هل من الممكن أن نهزم الفساد؟ سؤال يطرح نفسه بقوة عقب قراءتنا لإحصائيات وأرقام تتكبدها الميزانيات العربية سنويا، حيث أشار تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية إلى أن حجم الرشى التي تدفع في الدول العربية فقط يصل إلى 300 مليار دولار، وهناك دراسة لمنظمة الشفافية الدولية لمكافحة الفساد في تقرير حديث نشر مؤخرا كشفت النقاب عن أن الدول العربية أصبحت الأسوأ عالميا في مكافحة الفساد.
فإذا كنت بحاجة إلى رخصة قيادة محلية فإن أسابيع من العمل الورقي
والتأخير يمكن تجنبها إذا لجأت إلى دفع البقشيش (الكلمة التقليدية المرادفة لكلمة رشوة) إلى المسؤول المعني بعمل تلك الرخصة.
وفي ظل الظروف التي يعيشها العالم العربي من فساد إداري ومالي يندى له الجبين فقد أصبح ضرورة التصدي بحزم لهذا الداء قبل أن يتحول إلى كارثة.. الخليج في هذا التحقيق طرحت القضية على خبراء الاقتصاد والاجتماع وعلماء الدين لمعرفة تداعيات انتشار الفساد وسبل مواجهته:
حول مظاهر الفساد وأشكاله يقول الدكتور شوقي دنيا أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر: الملاحظ أن الفساد تعددت أشكاله وألوانه في عالمنا العربي ومن أبرزها الرشوة والهدية والإكرامية والبقشيش والإتاوة والابتزاز والنصب والاحتيال والاختلاس والسرقة واستجداء المزايا باستغلال النفوذ واستغلال المناقصات والمزايدات والعقود التي تتلوها والتهرب من دفع الرسوم والضرائب المالية والجمركية وغيرها والامتناع عن دفعها بوسائل ملتوية وبتحايل غير أخلاقي في بعض الأحيان ومنح المكافآت والتعويضات والمزايا لمن لا يستحقها.
ويدخل أيضا في نطاق الفساد عدم وضع الشخص المناسب في مكانه، وتسخير المرؤوسين، واستعمال السيارات والآليات العامة في مصالح خاصة ووضعها بتصرف العائلة والأقارب، والإكثار من عناصر الحراسة والوساطة غير المشروعة، والتزوير في الوثائق، وحتى استعمال الهاتف في أمور شخصية يعد نوعا من الفساد، وكذلك الإيفاد إلى مهمات أو دورات تدريبية محلية وخارجية، لمن ليس أهلاً لها والإسراف وتبذير الأموال العامة في ولائم ومكاتب فاخرة ووضع حجر الأساس لمشاريع صغيرة وتدشينها باحتفالات ونفقات كبيرة وتبادل بطاقات التهنئة والمعايدة الفاخرة المزركشة.
ويضيف د. دنيا: كل هذه الأمور تعد من قبيل الفساد الذي استشرى للأسف الشديد في مجتمعاتنا العربية وتسبب في تكبيد ميزانياتنا مبالغ ضخمة تذهب هباء بدلا من استغلالها في تفعيل خطط ومشروعات التنمية لرفع العناء عن كاهل الجماهير، وبدون شك فإن الإسلام يملك قوة روحية هائلة وقوة مادية نافعة ومن هنا فإنه احتوى كل ما يتيح مواجهة هذه الآفة المرضية ولعل مبدأ الحسبة الذي نادى به الإسلام هو إحدى الآليات القوية التي شرعها الإسلام من أجل مواجهة كافة أنواع الفساد ومنها الفساد المالي والاقتصادي والله عز وجل يقول: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (الحج: 41)، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ومعنى اليد هنا الضرب بيد من حديد على أيدي المفسدين، فمفهوم اليد يعني الردع والزجر والمنع للمنكر كما يعني استعمال السلطة وكل أجهزتها لهذا الغرض.
مشكلات وحلول
وحول المشكلات التي يتسبب فيها الفساد يقول الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة القاهرة: للأسف الشديد فإن الفساد أصبح علاقة وسلوكا اجتماعيا وتسعى رموزه إلى انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي لهذا يصنف المختصون الفساد إلى: واسع.. وضيق، فالفساد الواسع ينمو من خلال الحصول على تسهيلات خدمية، أما الفساد الضيق فهو الرشوة مقابل خدمة بسيطة.. أي عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة مثلا كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الأقارب من منطق المحسوبية أو اختلاس أموال الدولة مباشرة.
ويضيف: إن انتشار الفساد في العالم العربي يعد أحد مظاهر التخلف وهو يعرقل كل خطط التنمية في المجتمعات العربية والإسلامية، ليس هذا فحسب بل إن الفساد يتسبب في زيادة كبيرة في حجم الدين الخارجي حيث وصل لأكثر من مائة وستين مليار دولار وهو ما يؤثر بشكل مباشر في خطط التنمية المستقبلية وبمعدلات الادخار المحلي الذي تناقص لأسباب مختلفة وهو ما أدى إلى عدم إمكان تنمية الموارد المالية الذاتية حيث يؤدي الفساد إلى إهدار الأموال التي تقترضها الحكومات في أمور وهمية مما يجعلها تقترض مرة أخرى وهو ما ساهم في زيادة اعتماد الدول العربية على القروض الخارجية وأدى ذلك إلى تزايد معدلات التضخم بسبب الضغوط التي تسببها هذه القروض على القدرة التنافسية لصادرات الدول المدينة إضافة إلى أن أعباء خدمة الدين تستحوذ على نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي.
ويستطرد د. الغزالي قائلا: بدون مكافحة أنواع الفساد التي انتشرت في مجتمعاتنا فإن مظاهر التخلف الاقتصادي لن تختفي على الإطلاق فالدول المتقدمة لم تتقدم إلا لأنها حرصت على الشفافية مما أدى بالتالي إلى تدني نسبة الفساد والرشوة وعدم إساءة استخدام الموارد البشرية المتاحة ولكن في محيطنا العربي فإن الفساد الاقتصادي أسهم في سوء استغلال الموارد المتاحة الأمر الذي أدى بالتالي إلى تخلف العالم العربي في مجال التنمية مقارنة بالعديد من دول العالم وعلى الرغم من ارتفاع نصيب الفرد العربي من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنظيره في دول أخرى عديدة فإن العالم العربي ما زال متخلفا على المستوى الاقتصادي ولو استخدم مبادئ الاقتصاد الإسلامي في محاربة الفساد فسوف ينجح في تحقيق نتائج مبهرة في التنمية الاقتصادية.
فإذا كانت الرقابة في النظم الاقتصادية الوضعية يحكمها القانون فإن الاقتصاد الإسلامي لا يكتفي بذلك وإنما تسبق هذه الرقابة القانونية رقابة أساسها التقوى القائمة على الإيمان بالله ابتغاء مرضاته وتجنب عقابه وهذا تطبيق عملي لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، لهذا نجد رجال الأعمال الملتزمين بتعاليم الإسلام هم الأكثر نجاحا والأقل مخالفة لأنهم يخشون الله قبل خشية القوانين الرقابية وبهذا فإن الحل هو غرس التقوى والإيمان في قلوب التجار بل وكل مساهم في الإنتاج والتوزيع والأنشطة الاقتصادية عامة.
تهديد للسلوك الاجتماعي
وتشير الدكتورة عزة كريم خبيرة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بالقاهرة إلى أن الصمت حيال انتشار الفساد يؤدي إلى الهبوط بالمواطنين العرب إلى مستوى ما تحت خط الفقر وبالتالي معاناة الملايين من البؤس والجوع مما يؤدي إلى انتشار حالات اليأس واتجاه شرائح من الشباب إلى الإرهاب أو الاستغراق في مستنقع التيه والمخدرات وما يتبع ذلك من جرائم أخرى ضد النفس والمال، وهناك علاقة واضحة بين انتشار الفساد الإداري والمالي وارتفاع نسبة الانتحار بين الشباب العرب.
ومما لا شك فيه أن الفساد يهدد السلوك الاجتماعي ويعتبر خروجا على المألوف من القيم والمثل الإنسانية فهو في مضمونه سلوك غير أخلاقي وخيانة للأمانة التي عرضها المجتمع على الموظف العمومي فقبلها ثم فرط فيها ويجب أن نعلم أن مشكلة الفساد تتجاوز مسألة الأرقام المالية فعلاوة على المال العام الذي تم نهبه أو الرشوة التي تم أخذها هناك خطر أعظم ألا وهو تدمير القيم التي هي أساس استقرار المجتمع وأمنه فعندما تصبح مسلكيات شائنة مثل الرشوة والتفريط في الواجب المهني والأنانية قيما بديلة عن التعفف والانضباط وحسن السيرة المهنية والتضحية لصالح المجتمع فقل على الدولة والمجتمع السلام، فلا يمكن تصور بقاء دولة متماسكة لها مؤسسات في ظل انتشار الفساد الإداري فهو بمثابة السوس الذي ينخر جسم الكائن الحي فيقضي عليه مع مرور الوقت.
وتقول الدكتورة عزة: إن منشأ الفساد المالي والإداري يعود إلى سوء التنشئة الاجتماعية للموظف أو المسؤول وفساد أخلاقه وقيمه الاجتماعية وكما يعود أيضا إلى الخطأ الذي ارتكبه المسؤولون في تعيين مثل هذا الموظف مع ضعف المحاسبة والمساءلة وعدم فرض العقوبات الرادعة على الموظف المسيء ماليا وإداريا، كما أن بعض المواطنين يساعدون على انتشار الفساد من خلال قيامهم بتقديم الهدايا المالية والعينية للموظفين لقاء إنجاز معاملاتهم التي قد تكون أصولية ولا يحتاج إنجازها لمثل هذا السلوك، ولذلك فإن سبل التخلص من هذه الآفة تكمن في ضرورة تبني حملات تربوية وإعلامية لنشر الوعي الديني والأخلاقي بين الجماهير والموظفين باعتبار أن ارتفاع الوعي الديني له أبلغ الأثر في حرص الإنسان على عدم الإفساد في الأرض بالإضافة إلى رفع مستوى العقوبات التي يتعرض لها الموظف الفاسد ليكون له دور كبير في مكافحة الفساد، ولا ننسى أن المسلمين الأوائل عندما طبقوا تعاليم الإسلام في مجال العقوبات تراجعت معدلات الجرائم الأخلاقية والمالية في مجتمع المسلمين، لهذا فعلى الحكومات العربية استلهام القوانين والتشريعات التي سنها الإسلام لمواجهة مختلف الجرائم كذلك يجب تفعيل الرقابة الشعبية لتكون سندا مؤازرا للرقابة الرسمية وتأسيس آليات فاعلة تأخذ بالحسبان الجوانب الاجتماعية والثقافية فضلا عن القانونية تساندها في ذلك حملات إعلامية وتثقيفية مستمرة تقوم بها وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات والمرجعيات الدينية للقضاء على الفساد المالي والإداري وتقليل تأثيراته في عمليات التنمية.
تجريس الغشاشين
وعن كيفية مواجهة الإسلام للفساد الاقتصادي يقول الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الفقه في جامعة القاهرة: إن الإسلام كان واضحا في نهيه عن الفساد والإفساد في الأرض حيث يقول الله تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (البقرة 205)، وقال تعالى: ولا تعثوا في الأرض مفسدين (البقرة 60) والفساد لا ينتشر إلا عندما تنتشر المعاصي والتمرد على منهج الله عز وجل، إذ لا يتصور حدوث الفساد أيا كان نوعه عند الالتزام بشرع الله ومنهجه حيث يقول الله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.
ونحن بداية في حاجة إلى أدوات وآليات وإجراءات فعالة في مضمار المكافحة وسد الذرائع وأول تلك الآليات تقويم السلوك الذاتي والفردي من العامل والمواطن العادي المدفوع تحت الضغوط أو الإغراءات إلى الفساد دفعا بحيث يتحصن ذلك ضد الفساد، وذلك لن يكون إلا بتقوية الوازع الديني عن طريق خطب الجمعة والدروس الدينية وكذلك يجب على وسائل الإعلام وكل صاحب قلم ووسيلة تنويرية وتثقيفية وتعليمية أن يلعبوا دورا في رصد الظواهر وتقصيها والتأكد منها وتسليط الضوء عليها لتضييق الخناق على أفرادها وشبكاتها والإعلان عن النتائج المؤكدة بنتيجة التحقيق النزيه أو صدور أحكام قطعية.. وأذكر هنا بأسلوب تجريس الغشاشين من قبل المحتسب في صدر الإسلام، حيث كان الغشاش يحمل على حمار ووجهه نحو الخلف ويقرع هو أو مرافقه جرسا لتنبيه الناس إلى شناعة فعلته ولا مانع من استخدام وسيلة التجريس مع تطويرها بما يلائم العصر بحيث يدرك كل مفسد في الأرض أنه سيجر العار على نفسه وأهله إذا ما تم اكتشاف فساده.
ومن الأمور والقوانين التي تحتاج المجتمعات الإسلامية لتفعيلها اليوم القانون الإسلامي المعروف: من أين لك هذا؟ حيث يكون من سلطة المجتمع محاسبة أي شخص مهما علا شأنه طالما بدت عليه علامات الثراء بصورة مفاجئة وليتذكر المسلمون ما حدث من الأعرابي عندما عارض الفاروق عمر رضي الله عنه حيث قال الإعرابي له: لا سمع ولا طاعة من أين لك هذا الثوب الطويل وقد أعطيت كل واحد من الرعية ثوبا لا يكاد يكفيه من تلك الأثواب التي جاءت لبيت مال المسلمين وعلى الفور أوضح الخليفة الراشد مصدر الثوب وختم حديثه قائلا قولته الخالدة: لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها هكذا نهضت الأمة وبنت حضارة عظيمة مترامية الأطراف ولو اقتفينا أثر هؤلاء لوصلنا إلى مثل ما وصلوا إليه وأكثر.
الحاكم القدوة
من جانبه يشير الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الإسكندرية إلى أن الإسلام قام بالفعل بوضع تشريعات تمنع كل أشكال الفساد ويجب علينا اليوم تفعيل تلك التشريعات من أجل تحقيق المساواة بين الناس وتحقيق العدل ووقتها سننجح في القضاء على محاولات البعض الإثراء من الحرام وهذا هو العدل الذي جعل الأمة الإسلامية تصل إلى حد من الغنى والثراء في عهد عمر بن عبد العزيز لدرجة أنهم كانوا يبحثون عن الفقراء والمحتاجين لإعطائهم المال فلا يجدون ويبحثون عن الشباب غير المتزوجين لتزويجهم من بيت المال فلا يجدون فالكل غني وقادر على تزويج نفسه وكل ذلك يعود إلى أن العدل ساد بين أفراد المجتمع وهو ما أدى إلى إشباعهم تماما.
أريد أن أضرب مثلا من الماضي يبين كيف واجه الإسلام الفساد، فعندما جاءت أموال وكنوز كسرى بقطعها الصغيرة والكبيرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يحضره علي بن أبي طالب فبكى فقلب عمر بن الخطاب بالعصا كنوز كسرى وقال إن الذي أدى هذا لأمين، وبكى فكان بجانبه علي بن أبي طالب وقال له: يا أمير المؤمنين عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا ولو تأملنا هذا المثل لوجدنا فيه العلاج النهائي للفساد الذي تعانيه مجتمعاتنا وأدركنا أهمية أن يكون الحاكم قدوة وقد نهى الإسلام عن الفساد في عديد من آيات الذكر الحكيم لأنه مفسد للعقل ومفسد للمال ولمقاصد الشريعة الإسلامية، فهناك خمسون آية تنهى عن الفساد، وتربط الفساد بالأرض مصدر رزق الإنسان إحدى عشرة آية منها تبين عقاب المفسدين أي العقاب الذي أقره الله سبحانه وتعالى للمفسدين.
وقد كان للسنة النبوية وقفة متميزة في هذا الشأن منها قول: الرسول صلى الله عليه وسلم: لعن الله الراشي والمرتشي ومن هذا المنطلق فإن تفعيل دور الوازع الديني وتعريف المسلم بالعقاب الإلهي للمفسدين بالإضافة إلى تفعيل القوانين الإسلامية التي هدفت لردع المفسدين سيكون له أبلغ الأثر في التخلص من آفة الفساد وما ينتج عنها من خلل في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.