د . هشام الهاشمي
يعدّ الفساد في الإدارة العراقية الأكثر بروزاً منذ بداية عام 2004 ولغاية وصولها إلى عتبة الانهيار الاقتصادي والخدمي والبنى التحتية والتراجع في كل المجالات الحيوية، والذي امتد لصناع السياسة الخارجية والداخلية العراقية، حيث أصبحت المصلحة الشخصية والحزبية والطائفية مقدمة على المصلحة الوطنية العراقية، وهذا الترجيح صار يُعد العامل الحاسم في اتخاذ القرارات الحكومية والتشريعات البرلمانية من دون النّظر والاهتمام بمعنى الوطن والمواطن، بل أصبح الفساد والرغبة في الاستحواذ على المال العام هما ما يحدد أماكن الصراعات والمنافسات التي ينبغي البدء بها، وتأجيل البعض الآخر لوقت لاحق .
هذا ما يفسر هزيمة القوات العراقية أمام "داعش"، لأن تلك القيادات لم تصنف الحرب مع "داعش" كأولوية أولى للعراق في عام 2014 . فبالإضافة إلى انهيار معظم مؤسسات الدولة بسبب المحاصصة السياسية والطائفية، وبالتالي عدم تقديم الكفاءات جعل المواطن العراقي يعيش عناء الروتين ونكد الرشوة والمحسوبية مع غياب الرقابة المالية والإدارية وتسييس القضاء ووجود لوبيات في الأجهزة الأمنية الفاسدة، أيضاً من ثمار ظاهرة الفساد الحكومي خطر تزايد الصراع وبين السنة والشيعة، والعرب والكرد، والذي يُعد ضمن المخاطر القصوى التي تهدد العراق عند اشتداد الأزمات السياسية والأمنية .
إن أعظم تهديد ناتج عن الفَسَاد الحكومي يهدد العراق هو سيطرة "داعش" والجماعات المتطرفة على حقول النفط والخطوط الناقلة له، وازدياد حدة التوتر المتصاعد بين العراق والدول الإقليمية .
وهناك مخاوف بشأن النتائج المترتبة على احتمال انهيار ورقة الاتفاق السياسي التي على أساسها نالت حكومة العبادي الثقة وهي الموقعّة من قبل الكرد والشيعة والسنّة، وما قد يترتب على ذلك من تصعيد في الخطاب القومي والطائفي . لذا، يجب على حكومة العبادي مراعاة هذا الاحتمال، ودراسته، وتحديد كيفية تجنب وقوعه .
وبالانتقال إلى ازدياد العنف بين الخارجين على القانون من الميليشيات الشيعية والسنة العرب في ديالي وحزام بغداد، فإن غض الطرف من قبل الحكومة العراقية عن تلك الممارسات الشاذة سوف يهدد البلد باندلاع حرب طائفية ثانية، نتيجة العنف المستخدم ضد المدنيين .
وبسبب الفساد الحكومي فإن الاستراتيجية الحكومية، وكيفية ترتيبها لأولوياتها في العراق تكتنفها حالة من الغموض، وعدم الوضوح، وأن حالة التخبط التي تشوب قرارات مجلس الوزراء منذ عشر سنوات ناشئة عن أن وزراء الحكومة ينفذون برامجهم الحزبية ولا يعني لهم البرنامج الحكومي المعلن، وإنما يتصرفون تجاه كل قرار كأنهم جهة منفصلة عن الحكومة، وهو ما يؤدي إلى سيادة حالة الفساد والتحيز . لقد تحوّل العراق من دولة رعاية اجتماعية لكل أفراد الشعب إلى دولة طبقة واحدة حاكمة وفاسدة، ليس في مصلحتها الإنفاق على الخدمات أو تحسين معيشة المواطنين رغم مليارات الدولارات من عوائد النفط، فكل القوانين والتشريعات وسلوك الإدارة السياسية تصب في مصلحة هذه الطبقة التي تريد أن تستحوذ على ثروات ومقدرات الشعب العراقي، بينما تسن التشريعات والقوانين بالضد من مصالح بقية الشعب ولتسلبهم الحد الأدنى من العيش بكرامة، حيث يعاني الشباب العراقي البطالة والشعب يعاني غلاء أسعار السلع والتضخم وارتفاع أسعار إيجارات السكن، ثم تأتي الحكومة وتعلن عن التقشف وعن نيتها لفرض ضرائب على المواطنين .
وهناك انهيار في الخدمات التعليمية والصحية، ويشكو الأهالي وأولياء الأمور من تعامل إدارات المدارس والمعلمين مع أبنائهم، فالعنف والانحراف وضعف التحصيل الدراسي كلها نتائج تعكس ضعف النظام والخدمات التعليمية، وانتفاء السلوك التّربوي .
ومن أبرز ظواهر الفساد الحكومي، هو فساد المؤسسة العسكرية العراقية، حيث كشف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بعد تحقيقات أولية عن وجود عمليات فساد في قطاعات متعددة من المؤسسة العسكرية .
ويُواجه قادة في مكتب القائد العام السابق تهما بجرائم النزاهة والرشوة لشراء المناصب وسوء استخدام أموال الجيش فضلاً عن سوء استخدام المنصب والسلطة . وكشف التحقيق الذي أجرته لجنة عسكرية في مكتب العبادي عن قضايا فساد كبرى في قيادة القوات البرية ورئاسة أركان الجيش وقيادة العمليات المشتركة وقيادات العمليات العسكرية، وهذه من أكبر المراكز التابعة للجيش العراقي .
وهناك الكثير من الأدلة تفيد بوجود "فساد مالي وإداري كبير" يتضمن الآلاف من الجنود الوهميين، وسرقة مبالغ بدل الطعام الخاصة بالجنود، وعدم التزام الضباط بالأوامر العُليا بسبب التهديدات الحزبية والطائفية والميليشاوية، والذين يتولون عملية الفساد يتمتعون بذكاء اللصوص والانتفاع من الثغرات القانونية، خصوصاً في دوائر العقود والمشاريع ومكتب الأمين العام لوزارة الدفاع، بالإضافة إلى ذلك كله هناك العديد من قضايا الفساد في مشاريع البناء العسكرية وتوزيع الأراضي ومشاريع شراء السلاح والرعاية الطبية ومشاريع الإعلام العسكري، وأيضاً الفساد في نقاط التفتيش على الطرق الرئيسية، والتي تعمل مثل الحواجز الجمركية، إذ إن جميع البضائع التي يجري نقلها عبر هذه النقاط، تضطر المركبات لدفع تعرفة (رشى) تذهب إلى جيوب الضباط والجنود .
ويضم الجيش العراقي 50 ألفًا من "الجنود الأشباح" غير الموجودين عمليًا، ولكن تصرف لهم الرواتب لكي يحصل عليها ضباطهم عن طريق الاحتيال، وفقًا لرئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي .
في بداية عام 2014 عندما بدأ القتال في محافظة الأنبار، واستولت "داعش" على 80% من المحافظة، تمّت ملاحظة أن وحدات الجيش العراقي التابعة لعمليات الأنبار وعمليات الجزيرة هي في كثير من الأحيان فاسدة، ومختلة وظيفيًا، ولم تتلق ما يكفي من الإسناد والدعم اللوجستي وخاصة الذخيرة .
إن جميع العراقيين يدركون حقيقة أن الأموال والسيارات الفارهة والبيوت والأراضي والأعمال التجارية المختلفة لقادة الجيش العراقي لم تأت من أرث أسري، وان هذه المقتنيات والأملاك حصلوا عليها نتيجة العبث والفساد المروع داخل المؤسسة العسكرية .
مهمة جداً تلك الخطوات الإصلاحية التي اتخذها الدكتور العبادي بخصوص إعادة هيكلة الجيش والذي نتج عنها تغيير 36 ضابطاً في مراكز قيادية وإدارية، وإلغاء مكتب القائد العام للقوات المسلحة .
إن إعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن وإنهاء اللوبيات الحزبية والمافيا في الجيش وتوحيده تحت قيادة موحدة له أمر غاية في الأهمية، ولكن مكافحة الفساد والقضاء عليه في المؤسسة العسكرية هو أيضاً أمر غاية في الأهمية ولا تقل أهميته عن أهمية إعادة هيكلة الجيش . لذلك من المؤمل أن تكون إعادة هيكلة الجيش العراقي بداية حقيقة لتنظيفه من جميع الفاسدين والعابثين والقضاء على الفساد الحاصل في المؤسسة العسكرية بكل صوره وإشكاله، ولذا من يريد الإصلاح ينبغي أن يعتمد على ضباط محترفين وانضباطيين .
إن قيادة المؤسسة العسكريّة كانت فاشلة طيلة السنوات الماضية في إدارة واستخدام الأموال المخصّصة للجيش في بناء استثمارات مالية آمنة ومضمونة تسهم في تقوية المركز المالي للمؤسسة على المدى البعيد ويسهم في تمويل الجيش ذاتياً ولو جزئياً وتحقق لها عوائد مناسبة تحد من أثر التضخم في النفقات العسكرية .
حيث بلغت المبالغ التي تم إنفاقها على المؤسسة العسكرية خلال عشر سنوات 60 مليار دولار، ويتكون الجيش العراقي حالياً من 14 فرقة عسكرية معظمها فرق مشاة يقدر عدد أفرادها بنحو 350 ألف عسكري بمعدل 12 ألف شخص لكل فرقة بالإضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب والأفواج الرئاسية الخاصة، وبسبب أحداث العاشر من يونيو/ حزيران الماضي تم حل أربع فرق عسكرية، ويمتلك الجيش نحو 70 دبابة أبرامز أمريكية حديثة الصنع استولت "داعش" على 28 منها، ونحو ستة آلاف عربة عسكرية من نوع هامر أستولت "داعش" على 3226 والمئات من عجلات القيادة من نوع باجر الأمريكية دمرت "داعش" أكثر من ثلثها، والمئات من ناقلات الجنود والمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ خسر العراق أكثر من نصفها بحسب وثائق تم تسريبها من لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، فضلاً عن العشرات من الطائرات المروحية الروسية والأمريكية الصنع، وأكثر من 170 دبابة روسية ومجرية قدمت كمساعدات من حلف الناتو في عامي 2005 و2006 . لكن رغم ذلك لم يستطع الجيش العراقي إيقاف عمليات "داعش" في شمال وغرب العراق وحماية المواطن من الإرهاب .

* أكاديمي وكاتب عراقي