حكم تصدق المسلم بكل ماله

رجل نذر أن يتصدق بجميع ماله في سبيل الله فهل هذا النذر جائز وينفذ؟

- تقول اللجنة الدائمة للفتوى في الشارقة: من نذر جميع ماله ليصرف في سبيل الله فللعلماء في الوفاء بهذا النذر عشرة مذاهب أكثرها لا دليل عليه والذي عليه دليل منها أربعة أقوال:

الأول: يلزمه التصدق بالمال كله وهو مروي عن الشافعي والنخعي وأبي حنيفة: (إذا كان مالاً تجب فيه الزكاة) وحجة هذا القول الأدلة الصريحة على إيجاب الوفاء بنذر الطاعة كقوله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) (أخرجه البخاري وغيره) وما ثبت من أن أبا بكر تصدق بكل ماله وقبله النبي صلى الله عليه وسلم منه كما أخرجه أبوداود والترمذي وغيرهم .

الثاني: يجزئ عنه التصدق بثلث ماله وهو مذهب مالك وأحمد في الرواية المشهورة والليث والزهري وحجتهم حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا حيث قال في آخره: يا رسول الله: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) (أخرجه البخاري ومسلم) وفي رواية: (إن من توبتي أن أخرج من مالي كلّه لله ورسوله صدقة قال: لا، قلت: فنصفه؟ قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر) (أخرجه أبوداود) .

قالوا: وظاهر الحديث أن كعباً جاء مريدا التجرد من جميع ماله على وجه النذر والتوبة ولم يكن مستشيرا فأمره صلى الله عليه وسلم بإمساك بعض ماله وصرح بأن ذلك خير .

قالوا: ويؤيد هذا أن أبا لبابة رضي الله عنه لما تاب الله عليه قال: يارسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك وأن انخلع من مالي صدقة لله عزوجل ولرسوله، فقال رسول الله عليه وسلم: لا، يجزئ عنك الثلث . (أخرجه أبوداود وأحمد ومالك) .

الثالث: لا يلزمه شيء وهو رواية عن أبي حنيفة (في غير المال الزكوي) وهو مذهب أبي محمد بن حزم (إذا خرج مخرج اليمين) مستندا إلى أن التصدق بكل المال ليس مشروعاً واستدل بما يأتي:

1 - قوله تعالى:وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السبِيلِ وَلاَ تُبَذرْ تَبْذِيراً (الإسراء:26)

2 - قوله تعالى: وَآتُواْ حَقهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنهُ لاَ يُحِب الْمُسْرِفِينَ (الأنعام:141) . قال: فلام الله سبحانه وتعالى ولم يحب من تصدق بكل ما يملك .

3 - حديث جابر بن عبدالله قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يارسول الله، أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض النبي عنه مراراً وهو يردد كلامه هذا، ثم أخذها عليه السلام فحذفه بها، فلو أنها أصابته لأوجعته أو لعقرته، وقال عليه السلام: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد فيتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى (إسناده لين أخرجه أبوداود والدارمي وفيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس) .

الرابع: قول سحنون من المالكية ان يلزمه إخراج ما لا يضر به واستدل بقوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (البقرة:219) والعفو في أصح التفسيرين هو ما لا يضر إنفاقه بالمنفق ولا يجحف به لإمساكه ما يسد خلته الضرورية .

و الراجح هو القول الثاني وهو أن من نذر أن يتصدق بجميع ماله أن يكفيه الثلث ولا يلزمه صرف الجميع لقوة أدلة هذا الرأي ولأن في ذلك رحمة بالناذر وتخفيفاً عنه ومنعا لإلحاق الضرر به، وكما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من الوصية بأكثر من الثلث كما في الحديث الصحيح رحمة بالوارث، فكذلك يمنع إخراج جميع المال في النذر رحمة بالناذر وتخفيفاً عنه، والله تعالى أعلم .

المدخن الناسي

استيقظت من النوم وأشعلت سيجارة في نهار رمضان ناسياً . . فما حكم الدين في ذلك؟

- يقول الدكتور صبري عبد الرؤوف، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: من أكل أو شرب ناسياً لا يبطل صيامه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه إنما أطعمه الله وسقاه . وهذا الحديث النبوي حديث عام يشمل الصوم في رمضان وفي غيره، ولما كان هذا الحديث النبوي حديثا عاما يشمل كل من أكل أو شرب ناسيا فإن صومه يقع صحيحا لنص الحديث على ذلك، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع الحرج عمن أكل أو شرب ناسيا في نهار رمضان أو في غيره، فيقول فإنما أطعمه الله وسقاه، فكأن الله تعالى أطعمه أو سقاه ولم يكن له دخل في تناوله للطعام أو للشرب .

وبالنسبة لما ورد في السؤال لمن قام ودخن سيجارة أثناء صومه ناسيا فإن قوله لا يعتد به، لأن التدخين ضار بالصحة والمسلم منهي عن الإضرار بصحته، والأطباء في هذا العصر أثبتوا أمراضا عديدة للتدخين منها الإصابة بسرطان الرئة، ومن المعلوم أنه من الأمراض المهلكة .

وقال الله تعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إلى التهْلُكَةِ وكل إنسان يدخن بعد الإفطار ويأخذ من السيجارة نفسا بعد نفس وهو يظن أنه في نشوة وسعادة هو واهم إذ لا يمكن أن تتحقق سعادة للصائم المدخن، وسداً للذرائع يجب قضاء الصيام على من دخن أثناء صومه حتى لو كان ناسيا، والله أعلم.