القاهرة: عيد عبدالحليم

تعد مدينة الفسطاط أقدم المدن الإسلامية في مصر، فقد أنشأها عمرو بن العاص بعد الفتح الإسلامي لمصر في القرن الأول الهجري، وبناها وفق طراز معماري يوافق ذلك الزمن الذي بنيت فيه.
ويرجع المؤرخون العرب سبب تسمية «الفسطاط» بهذا الاسم إلى أن عمرو بن العاص لما أراد التوجه لفتح الإسكندرية، أمر بنزع «فسطاطه» أي خيمته، فإذا بداخلها يمامة قد أفرخت، فلما عاد من الإسكندرية سألوه أين تنزل، فقال: «الفسطاط»، فعرفت تلك المدينة بهذا الاسم.

تعرضت الفسطاط للحريق، حين جاء أموري ملك الصليبيين إلى مصر، وقام شاور بن مجير السعدي، بإحراق الفسطاط سنة 564م، وكما يقول المقريزي عن تلك الحادثة: «فقد أرسل شاور عشرين ألف قارورة نفط، وعشرة آلاف مشعل نار، فرق ذلك فيها، فارتفع لهب النار ودخان الحريق إلى السماء، فصار منظراً مهولاً، واستمرت النار تأتي على مساكن مصر لتمام أربعة وخمسين يوماً».

ولما رحل أموري عن مصر، أخذ الناس يعودون إلى الفسطاط ويصلحون ما تلف منها، خاصة الجزء الغربي، الذي يقع ما بين جامع عمرو بن العاص، وشاطئ النيل.
وكانت الفسطاط مقسمة إلى أماكن، خاصة بالقبائل التي كانت تسكنها، حيث أخذت كل قبيلة في بناء مساكنها، وكان لكل قبيلة مسجدها الذي تصلي فيه الصلوات الخمس، أما جامع عمرو بن العاص، فكان مخصصاً لصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، كما كان مقراً للوالي الذي يجتمع فيه مع قواده، وتقام فيه المحاكمات للفصل بين الرعية، كما كانت تقام فيه دروس العلم.

ويسمى جامع عمرو، «تاج الجوامع»، أو «المسجد العتيق»، وهو أول مسجد أنشئ في مصر، وبلغت مساحته وقت بنائه 50 ذراعاً في 30 ذراعاً وغطيت أرضه بالحصى، وكان سقفه من الجريد محملاً على دعامات من جذوع النخل، وكان له ستة أبواب، وكان هذا هو البناء الأول للمسجد، ثم أعيد تخطيطه وبناؤه مرة أخرى، إلى أن وصل إلى شكله الحالي، ومن أهم التعديلات التي دخلت عليه ما قام به «قرة بن شريك»، والي مصر، في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام 93 هجرية، فقد قام بهدمه وزاد مساحته، وأنشأ بداخله محراباً ومنبراً خشبياً ومقصورة، وأصبح له أربعة أبواب، في كل من الجهتين الشرقية والغربية، وثلاثة أبواب في الجهة البحرية، وأصبحت مساحته 112 متراً في 120 متراً، بعد ما أضاف إليه عبد الله بن طاهر والي مصر في عهد الخليفة العباسي المأمون، الذي استكمل زخرفته، وفي عهد الخليفة المستنصر الفاطمي، تمت كسوته بالرخام، وزادت أعمدته إلى أربعمئة عمود رخامي، وغطي المحراب بألواح الرخام الأبيض، وكتبت عليه آيات من القرآن الكريم، بخطوط مختلفة.

بناء طيني

كانت مباني مدينة الفسطاط، في مرحلتها الأولى مبنية بالطين، وبنيت على طابق واحد، ثم أخذت العمارة تتطور وفقاً لتطور الزمن، فبنيت المباني من حجر الآجر «الطوب المحروق»، وطليت بالجير.
وتوسع المصريون في البناء حيث كانت هذه الدور تضم أفنية واسعة تتوسطها فسقيات تصل إليها المياه، وتحيط بها أروقة وقاعات وغرف بعضها للسكنى وبعضها لاستقبال الضيوف وبجوارها أحواض للزهور، وتحيطها الأشجار من كل جانب.
ويؤكد د. عبدالمنعم الجميعي، أستاذ التاريخ بجامعة الفيوم، على أن الصحابة الذين جاؤوا إلى مصر بنوا قصوراً ودوراً داخل الفسطاط، فقد كانت هناك دار عمرو بن العاص الكبرى، وتقع في شرق جامع عمرو، ودار الزبير بن العوام، وبنى عبدالله بن أبي سرح قصراً، كما أمر مروان بن الحكم ببناء الدار البيضاء، التي سكنها أثناء إقامته في مصر، كذلك أمر عبدالعزيز بن مروان، ببناء الدار الذهبية سنة 67 هجرية، غرب المسجد.
ويضيف: كانت الفسطاط مركزاً اقتصادياً عظيماً، وسوقاً تجارياً كبيراً، وظلت محتفظة بمكانتها الاقتصادية، حتى بعد إنشاء مدينتي العسكر والقطائع، وذلك لكثرة مداخلها المتصلة بباقي مدن البلاد، ولقربها من النيل.

مشاريع ثقافية

كان يمر بالمدينة، خليج «أمير المؤمنين»، الذي تم حفره بأمرمن عمر بن الخطاب، وقد أقيم عليه - في فترات تالية لحفره - كثير من القناطر.
وفي الفترة الأخيرة حاولت الحكومة المصرية إحياء الدور التراثي للمدينة، بإقامة عدة مشاريع ثقافية مهمة، منها إنشاء «مركز الخزف»، ومركز «الحرف التقليدية»، كما تم إنشاء مبنى جديد لدار الوثائق المصرية، بدعم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، الذي قام المبنى على نفقة سموه.
كما أقيمت في المدينة ورش لإحياء الحرف التقليدية في مدينة الحرفيين، كما تم تجديد بعض الأماكن الأثرية بها، ويأتي ذلك في إطار إحياء الدور التراثي والحضاري والصناعي للمدينة التي امتلأت طوال عصورها بالمصانع من كل نوع، خاصة صناعة المنسوجات، والمصنوعات المعدنية والخشبية والعاجية، والأواني الزجاجية والخزفية والأدوات المنزلية، ويوجد في المتحف الإسلامي بالقاهرة، مجموعة من المصنوعات التي كانت تنتجها المدينة.