دار الزمن واختفى شريط الكاسيت، أو تغيرت معه شركات الإنتاج، واختفى معظمها، ومن بقي منها اضطر للتعامل مع تكنولوجيا الديجيتال، وإنتاج الألبوم الرقمي، وتغيرت بالتالي قواعد تعامل الشركات مع الأصوات الغنائية، وتقلص عدد عقود الاحتكار بالتدريج، واختفت الشروط المجحفة رويداً، رويداً، ولم يعد إصدار الألبوم مشكلة، يمكن بسببها أن يقبل المطرب التنازل عن صوته لمصلحة شركة معينة لعدد من السنوات، كما كان يحدث من قبل. حول انتهاء زمن الاحتكار في الوسط الغنائي، والوسائط الجديدة للترويج للأغنية، كان هذا التحقيق مع أهل الفن والمعنيين.
الموسيقار حلمي بكر، بدأ الحديث قائلاً: الاحتكار ما زال موجوداً، وسيظل، ولكن بنسبة ضئيلة للغاية، ويقتصر على النجم الشهير فقط، وبعض شباب برامج المسابقات، وليس من الضروري أن يكون الشباب الفائز، فهناك من يلفت الأنظار فتلتقطه شركات الإنتاج وتحتكر صوته، بل وتمنعه من إقامة الحفلات، وتضع شروطاً صعبة، وقيوداً ليس من السهل الفكاك منها بالنسبة للنجم الشاب، ولأنه في بداياته، وليس مدركاً لعواقب الإمضاء والتوقيع على مثل هذا العقد، أو يدرك، لكنه يتغافل عن البنود التي تكبله، فإنه يجد نفسه فريسة للشركة، ولرأس المال الذي لا يرحم. تابع بكر: الشركات استشرست لأن عددها تقلص، وأصبح محدوداً، وهي شركات عملاقة قادرة على تحقيق الشهرة لأي مطرب شاب، في كل الوطن العربي، من المحيط إلى الخليج، في غضون شهر واحد، وهذه الشركات- قد يكون معها بعض الحق-، غير مستعدة للتنازل عن نجم صنعته هي، بأي شكل من الأشكال، لكن هذا لا يعني أن الاحتكار أمر جيد، بل على العكس، فهو يزيد من مشكلات سوق الغناء، التي تتراكم فوق بعضها بعضاً، منذ أكثر من عشر سنوات، حتى أصبحت جبلاً توارى خلفه الإبداع الموسيقي، إلى زمن لا يعلم مداه أحد.
الموسيقار هاني شنودة، اختلف مع الرأي السابق، موضحاً: زمن الاحتكار انتهى، والدنيا اختلفت، شركات الإنتاج الغنائي كانت تحتكر أصوات المطربين، لسببين، لا ثالث لهما: الأول: إنتاج الألبومات وما تدره مبيعاتها من أرباح. الثاني: الحفلات الغنائية، ولمن لا يعرف فإنها ترجع بأضعاف أضعاف مبيعات الألبوم. السبب الأول انتهى، والألبوم لم يعد يربح، بعد انتشار التكنولوجيا الرقمية التي لم تقض عليه فقط، بل قضت بشكل مبرم على الفرق والجوقة الموسيقية التي كانت تساند المطرب في الأغنية، الكمبيوتر الآن يفعل كل شيء، من الألف إلى الياء، بل من الممكن الاستغناء عن المطرب نفسه، يكفي أن يلتقط الكمبيوتر نبرة الصوت ليقوم بعمل الأغنية بنفسه. الآن يوجد العديد من الأصوات المزورة بسبب تقنية الديجيتال، التي كانت وبالاً على صناعة الأغنية، ووجود الألبوم أصبح يواجه خطراً حقيقياً. السبب الثاني، هو مربط الفرس، والمقصود به الحفلات الغنائية، التي ما زالت تدر أرباحاً خرافية، وهي الكعكة التي يتهافت عليها الجميع. المطرب، في الأغلب، لم يعد تحت رحمة شركات الإنتاج الغنائي، ولم يعد يقبل بوجود شروط مجحفة، تؤثر فيه لو حاول الاستقلال عنها، فيما مضى كانت الحفلات، خير دعاية للألبوم ومقياساً لنجاحه، الآن أصبح الأمر عكسياً، فالشركات تنتج الألبوم لتقيم الحفلات، لا لتبيعه.
محمد العمري، رئيس شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، أكد أنه لم يحدث أبداً في تاريخ شركة صوت القاهرة، وهي شركة الإنتاج الغنائي الوحيدة المملوكة للدولة، حتى وهي في أوج مجدها، يوم كانت تنتج لكبار المطربين والشباب على السواء، أن حاولت احتكار نجم أو استغلاله بأي صورة من الصور، ونقوم حالياً بإعادة إنتاج أعمال مطربة شهيرة، على شكل CD بتسجيل فائق الجودة، لم يتوافر حتى للشريط الأساسي، الذي تم إنتاجه منذ عشرين، أو ثلاثين عاماً، وفق عقد متوازن يحفظ حقوق الطرفين، من دون أية شروط منها، أو من جهتنا، وسيتم طرح مجموعة من أجمل أغانيها في الأسواق قريباً، في عودة مهمة ومطلوبة إلى زمن الفن الجميل. تابع العمري: الكل يعلم ما تعانيه شركات الإنتاج الغنائي حالياً، من عدم وجود سوق للألبومات، وهي أزمة عالمية، ولو قررنا العودة إلى هذا المجال، بجانب الإنتاج الدرامي، وهو في خطتنا بالفعل، لا يمكن أبداً أن نضع في العقد شرط احتكار.
المطرب محمد عدوية، تناول مسألة الاحتكار، من زاوية جديدة، قائلاً: أرى أن الاحتكار في أيامه الأخيرة، وانتهاؤه في الوسط الغنائي مسألة وقت. المطربون الآن ينتجون لأنفسهم، ولم يعد ضرورياً التسجيل في استوديو، بل يمكن للمطرب الآن أن يقوم بتسجيل الألبوم كاملاً في بيته. الاستوديوهات أصبحت تستغل أكثر في إجراء بروفات الحفلات، وشركات الإنتاج الكبيرة تحتاج لتأمين نفسها في العقد، لكن المطرب أيضاً ليس ملكاً لها، وله أن يحفظ حقوقه، بالوسيلة التي كفلها له القانون، وهي عقد متكافئ. تابع عدوية: مشكلات عقود الاحتكار كثيرة، ومن الأفضل للمطرب أن يتحاشاها منذ البداية، ففي عام 2004 بدأت شهرتي، وذاع صيتي كمطرب شعبي يقدم لوناً جديداً من الغناء، واتصلت بي شركة إنتاج وطلبت توقيع عقد احتكار معي لمدة عشر سنوات كاملة، بمبلغ مغرٍ للغاية، على ألا أغني في أي مكان، إلا عن طريقها، وفي أي وقت تشاء طوال مدة العقد، وبعد تفكير قررت الرفض، لأنني بهذا أضع صوتي في الثلاجة كما يقولون، وأدمر موهبتي مقابل المال، وهذا ما لا يمكن أن أسمح به.
المطرب إيمان البحر درويش قال: إنتاج الألبوم حالياً لم يعد مشكلة، توجد قواعد للتعامل بين المطربين والشركات، الغناء تحرر من قيود الشركات، لكنه في أزمة، ويعانيها الجميع، الشركات والمطربون والموزعون، وكل العاملين في المجال، حيث إن المهنة يتم تصفيتها رويداً رويداً، نتيجة أسباب نحن مسؤولون عن بعضها، وعوامل أخرى، خارجة عن إرادتنا. مسألة الاحتكار هذه أصبحت من الماضي، صحيح أنها أحد أسباب انهيار صناعة الغناء، لكن معظم المطربين تجاوزوها، وأصبحوا ينتجون لأنفسهم، فهذا ما يفعله كبار المطربين في مصر والوطن العربي، الذين أنتجوا أو أسسوا شركات إنتاج، وتخلصوا من ضغوط وقيود الشركات الكبيرة للأبد، هذا لا يعني أن كل الشركات الكبيرة تتبع مبدأ الاحتكار، فلا أحد يحرص على تدمير الصناعة التي يعمل فيها، ولكن الماديات عموماً هي سبب المشكلة الأولى، لأن بعض كبار المطربين يطلب الملايين مقابل التوقيع على عقد مع إحدى الشركات، من دون اعتبار للوضع الاقتصادي القائم في السوق بالفعل، لذا ترد الشركات بمحاولة احتكار النجوم، كي تضمن ألا تلتقطهم شركات أخرى، ويصبح الضحية في النهاية هو الألبوم، وبالتالي سوق الغناء نفسه.
الملحن حسن إش إش، أشار إلى أن شركة إنتاج عملاقة، بعينها، أفسدت سوق الغناء في مصر، حيث دأبت هذه الشركة على مدار سنوات، على شراء أصوات المطربين، وهم نجوم الكل يعرفهم، و«ركنتهم على الرف» من دون إنتاج ألبومات لهم، إلى أن شهد سوق الغناء هذا التدهور الحاصل حالياً، ليس في مصر فقط، ولكن في بعض الدول العربية أيضاً، ولو لم ينتبه المطربون لفخ الاحتكار وخطره الداهم، على صناعة الغناء، فإن الكل سيسير في طريق الهاوية، ولن تسترد الصناعة عافيتها إلا بعد سنوات طويلة.
مُنقذ ذهبي!
الشاعر الغنائي مصطفى كامل، أشار إلى أن «يوتيوب» هو أحد العوامل التي كسرت احتكار الشركات للمطربين، فهو منقذ للترويج للأغنية، حيث إن المطرب لم يعد بحاجة إلى شركة الإنتاج لتتبناه، وتنتج وتقدم الدعاية الجيدة له، طبعاً لو حدث هذا، لكن الشركات الآن لا تستثمر إلا في المطرب المسلطة عليه الأضواء فقط، أما الباقي، وهم الأكثرية، فعليهم الاعتماد على أنفسهم، والحفر في الصخر.
تابع كامل: «يوتيوب» منقذ ذهبي للترويج دون جدال، لكنه يؤثر في المبيعات، أنت تستمع للأغنية الجديدة، قبل نزولها للأسواق، لماذا تشتري الألبوم؟ قرأت تصريحاً للمنتج محسن جابر، بأن صناعة الأغنية تواجه مشكلة التوقف التام خلال سبع سنوات من الآن، وأنا أوافق عليه، والمسألة لم تعد مسألة احتكار الشركات للمطربين، أو بعض الشروط الخانقة، المسألة أن السوق نفسه في حاجة للإنقاذ سريعاً، عبر إجراءات أولها، وقف تسريب الأغاني الجديدة قبل صدور الألبوم وتوزيعه.