى، ولا يمكنك تحديد مكانه، لم أستطع الكلام، فقد كنت أحس به في جسدي».

جذور


بعيداً عن أمريكا الشمالية، فإن الظاهرة تمتلك جذوراً في بعض الدول مثل إيرلندا والهند، ومن بين النظريات المختلفة المقدمة لشرح هذه الهمهمة، هناك نظرية الهيبيين المخدرين، والتجارب السرية التي تتحكم بالعقول، أو أصوات لمخلوقات فضائية، تعيش في أعماق الأرض، فقد رأى البعض أن هذه الأصوات، عبارة عن برامج سرية غامضة غير معروفة الملامح، ونتيجة لأحد هذه البرامج، تنتج مثل هذه الأصوات غير معروفة المصدر.
ويعتبر البعض أن هذه النظرية، أقرب نظرية إلى الصواب، وذلك لغرابة هذه الظاهرة، ففي بعض الأحيان تظهر هذه الأصوات ليلاً، وفي أوقات معينة، وكأنها مترتبة على شيء معين ومبرمج، إضافة إلى كثرة حدوث هذه الظاهرة في الأماكن غير المكتظة بالسكان، وأشار البعض الآخر، إلى أن هذه الأصوات، ربما يعود سببها إلى الأجسام الطائرة المجهولة (يوفو)، وذلك لغموض تلك الأصوات، وعدم التوصل إلى مصادرها.
جو مولينز، أستاذ الهندسة في جامعة نيو مكسيكو، يدرس في الظواهر الغريبة، قام بإجراء بحث استقصائي بين سكان تاوس، ليجد أن حوالي 2% منهم قادر على التقاط هذه الهمهمة، لذا قامت الجهات المختصة، بتركيب أجهزة استشعار في بيوت هؤلاء الناس لقياس الصوت والاهتزازات، لكن لم يتم العثور على شيء، ولايزال مصدر الهمهمة مجهولاً حتى الآن.

تشويه

جرى مؤخراً تشويه حجارة نصب جورجيا بكتابات أشخاص معارضين، استخدموا طلاء البخ، ومن بين هذه العبارات «الموت للنظام العالمي الجديد»، و«يريدون أن يتخلصوا من 80% من الأمريكيين»، وهم يعتبرون رسالة هذا النصب بمثابة «الوصايا العشر للمسيح الدجال»، وترويج للنظام العالمي الجديد، الذي يزعمون أنه مستند إلى أفكار الماسونيين الأحرار والمستنيرين (Illuminati)، ولكن «يوكو أونو»، أرملة «جون لينون»، أحد أفراد فرقة البيتلز البريطانية الشهرية، لا تشارك في هذه النظرة إلى ستونهنغ الأمريكي، بل تقول: «أريد للناس أن يعلموا بأمر هذه الحجارة..
فنحن نتجه نحو عالم قد يدفعنا إلى تدمير أنفسنا، وربما لن يكون هناك وجود لكوكب الأرض، ولهذا فإنه وقت رائع لإثبات ذاتنا، ومعرفة كل الأمور الجميلة في هذا البلد، ومنها أحجار نصب جورجيا التي ترمز لها».

10 توجيهات ومبادئ

في مركز المربع توجد هذه العبارة: «لتكن حجارة هذا النصب السبيل إلى عصر الرشد» Let These Be Guidestones To An Age Of Reason «وتتضمن الرسالة المكتوبة باللغة العربية، لائحة من 10 توجيهات أو مبادئ، وهي بحسب ما نقشت على اللوح المخصص للغة العربية كالآتي:

1- أبقوا عدد الجنس البشري أقل من 500,000,000، ليبقى في توازن دائم مع الطبيعة.
2- وجهوا التناسل بحكمة، مع تحسين اللياقة والتنوع.
3- وحدوا الجنس البشري بلغة جديدة حيوية.
4- تحكموا بالعاطفة بالعقيدة بالتقاليد، وبجميع الأشياء بمنطق معتدل.
5- احموا الناس والدول بواسطة قوانين عادلة ومحاكم منصفة.
6- دعوا جميع الدول تحكم داخلياً مع تصفية المنازعات الخارجية في محكمة العالم.
7- تجنبوا القوانين التافهة والموظفين عديمي الفائدة.
8- اعدلوا بين الحقوق الشخصية والواجبات الاجتماعية.
9- أجّلوا الحقيقة الجمال الحب، في التماس الانسجام مع اللانهاية.
10- ندعو لانعدام السرطان على الأرض أفسحوا مكاناً للطبيعة أفسحوا مكاناً للطبيعة أفسحوا مكاناً للطبيعة.
ويبدو للدارس من خلال بعض التوجيهات المذكورة في الرسالة المنقوشة، أنها تعكس أيديولوجية أو فكر العصر الجديد New Age، بينما كان بعضها الآخر غامضاً، فيما يخص مسألة تحسين النسل وجودة الحياة، وما يخص ترشيد التكاثر، وتوجيهات أخرى تصف معايير، نجدها عادة في طريقة الزهد الهيبي (نسبة إلى الهيبيز)، وهي أربعة مفاهيم: الحقيقة الجمال الحب التماس الانسجام مع اللانهاية.
ومما يلفت النظر أن أول بند مذكور في الرسالة يأمر بالإبقاء على سكان الجنس البشري عند حدود 500 مليون إنسان، وذلك من أجل تحقيق رفاهية وجودة حياة ترضي الإنسان على كوكب الأرض، ولكنه لم يذكر كيف سيتم ذلك؟
وهل سيكون ذلك من خلال التخلص من البقية؟ أو ترحيلهم إلى كوكب آخر؟ رغم أن عدد سكان الأرض وصل في عام 1980 إلى 4.5 بليون نسمة، وهو العام الذي انتهى فيه العمل من بناء هذا النصب.