لم يخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ويطلق سراحه في الدنيا ليفعل ما يحلو له، بل خلقه وأعطاه العقل الذي يفكر به والإرادة التي يتحرك بها وأوضح له طريق الحق والخير وحذره من طريق الشر وراقب سلوكه في الدنيا ليحاسبه على كل ما يفعل من خير وشر، لكن الإنسان دائما لا يعجبه شيء ولا يرضيه شيء وهو في يسره وعسره متقلب المزاج ومتغير الأحوال .

هذه الحقيقة أوضحها لنا القرآن الكريم في العديد من آياته الكريمة ومن بينها قول الحق سبحانه في سورة الفجر: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن . وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن . كلا بل لا تكرمون اليتيم . ولا تحاضون على طعام المسكين . وتأكلون التراث أكلاً لماً . وتحبون المال حباً جماً .

المعنى الذي ترشدنا إليه الآية الأولى أن الله سبحانه وتعالى يراقب خلقه على أفضل ما تكون المراقبة ليحاسبهم على كل ما يفعلون من خير أو شر، والسعيد من الناس هو الذي يدرك هذه الحقيقة، فيؤدي ما كلفه الله به، أما الإنسان الغافل عن طاعة ربه إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه أي إذا ما اختبره وامتحنه ربه بألوان من النعم بأن منحه المال الكثير والجاه العريض وأسباب القوة والمنعة فيقول على سبيل التباهي والتفاخر ربي أكرمن أي ربي أعطاني ذلك لأني مستحق لهذه النعم .

وقوله سبحانه: وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه بيان لموقف هذا الإنسان عند فقره، أي: وأما إذا ما امتحنا هذا الإنسان بسلب بعض النعم عنه وبضيق الرزق فيقول على سبيل التضجر والتأفف وعدم الرضا بقضائه سبحانه: ربي أهانن أي: ربي أذلني بالفقر وأنزل بي الهوان والشرور .

سوء تفكير الإنسان

الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل يقول في تفسيره لهذه الآية الكريمة: قول الإنسان في الحالين قول مذموم، يدل على سوء فكره، وقصور نظره، وانطماس بصيرته، لأنه في حالة العطاء والسعة في الرزق يتفاخر ويتباهى، ويتوهم أن هذه النعم هو جدير بها، وليست من فضل الله تعالى، وكأنه يقول ما قاله قارون: إنما أوتيته على علم عندي، وفي حالة المنع والضيق في الرزق يجزع ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يخطر بباله أن نعم الله إنما هي فضل تفضل به سبحانه عليه ليختبره: أيشكر أم يكفر؟ وأن تضييقه عليه في الرزق ليس من الإهانة في شيء، بل هو للابتلاء والامتحان كما قال تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون .

قام الإمام الشوكاني في تفسيره لهاتين الآيتين: هذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، لأنه لا كرامة عنده إلا في الدنيا والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلا في عدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، أما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ويوفقه لعمل الآخرة، ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم لعدم إدراكه بأن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به من الشر في الدنيا ليس إلا للاختبار والامتحان وأن الدنيا بأسرها لا تعدل عند الله جناح بعوضة .

عاشق المال

واقتصر سبحانه وتعالى في الآية الكريمة على تقتير الرزق في مقابلة النعمة من دون غير ذلك من الأمراض والآفات، للإشعار بأن هذا الإنسان يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله، فهو لا يفكر إلا في المال ولا يحزن إلا من أجله، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ما عندهم من أموال كما قال شاعرهم:

فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد

ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد

فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي

بنون كرام سادة لمسود

ولما كان هذا القول مذموماً من هذا الإنسان في الحالين لعدم شكره لله تعالى في حالة الرضا، ولعدم صبره على قضائه في حالة البأساء، لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال تعالى كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين، فقوله كلا زجر وردع عن قول هذا الإنسان ربي أهانن عند حصول التقتير في الرزق، لأن الله تعالى قد يوسع على الكافر وهو مهان ومبغوض منه، وقد يضيق سبحانه على المؤمن مع محبته له، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته عز وجل، والمؤمن الصادق هو الذي يشكر عند الرضا ويصبر عند البأساء .

يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر: كثرة المال وقوة البدن وكثرة الأولاد ليست دليل رضا من الله عز وجل، فقد يمنح الخالق القادر عز وجل الإنسان كل ما يتطلع إليه من نعم وملذات الحياة الدنيا وهو غاضب عليه، ولذلك تجد من يتكسبون من الربا الفاحش أو المخدرات مالهم الوفير ويمتلكون كل ما تشتهي الأنفس من متع الحياة، ومع ذلك يتركهم خالقهم يتكبرون ويتجبرون بما تحت أيديهم من نعم ليكون عقابهم أشد، وفي المقابل قد لا يجد الإنسان الصالح التقي قوت يومه، وهذا ليس دليل غضب من الله، بل هو اختبار وامتحان ليقف على قوة إيمانه، ومستوى تقبله لقضاء الله وقدره ليضاعف له في النهاية الأجر والثواب .

رذائل أخرى

وقوله سبحانه كلا بل لا تكرمون اليتيم بيان لرذائل أخرى لهذا الصنف من الناس الذين يتكبرون ويتجبرون عندما تأتيهم النعم ويسخطون عندما يحجبها الله عنهم، فهؤلاء لا يعطفون على اليتيم وهو الذي مات أبوه وهو صغير حيث يتركونه يواجه وحده الفقر والحاجة من دون أن يعملوا على تقديم المساعدة له .

وهم أيضاً لا تحاضون على طعام المسكين أي لا يحث بعضهم بعضاً على إطعام المساكين والبائسين .

وقوله سبحانه وتأكلون التراث أكلاً لماً بيان لرذيلة ثالثة من رذائل هؤلاء المتعددة والمتنوعة، حيث إن من صفاتهم القبيحة أنهم يأكلون المال الموروث عن غيرهم أكلاً شديداً بحيث لا يتركون منه شيئاً، ولا يفرقون بين ما هو حلال أو حرام، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد بل يأخذون حقوقهم وحقوق غيرهم من النساء والصبيان .

ومن صفاتهم كذلك أنهم يحبون المال حباً جماً، والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة لأنه يدفع الإنسان إلى جمعه بكل الطرق من دون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم .

وهكذا نرى أن الله سبحانه وتعالى قد وصف هذا النوع من الناس بأنه قد جمع في سوء سلوكه بين النطق بالقبيح من الأقوال، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال وهي: ترك اليتيم بلا رعاية، وعدم الحض على إطعام المحتاج، وجمع المال الموروث من دون تفرقة بين حلاله وحرامه، والإفراط في حب المال بطريقة ذميمة .

فهل نتعظ ونعتبر ونخاف من الله ونتخلى عن هذه الصفات؟!

حاسبوا أنفسكم قبل أن يحاسبكم خالقكم في يوم لا تفيد فيه مراجعة النفس .