الغيرة شعور طبيعي قد يكون إيجابياً فيدفع صاحبه إلى تقليد الناحجين، أو سلبياً فيشتت جهوده في محاولة عرقلتهم . الغريب أن هذا الشعور انتقل من واقعنا إلى العالم الافتراضي، لكنه بشكله السلبي . وأكدت دراسة نشرت مؤخراً أمراض الإنترنت أن صور الأصدقاء وهم سعداء ومبتهجون تثير الغيرة لدى البعض وتجعلهم يشعرون بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل من تلك التي يعيشونها، مما يصيبهم بالإحباط ويجعلهم يمرون بحالات الاكتئاب بين الحين والآخر . ما مدى صحة هذه النتيجة؟ وهل تنطبق على الجميع، أم أنها ترتبط بحالات خاصة فقط؟ هذا ما سنعرفه من خلال التحقيق التالي .

نصحها الكثيرون بأن لا تضع صور عائلتها على فيس بوك، هكذا تقول عبير صلاح الدين، (مديرة شركة)، لأن أغلب الناس يشعرون بالغيرة من صور أصدقائهم التي توحي بنجاحهم وبسعادتهم . وتكمل: أشعر بغيرة الأصدقاء المقربين تحديداً عندما يتجاهلون بعض الصور التي تخص نجاحي في عملي أو اجازاتنا العائلية أنا وأسرتي، فمن الطبيعي أن يعبروا عن إعجابهم بالصورة ويعلقوا أو يتساءلوا عن الأمر، لكن عندما يتجاهلون الأمر أشعر بأن الغيرة هي السبب .

وعن أحاديث الأصدقاء حول الأمر تضيف: لاحظت أن البعض يتحدثون بشيء من الحسد والغيرة عن الآخرين من خلال الجلسات بعد أن رأوا صوراً لهم على فيس بوك، معتقدين أن هذه الصور تعني أنهم سعداء بشكل دائم، وهذا لا يمت إلى الواقع بشيء، فقد يكون صاحب الصورة لديه الكثير من المشاكل والضغوط الحياتية التي لا تحملها الصور .

أما أحمد شعيب، صاحب شركة ميديا بلانز للدعاية والإعلان، فيرى أن علاقات كثيرة ستنتهي بسبب فيس بوك تحديداً، ويقول: موقع قرب البعيد وبعد القريب وانفصل الناس بسببه فعلاً، فقد سمعت عن حالات طلاق كان وراءها، وسوف تتكرر هذه الحالات في السنوات المقبلة خصوصاً مع طبيعة مجتمعاتنا العربية . وعن رأيه بالغيرة الإلكترونية، يرى أن هذا الأمر طبيعي فمن ير الصور لا يدرك حقيقة الحال، فقد يقصد أحدهم مكاناً عادياً في يوم الجمعة ليحتسي القهوة مثلاً ويتصور، فتثير صورته هذه غيرة الآخرين، او قد يضيف أحدهم صوراً يتظاهر فيها بالرفاهية والسعادة ليتباهى أو ليغيظ أحداً ما فتجلب له هذه الصور غيرة الأصدقاء الآخرين وحسدهم أيضاً .

ويضيف: أنصح زوجتي باستمرار بأن لا تضع الصور على فيس بوك، وأرى أنه سوف ينتج حالات مرضية كثيرة .

ويوافقه بالرأي حسن عادل الجندي، مدير حسابات، مؤكداً ان الغيرة الإلكترونية موجودة، وأن الناس تنخدع بالصور وبما يحب أن يوصله الناس من رسائل عبر كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ليتظاهروا بأن حياتهم رائعة وبأنهم سعداء، مع أن الحقيقة قد تكون عكس ذلك تماماً . وعن المواقف التي صادفته، ولمس فيها الغيرة، يقول: قبل فترة نشرت صوراً لحفلة عقد قراني على فيس بوك، وبعد أيام وجدت البعض ينتقدونني من خلال تعليقاتهم بأني مستهتر لأنني أنشر هذه الصور عن فرحي والأوضاع العامة غير جيدة، ولأني اعرفهم جيداً أدركت أنهم يتعمدون الإساءة لي بسبب الغيرة التي أصابتهم .

وتعترف إيمان غزالي (موظفة مبيعات) بأنها شعرت بالغيرة من صديقتها بسبب إحدى الصور، وعن السبب تقول: قبل فترة فوجئت برؤية صور صديقتي التي عرضتها على فيس بوك وبدت فيها جميلة جداً بعد أن خسرت الكثير من الوزن، فأخبرتها على الفور بأني أشعر بالغيرة كوني كررت محاولة خسارة الوزن وفشلت، فأخبرتني على الفور بالحمية التي اتبعتها وبالفعل سرت على خطاها .

وعن تعرضها لنفس الموقف من أصدقائها، تضيف: أعتقد أن الشخص يستطيع التمييز بين من يغار منه وبين من يشعر بالسعادة لأجله، وشعرت بأن صديقاتي اللواتي تجاهلن المباركة لي عندما نشرت صور زفافي بالإضافة إلى صور شهر العسل شعرن بشيء من الغيرة، وحتى تلك اللواتي بالغن بالتعبير عن مشاعر السعادة كن يشعرن بالغيرة أيضاً .

هناك من يجد هذه الغيرة مفيدة أحياناً، مثل عمرو أبو زيد (إعلامي) فهو يؤكد أن الغيرة تدفعه ليبدع في كتابة الشعر ويستمر في الكتابة . ويقول: أشعر بأني أعيش حرباً يومية مع أصدقائي على فيس بوك منذ سنوات، فأشعر بسعادة عندما أجمع رقماً قياسياً من تسجيلات الإعجاب، وعندما يزيد عدد أصدقائي الجدد والمعجبين بكتاباتي كل يوم، لكنني أرى هذه الغيرة إيجابية فأنا مهتم بأصدقائي الشعراء وأتابع كتاباتهم باستمرار وأستمتع بها وبمجاراتها والرد بكتابات جديدة لي .

بالنسبة لتعرضه لأحد المواقف بسبب الغيرة، يضيف: كثيراً ما ألاحظ غياب بعض الأًصدقاء عن صفحتي وألغوا الصداقة بيننا وخصوصاً من الشبان، وأعتقد أن هذا بدافع الغيرة .

وتؤكد عائشة العطار (ربة منزل) وأن صور الأصدقاء وهم سعداء تشعرها بالسعادة، والتفاؤل، وتقول: أعتقد أن من يشعر بالغيرة من صور الأصدقاء يعاني شعوراً بالنقص أو مرضاً نفسياً، لأن صور أصدقائي وهم سعداء تشعرني بالبهجة وبالتفاؤل .

وتنفي إمكانية غيرة أصدقائها منها، قائلة: جميع أصدقائي على فيس بوك وتويتر من عائلتي وأقاربي وأصدقائي في الحياة، لهذا هم يعرفون الكثير من التفاصيل عني ولا يمكن أن تصيبهم الغيرة لأني اعرفهم جيداً .

ويعتقد عبدالله الحسن (موظف مبيعات) أن الوازع الديني أساسي في هذه المسألة، ويقول: من يشعر بالغيرة ويحسد الأصدقاء بسبب صورهم على فيس بوك التي تبين مدى سعادتهم أو نجاحهم ليس لديه وازع ديني .

ويوضح د . نادر ياغي، استشاري البرمجة اللغوية العصبية، تفاصيل هذه الحالة وحيثياتها، يقول: الغيرة الإلكترونية أمر واقع وأجرينا العديد من الدراسات عن أمراض الانترنت ومنها الغيرة الإلكترونية، وتبين لنا أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة هم مدمنو الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي عادة، لأن مدمن الإنترنت يشعر بالانتماء إلى هذا العالم الافتراضي ويعده عالمه الحقيقي، ولهذا يكون متأثراً بكل ما يحدث في هذا العالم بدرجة مرتفعة عن الأشخاص العاديين . (مدمن الإنترنت هو كل شخص يستخدم الانترنت لأكثر من خمس ساعات في اليوم، باستثناء حالات العمل) .

وعن أنواع الغيرة يقول، ياغي: الغيرة نوعان فهناك الغيرة الإيجابية التي تدفع صاحبها ليحسن من نفسه ومن ظروفه حتى يجاري الآخرين، وهناك السيئة التي تنطوي على الحقد وتدفع صاحبها لأن يتمنى زوال الخير الذي يعيشه أصدقاؤه .

ويؤكد أن هذه الغيرة تؤثر في صاحبها بالدرجة الأولى، فهي قد تصيبه بالإكتئاب وتحوله إلى إنسان سلبي يكتفي بالتمني فقط من دون أن يبذل جهداً ليحقق مايريده، وبالنسبة للأصدقاء، فقد تدفع صاحبها إلى الإساءة إلى سمعتهم عن طريق التحايل الإلكتروني . وعن الأسباب التي تثير الغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، يقول: الغيرة كرة من الثلج تكبر باستمرار، فعدد تسجيلات الإعجاب قد ثير الغيرة لدى البعض، وصور الإجازات قد تسبب الغيرة، وهناك من يحاول أن يثير غيرة الآخرين فعلاً ويتباهى بهذه الأشياء التي قد لاتمثل حقيقته غالباً .

وينصح الشخص الذي يشك بأن لديه غيرة إلكترونية أن ينفصل عن المجتمع الإلكتروني ويعيش حياة طبيعية، فبمجرد تذكره أنه في عالم افتراضي سوف تزول الحالة .