الشّعر مبثوث في هذا الكون وليس حكراً على اللغة، لهذا تبدو بعض الظواهر الفيزيائية أشبه بقصائد يتعذر تقليدها، ومنها قوس قزح الذي ما أن تحدث عنه علماء الفيزياء بمعزل عن أطيافه الرومانسية حتى غضب شاعر بريطاني ورفض أن تعاد هذه القصيدة القزحية الى عناصرها الطبيعية مثلما رفض شاعر آخر وصف القمر ببرودته وظلامه وتصلبه، لأنه أضاء ليل العشاق وافتضح اللصوص ورآه الفقراء، كما يقول الشاعر طاغور، رغيفاً مرمياً على رصيف السماء .

لكن اطرف ملحمة فيزيائية هي تلك التي تقول بأن الماس هو فحم تعذب ملايين السنين في باطن الأرض، كي يستطيع أن يتجوهر ويصبح بهذه الصلابة الشفافة .

وغالباً ما يستشهد العلماء بالطبيعة والفيزياء لإقناع البشر بأن عذاباتهم تصقلهم، وهي التي تهذب أرواحهم تماماً كما يتحول الفحم الى ماس، فلولا المكابدات والألم لما كتب العباقرة ما كتبوا عن آلام وأشواق وحنين، فالراحة قد تفضي الى ما يشبه الاستنقاع وبالتالي فقدان هاجس المغامرة، وقبول الأمر الواقع والتعايش معه، لهذا تلعب البيئة والمناخات حراً وبرداً في تحريض الارادة للاستجابة على التحديات، وثمة من يقولون بأن صقيع روسيا وثلوجها ومكوث الانسان اسابيع في بيته هو الذي دفع المبدعين من طراز تولستوي وديستويفسكي وتشايكوفسكي الى إضافة روايات وسيمفونيات خالدة الى التاريخ، لكن هذا التفسير البيئي أو الجغرافي للثقافات بقى احادي البعد إذا عزل عن عوامل أخرى منها النفسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي، وثمة ظواهر كونية عديدة ترينا كم هو الشعر في الفيزياء، لكن ليس على طريقة ذلك العالم الذي كان يقفز فرحاً إذا شاهد صبية متوردة الخدين، لأنه يعيد ذلك الى ارتفاع نسبة الهموجلوبين في دورتها الدموية .

والطبيعة كما قال شكسبير هي المعلم الأول، لهذا حاول الإنسان محاكاة ظواهرها وجمالها وكل ما تحدثه من تحولات وايقاعات، وان صح أن أصل الماس فحم، فإن أصل الحرية عبودية تمردت على قيودها، وأصل البطولة عصيان على الامتثال، لأن الجدل بين كل هذه الثنائيات التي تبدو متناقضات هو أصل المسألة كلها، والإنسان يستطيع بارادته اذا شحذت ودربت ولم يصبها الكساح والشلل أن يحول العقبة الى مرتكز وأسباب الفناء الى أسباب حياة، وليست قصة الحضارات غير هذا الجدل الخالد بين العوائق والقدرة على تخطيها، وحين اراد واحد من اشهر مؤرخي عصرنا هو ارنولد توينبي أن يجد تفسيراً للتاريخ، اخذه من بائع اسماك في ايرلندة، عندما اخبره ذلك الصياد بأن هناك سمكا شهياً وثميناً، يجب ان يوضح بجواره في الماء عدوه التقليدي وهو كائن بحري وينتج عن هذ الجوار اشتباك دائم يبقي لحم السمك طرياً، وبعكس ذلك، فإنه يفقد مرونته ويتصلب، وطبق المؤرخ توينبي هذه النظرية على التاريخ، ليجد أن الشعوب التي كانت في حالة اشتباك دائم مع غزاتها والطامعين بها اكتسبت مهارة ومرونة لم تكتسبها شعوب أخرى أكثر استقراراً وبعداً عن مثل هذه الاشتباكات، وبهذه الرؤية تصبح متاحف العالم مجرد شواهد على اشتباك الإنسان مع خصومه سواء كانوا من التاريخ أو الجغرافيا والبيئة، لأن الأمم التي بادت ولم تمهر هذا الكوكب ببصماتها هي تلك التي انقرضت كالديناصور ولم تستطع أن تحول الفحم الى ماس .