التواضع: مشتق من الفعل وضع ودخول التاء عليه وهي دالة على الطلب تعطي إشارة إلى أن المرء الرفيع المنزلة لكي يحقق التواضع فإنه يتنزل عن مرتبته. والتواضع اصطلاحاً: لين الجانب وخفض الجناح، ونقيضه الكبر ويخالف المهانة والذل. والفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه، ومحبته وإجلاله ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها فيتولد من بين ذلك كله خلق التواضع وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له أحد فضلاً ولا يرى له عند أحد حقاً بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه. وأما المهانة فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها كتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه ،فهذا كله ضعة لا تواضع والله سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة. ومن هذا الخلق أثنى الحق تبارك وتعالى على عباده، فقال: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. قال ابن القيم: أي سكينة ووقاراً متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين، قال الحسن: علماء حلماء.
وقال محمد صاحب أبو حنيفة: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سُفِه عليهم حلموا. إن التواضع علامة من علامات حب الله للعبد وصفة من صفات حزب الله قال جل وتعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (المائدة: 54)، أي: متواضعين رحماء بإخوانهم وأرحامهم متعززين على خصومهم وأعدائهم ولما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضميناً لمعاني هذه الأفعال فإنه لم يُرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول كما في الحديث: المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليلان، وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب، والنمام، والبخيل، والجبار.
وقوله: أعزة على الكافرين، هو من عزة القوة والمنعة والغلبة.
قال عطاء رضي الله عنه: للمؤمنين كالوالد لولده وعلى الكافرين كالسبع على فريسته، كما قال في الآية الأخرى: أشداء على الكفّار رحماء بينهم (الفتح: 29)، وهذا عكس حال من قيل فيهم:
كبراً علينا وجبنا عن عدوكم
لبئست الخلتان الكبر والجبن
والثواب العظيم والأجر المقيم في الآخرة للمتواضعين يقول تعالى شأنه: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين (القصص: 83)، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم: ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، قال النووي: وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله فيه وجهان: أحدهما: يرفعه الله في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه. والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا والتواضع يقتل الفخر والبغي. يقول صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد. تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات: التواضع. وقال أبوبكر الصديق رضي الله عنه: وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين والشرف في التواضع. وقال مقدام العلماء معاذ بن جبل رضي الله عنه: لن يبلغ العبد ذرا الإيمان حتى يكون التواضع أحب اليه من الشرف وما قل من الدنيا أحب إليه مما كثر، ويكون من أحب وأبغض في الحق سواء يحكم للناس كما يحكم لنفسه.
وللتواضع أدلة تثبت أن المنعوت بها من المتواضعين منها: مجالسة الفقراء والأكل مع الأيتام والضعفاء والمشي مع المساكين وقضاء حوائج المحتاجين وإطعام الوالدين، وقبول الحق ممن تحب وممن تبغض، فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك وإذا لم ترد عليه حقه فكيف تمنعه حقاً له قبلك؟ بل حقيقة التواضع أنه إذا جاء قبلته منه وإذا كان له عليك حق أديته إليه فلا تمنعك عداوته من قبول حقه ولا من إتيان إياه. إذا جاء من أساء يعتذر من إساءته فإن التواضع يوجب عليك قبول المعذرة وعن تواضع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ورد عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم. وعن جرير رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بنساء فيسلم عليهن، وعن أنس رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان إجلسي في أي طرق المدينة شئت اجلس إليك، وعن أنس رضي الله عنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك وورد عن عبدالله بن سلام أنه مرّ في السوق وعليه حزمة من حطب فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله عن هذا؟ قال: أردت أن أدفع الكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة من في قلبه خردلة من كبر، أسأل الله تعالى أن نكون من المتواضعين البعيدين عن الكبر، ومن شر أنواع الكبر ما يمنع من الاستفادة بالعلم وقبول الحق والانقياد له.