في حياة كل منا مشاهد محفورة في الذاكرة وأخرى مازالت حية لفقراء أضنتهم قلة الحيلة وضيق سبل العيش، فاضطروا إلى البحث عن مخرج يسد رمقهم ويجنبهم شر الحاجة وذل السؤال، وقد يكون المخرج عند البعض قاسيا على النفوس، كأن ترى أحدهم وهو يبحث عما يقيم أوده من بين فضلات الآخرين وما يلقون به في صناديق القمامة، أو أن يبحث عن بقايا أشياء ملقاة هنا وهناك ويقوم بجمعها وبيعها مقابل الحصول على مبلغ زهيد من المال يعينه على قسوة الحياة، ومثل هذه المشاهد قد تهز مشاعر البعض بقوة بل وتترك في نفس من يشاهدها الكثير من الألم النفسي الذي يدفعه دوما إلى العطف على الفقراء ومساعدة المساكين والانحياز لضعفهم والدفاع عن حقهم في الحصول على ما يعينهم، ولكنها على النقيض لا تحرك ساكنا في نفوس البعض الآخر، وهذا هو أصل المشكلة.

لقد عني الإسلام كثيرا بالفقراء وجعل لهم الحق في أموال الأغنياء وشدد على ضرورة التعاون والتكافل بين أطراف المجتمع ووضع منظومة من القيم والأخلاق التى تؤسس لنظام اجتماعي متوازن، باعتبار أن الآثار السلبية الناتجة عن تفاقم المشكلة تتجاوز حدود أصحابها بل وقد تهدد أمن المجتمع ككل، وكانت الزكاة هي أحد الحلول الناجعة للتغلب على الفقر والقضاء على تلك النزعات التي تسيطر أحيانا على النفس البشرية فتجعلها تنساق وراء حب المال واكتنازه دون التفات لحاجة مسكين أو عوز فقير، والزكاة باعتبارها أحد أركان الإسلام فإن التقاعس عن إخراجها يعنى مباشرة عصيان أوامره عز وجل، يقول تعالى في سورة البقرة وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، وفي سورة البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة.

مشكلة الفقر في المجتمعات الإسلامية أصبحت بمثابة ناقوس خطر تدق أجراسه لعل الغافل يفيق، ومشاهد الفقر التى تبثها يوميا وسائل الإعلام تبرهن على مدى ما وصلت إليه الأمور من سوء، والغريب في الأمر أن هناك الكثير ممن لا يعيرون أدنى اهتمام لهذا الوضع الذي يعيشه بعض المسلمين ماداموا هم في أمان وبمنأى عن أي أزمة، وليس ذلك فحسب بل إن البعض يتمادى في هذا التجاهل إلى حد عدم إخراج الزكاة بالقدر الذي حدده الله سبحانه وتعالى على الرغم من أنهم يمتلكون الكثير من الأموال، وهؤلاء يتوعدهم عز وجل في كتابه العزيز بعذاب أليم.. يقول تعالى في سورة التوبة والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون.

وفي المعنى نفسه أيضا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار ومن هنا نستطيع القول إن الزكاة إذا ما أخرجت على الوجه الأمثل وعرف كل فرد حقوق الله سبحانه وتعالى في ماله لما رأينا فقيرا لا يجد قوت يومه ولا محتاجا وقف عاجزا أمام حاجته.

وفي السياق نفسه فان الصدقات أيضا وان كانت تؤدى تقربا إلى الله سبحانه وتعالى، فإنها تسهم كثيرا في النهوض بالفئات الضعيفة والمحرومة، وتجعل لها مخرجا يجنبها مذلة السؤال، ناهيك عن أنها تعود على منفقها بالخير والثواب من عند الله في الدنيا والآخرة.

إن التعاطف مع الفقراء والشعور بمعاناتهم هو أمر يعبر عن نفس بشرية سوية تنبض بالرحمة والشفقة والإيثار والعطاء، ومثل هؤلاء هم رمانة ميزان أي مجتمع، وبالتالي فان جهودهم تحفظ الحدود الدنيا التى تجعل حياة البسطاء معقولة، وعلى نقيضهم تقف الأطراف الأخرى التي لا تنظر إلا الى مصلحتها الشخصية فقط، وهؤلاء تؤدى سلوكياتهم إلى تهديد الأمان الاجتماعي.