عندما تلقى تايلور لونج، طالب الثانوية ذو السبعة عشر عاماً في مدرسة موراي كاونتي بولاية جورجيا الأمريكية، إهانات وسباب من زملائه بالمدرسة، فعل ما يفعله أقرأنه في مثل هذه الظروف، إذ حاول تجاهلهم، وهرع إلى معلميه طلباً للمساعدة والنصرة . ولما لم تلق شكواه آذاناً صاغية، أقدم على وضع نهاية لحياته داخل غرفة نومه، بعد أن كتب سطوراً قليلة وصف بها معاناته وسبب إقدامه على إنهاء حياته بهذه الطريقة المأساوية .

قصة لونج واحدة من حكايات عنف كثيرة، أثارت اهتمام بعض السينمائيين، فحولها المخرج الأمريكي لي هيرش إلى وثائقي يحمل اسم الفتوة، يتناول قضية جنوح طلاب المدارس وميلهم إلى إظهار قوتهم واستعراض عضلاتهم على أقرانهم . وعلى الرغم من أن الفتوة لم يعرض بعد أنه أثار موجة من الاهتمام اتخذت على إثرها عديد من جهات محلية في الولايات المتحدة خطوات مهمة للحد من تفشي الظاهرة في المدارس .

من بين الشخصيات المهمة التي أبدت اهتماماً كبيراً بالقصة الناشط في مجال الحقوق المدنية جيسي جاكسون، والياباني مايك هوندا، عضو الحزب الديمقراطي، وعضو الكونغرس دي سان جوزيه .

أحد المراهقين من ولاية ميتشجان قدم التماساً إلى جمعية الفيلم الأمريكيةMPA) )، طالباً إياها إعادة تقييم الفيلم، بعد أن أعطته التقييم R، لعدم ملاءمة لغته للأطفال، وتعني الدرجة R منع المراهقين أقل من 17 سنة من مشاهدته، إلا في رفقة والده أو ولي أمره .

وموضوع بلطجة المراهقين تضمنه عدد من الأعمال الفنية الأخرى التي عرضت في العديد من المدارس الأمريكية، منها مدرسة فيرفاكس الثانوية في لوس انجلوس، وأسدل الستار على العرض بشكل مفاجئ، عندما انخرطت إحدى طالبات الصف التاسع، التي ظلت تتعرض لمضايقات لعدة شهور من قبل زملائها بالمدرسة، انخرطت في نوبة من النحيب .

حصلت شركة وينشتاين الأمريكية للأفلام على حق عرض الفتوة، وأطلقت عليه اسم مشروع جنوح الطلبة بعد العرض الأول له في مهرجان تريبيكا للأفلام في ،2011 والفيلم ليس سبب شهرة شركة وينشتاين، إذ عرضت من قبل أعمالاً ضخمة، مثل ذا آرتيست، وذا كينجز سبيتش .

ومشروع جنوح الطلبة مجموعة من القصص الواقعية الخالية من الرتوش تدور حول الواقع الحياتي لأشخاص حقيقيين، وتهدف إلى رفع الوعي، وليس حصد الجوائز .

وعبر هارفي وينشتاين صاحب الشركة عن إعجابه بالفيلم بقوله لدي أربع بنات، وأرى أن الفيلم يسعى بالفعل إلى تحسين وضعهم بالمدارس وجعل عالمهم أفضل حالاً مما هو عليه .

مخرج الفيلم لي هيرش، الذي تنقل بين ولايات جورجيا، وايوا، وأوكلاهوما، وتكساس، كان قد تعرض هو الآخر للعنف من قبل زملائه في مرحلة المراهقة . بحث هيرش في هذه الأماكن عن مراهقين كانوا ضحايا لأعمال عنف . وقص عدداً من الحكايات حول آخرين ممن تعرضوا للعنف ولم يتمكنوا من التعبير عن معاناتهم فاختزنوها بداخلهم، وتأقلموا على العيش به .

من بين الأطفال الذين التقاهم هيرش لدى إعداد الفيلم، اليكس ليبي، في الرابعة عشر، من مدينة إدموند بولاية أوكلاهوما، والذي مازال يحتفظ بحالة نفسية معتدلة على الرغم من مروره بتجربة قاسية تعرض خلالها لموجة من السباب والإيذاء البدني، ولكن بدا أن والديه بذلا جهداً كبيراً في مساعدته على اجتياز محنته كي لايلقى نفس مصير لونغ المأساوي . ولم يدرك والداه قسوة ما تعرض له ابنهما، حتى شاهدا بعض ما سجله هيرش من لقطات مصورة تظهر تهديداً في الحافلة المدرسية .

وقرر هيرش ذو التاسعة والثلاثين إخراج فيلمه بعد سماعه الكثير عن تعرض عدد من الأطفال لحالات ازدراء قاسية، متذكراً تجربته الخاصة الأليمة في مرحلة المراهقة، عندما تعرض لاعتداء لفظي هو الآخر .

وبحث هيرش عن مؤسسات تساعده على تمويل فيلمه بعدما رأى أن المشكلة تتفاقم، خاصة مع تنامي الإعلام المجتمعي، الذي يؤكد أن المعاناة ربما ستطال عدداً أكبر من الضحايا، وبوتيرة أسرع من ذي قبل .

ويقدم الفيلم صورة مروعة لطريقة تفاعل الأطفال الضحايا مع التجربة المريرة، وللاتهام الموجه للمعلمين لتجاهلهم الأمر، أو لاستصغارهم المشكلة على الرغم من جسامتها . ومازال المراقبون في انتظار التغيير الاجتماعي الذي يمكن أن يحدثه الفيلم .

ويرى هيرش أن فيلماً وثائقياً لايمكن أن يعكس وحده كل أشكال التعامل الوحشي بين أعداد من المراهقين، بيد أنه لا يزال متفائلاً بقدرة إنقاذ الفيلم لحياة البعض .

ويضيف كل عراك لابد وأن ينم عن عنف، وربما يتمكن جيلنا من القضاء على هذه الظاهرة . واستشهد هيرش بأحد الأفلام الوثائقية التي شاهدها في مهرجان سابق للأفلام في مدينة كولومبيا .

وعبر هيرش عن تأثره عندما رأى الدموع تنساب من عيني هارفي وينشتاين أثناء اجتماع كان قد عقد لتقديم التماس لدى جمعية الفيلم الأمريكية بهدف إعادة تقييم الفيلم بPG-13، ليمنع فقط من هم دون الثالثة عشر من مشاهدته . وطالب بذلك أيضاً الطفل اليكس ليبي، لكن الالتماس رفض من قبل لجنة التقييم بالجمعية .

الياباني مايك هوندا، عضو الحزب الديمقراطي أمضى ثلاثين عاماً معلماً، ومديراً لعدد من المدارس، أشار إلى أن تجربته أقنعته بقيمة الفيلم وأهميته .

ويبدي رأيه في المشكلة بقوله '' المراهقون الذين ينهون حياتهم بأيديهم، أو الذين يصطحبون الأسلحة إلى مدارسهم، هم أكثر الحالات تطرفاً، لكن هناك كثيرين منهم لايجدون من يساعدهم أو يحذرهم من خطورة تصرفاتهم . وفيلم الفتوة يمكنه أن يغير هذا النوع من السلوك الجانح .

كما يرى أن الفيلم ليس سوى نقطة انطلاق تدور حول المشكلة، ويؤكد ضرورة تناولها بشكل أشمل، فلا يكفي تناولها بتجسيدها في فيلم، بل يجب اتخاذ إجراءات أقوى، مثل بحثها وإجراء تحقيقات حولها لمنع تكرارها بمدارس أخرى .

وبعدما رفضت جمعية الفيلم إعادة تقييمه، بدأت شركة وينشتاين تعزيز حملاتها الدعائية له، واستشهدت بطفلة أخرى تدعى كاتي بتلر، من ولاية ميتشجان والتي أصبحت ناشطة حقوقية بعد أن كسر أحد أصابعها نتيجة تعرضها للعنف من قبل زملائها في المدرسة، كما أصدرت الشركة بيانات صحفية استشهدت فيها بعبارات للناشط الحقوقي جسي جاكسون، منها قوله إن الفيلم يصور الكابوس المرعب الذي يواجهه بعض الأطفال يومياً، والذي يمكن أن يدفع بهم إلى إنهاء حياتهم بأيديهم، أو الانتقام . ويخشى البعض منهم الذهاب إلى المدرسة، ما يؤثر سلباً في مستواهم الأكاديمي .

وأرسل هوندا رسالة مكتوبة إلى رئيس جمعية الفيلم كريس دود، طالباً إياه إعادة النظر في تقييم الفيلم، إلا أن متحدث باسم الجمعية استبعد تغيير القوانين بسبب رسائل أو التماسات .

وصرح هيرش ووينشتاين بأنهما أرادا أن تكون لغة الفيلم كما وردت على السنة المتحدثين الأصليين، عازمين على عدم حذف أي كلمة قيلت من قبلهم .

مدير التسويق بشركة وينشتاين، ستيفين برونو، اعترف بأن الالتماسات في حد ذاتها تعد دعاية مجانية للفيلم .

ويرى هيرش أن الفيلم سيجذب إليه مشاهدين كثر من الأطفال والمراهقين لما يتضمنه من مواقف مناهضة لجنوح بعض من طلاب المدارس، وليس لأسباب تتعلق بالدعاية . ويضيف لا يهدف الفيلم إلى تعليم الناس كيف يشعرون، فهناك آلاف المراهقين ممن شاهدوا إعلان الفيلم وعبروا عن إعجابهم به وتعبيره عن معاناتهم .