رشحت من الآن بعض معالم الخطوط الكبرى لمقترح التعديلات التي ستتقدم بها الأحزاب السياسية إلى لجنة مراجعة الدستور، والتي بدأت منذ بداية الأسبوع الجاري في عقد جلسات استماع مع الأحزاب وفق جدول زمني حدد ب45 دقيقة لعرض تصور الحزب، و45 دقيقة لمناقشة العرض والمقترحات الواردة فيه، ومن المتوقع أن يكون الخامس من إبريل/نيسان، آخر موعد للاستماع إلى عروض الأحزاب والنقابات من قبل لجنة المراجعة والآلية المنبثقة عنها .

في سياق التقييم، اعتبر أحد وجوه قيادة الاتحاد الاشتراكي، أن اللجنة والآلية المنبثقة عنها، تعمل بشكل صحيح، وأن هذا من شأنه أن يسرع من عملها، ويجعلها كلجنة تقنية تنتقل من الاستماع إلى الصياغة .

وأكد أن الأحزاب الكبرى في البلاد لن تجد صعوبة في صياغة مقترحاتها، بفضل الخبرات الطويلة التي راكمتها، وكون التعديلات المطروحة سبق أن شكلت ضلعاً جوهرياً في البرامج السياسية لهذه الأحزاب . إلى ذلك تجد الأحزاب الصغيرة، أو تلك التي تؤثث مشهد التعددية العددية نفسها في وضع صعب، بسبب كون التعديلات الدستورية لم تكن في يوم من الأيام الأساس الذي قامت عليه، أو دخل ضمن مطالبها السياسية، ولذلك بادرت إلى الاستعانة بعدد من الخبراء على رأسهم أساتذة القانون الدستوري في الجامعات المغربية، في شبه سوق للخبرات، معدوم من أي خلفية سياسية .

ويجري داخل الاتحاد الاشتراكي نقاش عميق حول عدد من الفصول التي أثارت في السابق جدلاً كبيراً ومن بين هذه الفصول الفصل 19 من الدستور، والذي حسب مشروع الوثيقة التي يعدها الحزب تذهب في اتجاه تقسيمه إلى قسمين، القسم الأول ينص على أن الملك أمير المؤمنين مكلف بالحق الديني، على أن يتضمن القسم الثاني تنصيصاً على أن الملك هو رئيس الدولة العصرية، مع الاحتفاظ للملك بسلطته على القوات المسلحة . والفلسفة الدستورية من وراء ذلك، عدم جعل إمارة المؤمنين سلطة فوق كل السلطات، وجعل قراراتها قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية .

ويقترح مشروع الاتحاد الاشتراكي تعريفاً للملكية، بالتنصيص على اعتبارها ملكية برلمانية . في حين أن حزب العدالة والتنمية يذهب في أحد مقترحاته إلى عدم إتاحة صلاحيات التشريع للملك، والتنصيص على أن ذلك من صلاحيات البرلمان والحكومة .

يمين متقدم الطروحات

لكن المفاجئ ، حقاً، في بعض الطروحات الحزبية بصدد الدستور الجديد، هو الموقف الذي رشح عن حزب الحركة الشعبية، المشارك في الحكومة، والذي تصنفه الأدبيات السياسية ضمن الأحزاب الإدارية، لكنه بفضل مؤسسه المحجوبي أحرضان، وخلفه امحند العنصر استطاع دائماً أن يفلت من هذا التصنيف، الذي كانت تمليه حسابات سياسية أكثر من أي شيء آخر . وتميز هذا الحزب الذي يعتبر من أحزاب الحركة الوطنية، الذي رافق المغرب منذ استقلاله إلى الآن، بكونه يستمد شرعيته من القدامة التاريخية، فهو ليس حزباً جديداً، ولم يولد بملعقة من ذهب في الفم، ولم تصنعه السلطة، كما صنعت حزب جبهة الدفاع عن الحريات الفيديك، الذي أسسه الراحل رضا كديرة مستشار الملك الراحل الحسن الثاني، بل إنه اضطر إلى أن يخوض حرباً ضروساً ضد هيمنة حزب الاستقلال، الذي كان يعتبر نفسه الوريث الشرعي والوحيد للحركة الوطنية، وهو ما منح حزب الحركة الشعبية وضعاً خاصاً، والذي كان مؤسسه المحجوبي أحرضان خريج المدرسة العسكرية الفرنسية في الأربعينات من القرن الماضي رجلاً قوياً وأحد الوجوه البارزة في جيش التحرير، بل إنه أحد الوجوه السياسية المثيرة للجدل في الحياة السياسية الراهنة، حتى وهو قد شارف على التسعينات من العمر .

غير أنه يجب تسجيل ملاحظة جوهرية، هي أنه مهما كانت حماسة هذا الحزب وغيره من الأحزاب المحسوبة على اليمين، للتعديلات الدستورية، فإن هذه الحماسة تخفت أو تغيب كلما وصل الحديث إلى فتح الباب لمناقشة الفصل 19 من الدستور، الذي يحدد اختصاصات الملك .

ولكن من المثير أن تكون المطالب التي يرفعها حزب الحركة الشعبية، المعروف بكونه حزب الوبر، بسبب سيطرته على البادية المغربية في الاستحقاقات البادية، وكونه أيضاً خزاناً مهماً لأعيان البلاد وتجارها وملاكها الكبار، أن تكون عالية السقف، ولا تقل أهمية على المقترحات التي ترفعها أحزاب الكتلة الديمقراطية وأحزاب اليسار .

وهذا ما جعل أمينه العام الحالي امحند العنصر يصرح بأن التعديلات المطلوبة ليست روتوشات للدستور الحالي، وإنما نحن مقبلون على تغييرات عميقة، وأنا شخصياً، أرى أننا بصدد بناء دستور جديد سيحكم الحياة العامة في المغرب في السنوات المقبلة .

ولم يتورع العنصر في القول إنه ليس لكل الأحزاب الموجودة في الساحة السياسية في المغرب إمكانية صياغة الدستور وفق تصوراتها، لأن هذا التعديل الدستوري سيحكم الجميع، سواء من أيده أو من اعترض عليه، لهذا فالأحزاب السياسية، كما يقول، لا يمكن لها أن تقدم مشروعاً متكاملاً في ظرف أسبوع بل المطلوب ليس صياغة تعديلات لكل حزب، وإنما الإدلاء بمقترحات حول عدد من القضايا الدستورية، التي يجب أن تغير أو أن تضاف، وأما الصياغة المهنية فموكولة للجنة، التي لها ثلاثة أشهر قبل أن ترفع تقريرها النهائي . وطالب العنصر بمنح الأحزاب مزيداً من الوقت حتى تتمكن من تقديم تعديلات متناسقة وتعبر عن جوهر تصورها للدستور الجديد .

حالة الاتحاد الدستوري

حزب آخر، هو حزب الاتحاد الدستوري، الذي يصنف بدوره ضمن ما يعرف باليمين الإداري، يشتغل الآن على تصور الدستور الجديد . وهذا الحزب الذي ولد في سنة،1983 وقدم على أساس كونه يمثل الاتجاه الليبرالي في الحياة السياسية المغربية، وارتبط هو بدوره بأحد أهم النقابيين المغاربة، يتعلق الأمر بمؤسسه الراحل المعطي بوعبيد، المنحدر من أصول نخبة الحركة الوطنية المغربية، الذي ضم في بداية إنشاء الحزب، النخبة الليبرالية المغربية، وكانت رغبة الملك الراحل الحسن الثاني خلق حزب ليبرالي مغربي يكون قاطرة النخب الجديدة، المنفتحة على قيم الحداثة والمبادرة الحرة ضد التيارات السياسية اليسارية التي كانت تنطلق في فلسفتها من الطروحات اليسارية في المعسكر الشرقي آنذاك .

وكان الحزب مع الراحل المعطي بوعبيد بالفعل، مشتلاً للنخب الليبرالية واستطاع أن يضم إليه أطيافاً من البورجوازية المغربية ومن رجال المال والأعمال، لكن دوره سيتراجع بسبب أزمة في قياداته بعد رحيل مؤسسه، ما جعله أداة طيعة في يد وزارة الداخلية في عهد إدريس البصري، وأدى ذلك إلى هجرات عكسية للنخب المثقفة التي التحقت به، بعد أن تبين لها أن الليبرالية ليست إلا مجرد شعار جرى تفريغه ، حتى وإن كانت أدبيات الحزب على المستوى النظري، في غاية الروعة والجمال، لكن قبضة الداخلية على الأحزاب لم يكن السهل الإفلات منها .

فما هي أهم الخطوط العريضة التي يقوم عليها تصور الاتحاد الدستوري للإصلاح الدستوري؟ مع العلم أن قيادته ظلت تردد منذ سنوات أنها تملك تصوراً متكاملاً لمشكلات المغرب من التشغيل والبطالة إلى التعديلات الدستورية، وتؤكد أن النموذج الليبرالي هو النموذج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الأصلح للمغرب .

الحبيب الدقاق عضو المكتب السياسي للاتحاد الدستوري عرض، نهاية الأسبوع الماضي، أمام اللجنة التنفيذية للحزب عمل اللجنة التي عينها الحزب على إعداد مشروع مذكرة حول التعديلات الدستورية . وذكر الدقاق بأهم مرتكزات الخطاب الملكي وتتعلق بالثوابت والمقدسات التي تشكل إجماعاً وطنياً وهي الدين الإسلامي وإمارة المؤمنين والنظام الملكي، ثم الوحدة الترابية مع إضافة الخيار الديمقراطي . معتبراً أن المرتكزات السبعة التي تضمنها الخطاب الملكي كمداخل أساسية لإجراء تعديل دستوري شامل من خلال تكريس الدستور للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة ومنها الأمازيغية، وترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجال الحريات الفردية، والارتقاء بمؤسسة القضاء واستقلاله، وتوطيد مبدأ فصل السلط وتوزانها، وتعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين بتقوية دور الأحزاب، وتقوية آليات تخليق الحياة العامة، ثم دسترة هيئات الحكامة الجيدة وحقوق الإنسان وحماية الحريات .

الحذر واليقظة

يؤكد الحزب في النقاش حول الجهوية الموسعة أن الاتحاد الدستوري أول حزب آمن بطرح هذا الخيار والدفاع عنه بكافة الوسائل السياسية والعلمية والمبدئية . وسينتقل المغرب من الجهوية الموسعة إلى الجهوية المؤسسة، حيث ستنتخب المجالس الجهوية بشكل ديمقراطي، يكون فيها للرئيس المنتخب صلاحيات تنفيذية إضافة إلى كونه آمراً بالصرف، هذا بالإضافة إلى تعزيز مجالس الجهات والأقاليم والعمالات بمنظومة قانونية حسب التعديلات الدستورية .

وكان محمد أبيض الأمين العام للحزب أكد أن الإصلاح الدستوري ليس إجراء يقرر على عجل أو تحت الطلب، أو استجابة لضغط من الضغوط ولكنه يأتي كنتيجة طبيعية لمسلسل مستمر في الزمن ينتهي إليها مجتمع من المجتمعات حينما تنضج ظروف الإصلاح ومقوماته . وتأتي هذه الخطوة - يضيف الأمين العام للحزب- بعدما أصبح المغرب قادراً على استيعاب إصلاحات دستورية عميقة وشاملة، وبعدما أرسى مختلف دعائم المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي يستشرف مستقبلاً أكثر ديمقراطية وكرامة وعدالة، وقد تأكد ذلك من خلال التوجه الديمقراطي، ووضع جهوية موسعة، وخلق هيئة للإنصاف والمصالحة، ثم تقرير الخمسينية .

وأكد أبيض أننا كليبراليين نؤمن بأن الإصلاح والتغيير وإعادة النظر باستمرار في أوضاعنا وأحوالنا هو السبيل الوحيد إلى تحقيق التطور والتقدم، ودعا إلى تحديد كيفية الانخراط والتعامل مع هذه الدينامية الجديدة، وربما لأول مرة يتحدث الحزب بوضوح عن حقل المغاربة في اتخاذ القرار السياسي والاجتماعي والثقافي، محلياً وجهوياً ووطنياً، وتوفير الحظوظ والفرص بكامل التساوي والتكافؤ للجميع .

وفي صدد تصوره لما يجري في العالم العربي أكد أبيض ضرورة الحذر واليقظة، وقال في سياق تحليله الأحداث الجارية في العالم العربي، وردود فعل الغرب تجاه ما يجري تؤكد في اعتقادنا، من جهة، أن الديمقراطية والحقوق والحريات ليست كما يعتقد البعض، صناعة غربية محضة ( Made in Europe) كما أنها ليست بضاعة قابلة بالضرورة للتصدير، في شكل لباس جاهز ولكنها ورش إنسانية مشتركة تنبثق عن إرادة مشتركة لأفراد الشعب وتوافقهم حول قواعد محددة . لذلك فشلت أوروبا وغيرها في جميع المجالات التي حاولت من خلالها زرع الديمقراطية في جسم العالم العربي . كما أن هذه الأحداث تؤكد من جهة أخرى أن الإصلاحات السياسية والدستورية عمل يتطلب تهييئاً طويلاً، وأن عملية الإصلاح تشبه إلى حد بعيد عملية الزراعة في المجال الفلاحي، فلا بد أن تتم في وقتها المناسب، ووفق الظروف المهيأة لها فإذا هي أتت قبل وقتها فإنها لا تنتج النفع المرجو منها، وإذا هي جاءت بعد وقتها، فسيكون أوانها قد فات . لذلك فنحن نتتبع باهتمام كبير مجريات الأحداث في عالمنا العربي، ونتمنى أن يتم التغيير والإصلاح في أجواء من التعقل والحرص على احترام حرية التعبير وصيانة الحق في الحياة .

وربما توضح هذه الفقرة المجتزأة من خطاب الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، كيف تفكر أحزاب اليمين في المغرب فيما يجري، دون أن تنفصل عن ترديد المقولة التي يروجها النظام العربي نفسه، من أن ما يحدث هو مؤامرة خارجية وليس استجابة ملحة لحاجات داخلية، وكأن من يتظاهر اليوم، في الشارع العربي هي كم من كائنات أخرى جاءت من الفضاء، على حد تعبير أحد المتابعين للشأن السياسي المغربي، الذي يرى في كون المغرب، حتى وإن كان يعيش تعددية حزبية ، فهي لا تعدو أن تكون مجرد تعددية عددية لا غير .