أكد الفقيه الأزهري د . نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء، أن المستقبل للمنهج الاقتصادي الإسلامي باعتباره الملاذ الآمن للشعوب العربية والإسلامية وذلك لقدرته على مواجهة كل صور الفساد الاقتصادي التي يعانيها الكثير من مجتمعات المسلمين . . مثمناً اهتمام دولة الإمارات بالاقتصاد الإسلامي والتحول السريع نحو المعاملات الإسلامية التي تحقق مكاسب كثيرة ومتنوعة وهي محل ثقة المسلمين .
وطالب د . واصل المؤسسات الاقتصادية في عالمنا العربي والإسلامي باتخاذ قرارات جريئة بالتحول نحو المعاملات الإسلامية كما فعل العديد من بنوك دولة الإمارات؛ مؤكداً أن منهج الإسلام الاقتصادي يحمل الخير لكل المسلمين من أثرياء وفقراء، حيث يوفر الأمان والاستقرار لأصحاب الأموال والاستثمارات ويحقق التكافل الاجتماعي والإنساني للفقراء وأصحاب الحاجات ويتعامل بواقعية مع مشكلات الفقر والبطالة، وفي الوقت نفسه يقدم حوافز اقتصادية حقيقية لكل من يريد أن يستثمر أمواله بطريق حلال .
وطالب مفتي مصر الأسبق بضرورة تطبيق العقوبات التي قررتها الشريعة الإسلامية على "لصوص المال العام"، مؤكداً أن ضعف الوازع الديني والأخلاقي وضعف العقوبات أغرى ضعاف النفوس بالاستهانة بالمال العام وإهداره والعدوان عليه .
وفيما يلي نص حوار "الخليج" .
* كيف تنظرون إلى حركة تحول العديد من البنوك التقليدية في عالمنا العربي إلى المعاملات الإسلامية؟
- تحول العديد من البنوك والمصارف من الصيرفة التقليدية إلى الصيرفة الإسلامية خطوة مهمة للغاية تؤكد الرغبة الصادقة في تطبيق منهج الاقتصاد الإسلامي، وهو منهج يحمل الخير للبنوك ولأصحاب الأموال من المودعين والمستثمرين .
وهذا التحول لم يكن مقتصراً على بنوك بعض الدول العربية بل كان ظاهرة في العديد من الدول الإسلامية وغير الإسلامية مثل ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة وغيرها من الدول التي أدركت قيمة المعاملات الإسلامية واتجهت إليها من دون التفات لسماسرة الربا الذين يثيرون الشبهات حول البنوك الإسلامية ومعاملاتها .

تحول محمود

* كيف تنظر إلى حركة التحول نحو الصيرفة الإسلامية في دولة الإمارات العربية المتحدة؟
- الإمارات دولة "راعية للاقتصاد الإسلامي"، وقد شهدت أرضها ميلاد أول بنك إسلامي بالمعنى الحقيقي للبنك، وهو بنك دبى الإسلامي، وقيادتها مؤمنة برسالة الاقتصاد الإسلامي، وهذا أمر مهم، لأن الإيمان بالفكرة ودعمها يحقق لها النجاح . . وهذا ما حدث في دبي، صاحبة المبادرة والريادة في التطبيق العملي للاقتصاد الإسلامي، وقد شهدت مع شقيقاتها من إمارات الدولة أكبر عملية تحول من الصيرفة التقليدية إلى الصيرفة الإسلامية . وهي بفضل نجاحاتها الاقتصادية محل ثقة المستثمرين العرب والمسلمين لما توفره من أمان لاستثماراتهم وصاحبة ريادة في تطبيق التكافل الاجتماعى وفقاً لما أمر به الإسلام لإغاثة المنكوبين وتقديم الدعم الخيري للفقراء والمحتاجين . . وكل هذا يجعلها بيئة صحية للتطبيق العملي للاقتصاد الإسلامي .
* كيف تنظرون في الأزهر إلى هذا الاهتمام المتزايد بالاقتصاد الإسلامي في العديد من الدول؟ وما واجب علماء الشريعة وأساتذة الاقتصاد الإسلامي في استثمار هذا الاهتمام لنشر الفكر والمنهج الاقتصادي الإسلامي؟
- الأزهر كمؤسسة إسلامية كبرى يساند ويدعم ويشجع كل توجه إسلامي صادق سواء في مجال الاقتصاد أو غيره، وهو يحث المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الارتباط بالإسلام فكراً وثقافة وسلوكاً وأسلوب حياة لأن في ذلك عزتهم واستقرارهم .
ونحن كعلماء شريعة نرحب بالتوجه الاقتصادي الإسلامي لأي دولة، ونؤكد دعمنا لكل المؤسسات والهيئات والبنوك الاقتصادية الإسلامية ونحث كل الدول على أن تتجه نحو المنهج الاقتصادي الإسلامي . كما نواجه بشجاعة "سماسرة الربا" الذين يبذلون كل جهودهم لكي نستمر أسرى أنظمة اقتصادية بالية جلبت الخراب الاقتصادي لمجتمعاتنا .
إننا نؤمن بأن الإسلام يحمل حلولاً لكل مشكلاتنا، وفق منهجه القويم الذي يحقق الاستقرار الاقتصادي كما يحقق العدالة الاجتماعية بين كل فئات المجتمع .
وأنا دائماً أؤكد أن المنهج الاقتصادي الإسلامي هو الملاذ الآمن لاقتصادات الدول العربية والإسلامية، ولذلك يجب أن يعطى الفرصة كاملة لضبط معاملات المسلمين وحل مشكلات المجتمعات الإسلامية .

مزايا الاقتصاد الإسلامي

* ما أهم مكاسب تطبيق المنهج الاقتصادي الإسلامي؟
- منهج الإسلام الاقتصادي مكاسبه عديدة لكل من يتعامل به من أفراد وشركات ومؤسسات اقتصادية، وهو قادر على جمع شتات المسلمين اقتصادياً، وقادر على تحفيز قيم الإنتاج وترشيد الاستهلاك، وقادر على مواجهة جميع أساليب الفساد الاقتصادي التي استشرت في كثير من بلادنا العربية والإسلامية، وقادر على إيجاد حلول عملية لمشكلات الفقراء والعاطلين . . كما يوفر فرصة كبيرة لتحقيق حلم التعاون والتضامن والوحدة الاقتصادية بين المسلمين فهذا النظام الاقتصادي الإسلامي يحمل أوامر ربانية وقيماً أخلاقية نادراً ما تجدها حاكمة لأى نشاط اقتصادي وهذا جانب مهم للغاية خاصة ونحن نحتاج إلى تعزيز التضامن الاقتصادي وإقامة مشروعات ذات أهداف حيوية في كل ديار المسلمين ولا شك أن المطلوب لتحقيق الأمن الاقتصادي للمسلمين هو زيادة جرعات التعاون الاقتصادي والتقني إلى جانب ترسيخ التضامن الإسلامي في كل النواحي حتى تتحقق الاستقلالية الاقتصادية للأمة الإسلامية . . وما يبشر بالخير هنا أن بلدان العالم الإسلامي تمتلك كل ما يلزم لدفع مسيرة التقدم والنهضة وتحقيق التكامل الاقتصادي .
إن أهم ما يتطلع إليه المسلم من وراء تطبيق الفكر الاقتصادي الإسلامي هو التخلص من كل المعاملات المحرمة والتي جلبت الخراب الاقتصادي لمجتمعاتنا وأهدرت ثرواتنا في مجالات استثمار محرمة أو مشبوهة . . أيضاً يتطلع المسلمون إلى تحقيق التكافل الاجتماعى والإنسانى فيما بينهم، فهناك طبقية داخل المجتمعات الإسلامية لا يقرها دين ولا عرف، هناك أثرياء يعانون التخمة المادية ويتعاملون مع ما تحت أياديهم من أموال بسفاهة، وهناك فقراء لا يجدون قوت يومهم، وفى ظل سيادة منهج الإسلام الاقتصادي يكون هؤلاء الأثرياء مسؤولين عن كفالة هؤلاء الفقراء المعدمين، إذن فحل مشكلات الفقراء والعاطلين وأصحاب الحاجات من الأهداف الأساسية للاقتصاد الإسلامي .
والاقتصاد الإسلامي "اقتصاد أخلاقي" يستهدف أولاً وأخيراً مصلحة الإنسان، وبما أن نسبة الفقر والجهل والمرض مرتفعة في معظم بلاد المسلمين فالمرجو من النظام الاقتصادي الإسلامي التعامل بواقعيته ومثاليته مع هذه المشكلات والأمراض الاجتماعية من فقر وبطالة وجهل وعدم قدرة على الزواج، وباختصار فإن شريعتنا تنشر المعاملات الصادقة وتوفر الحماية للمال العام .

نجاح يزعج البعض

* ماذا تقولون للمشككين في معاملات البنوك الإسلامية الذين لا يتوقفون عن نقدها وتوجيه الاتهامات إليها؟
- البنوك والمؤسسات الاقتصادية الإسلامية ليست فوق النقد، وهي في حاجة إلى تقويم ونقد موضوعي مستمر من علماء الشريعة وخبراء الاقتصاد المخلصين لكي تصحح مسيرتها وتتفادى الأخطاء والتجاوزات - إن وجدت - لكن لا يعني هذا أن يشغل القائمون على هذه البنوك أنفسهم ب"سماسرة الربا" الذين لا هم لهم إلا هدم المؤسسات الاقتصادية الإسلامية .
وهؤلاء يجب أن تخفت أصواتهم أمام نجاحات البنوك الإسلامية وهي نجاحات كبيرة وشهد بها العديد من رجال الاقتصاد الموضوعيين في العالم . . كما أنها في تقدم وتطور مستمر وتتضاعف ثقة المسلمين بها يوما بعد يوم، وإذا كان نجاح المصارف الإسلامية يزعج البعض فلا ينبغي أن نلتفت إلى هؤلاء وينبغي أن ترد البنوك والمصارف الإسلامية على ما يرددون من شائعات وأكاذيب، لأن السكوت عن أكاذيبهم يساعد على نشرها وتصديق البعض لها .
وهنا ننبه القائمين على البنوك الإسلامية إلى أن التصدي للشائعات المغرضة التي تستهدف هذه البنوك ليس بإعلان الحقائق المتعلقة بها فحسب، ولكن بالعمل الجاد والمخلص لتطوير الأداء، وبذل كل جهد لدعم جدار الثقة في البنوك الإسلامية .
ولذلك أطالب القائمين على البنوك الإسلامية بالتدقيق التام في كل معاملاتها وتدريب العاملين فيها على كيفية تطبيق ضوابط الشريعة الإسلامية في كل المعاملات سواء في العقود أو البيع أو الاستثمار وكل المعاملات الأخرى . . كما أطالب الجماهير المسلمة في كل مكان بدعم البنوك الإسلامية عن طريق التعامل معها وتفضيلها على غيرها باعتبارها تطبق قيم وضوابط وأخلاقيات الإسلام .

رسالة الأزهر

* البعض يرى أن الأزهر- باعتباره قلعة الإسلام ومدرسة الوسطية والاعتدال - لا يقوم بجهد واضح في مواجهة المعاملات الربوية التي لا تزال منتشرة في عالمنا العربي والإسلامي . . باعتباركم عضواً بارزاً بمجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء بالأزهر لماذا لا يقوم الأزهر بحملات توعية لنشر الفكر والمنهج الاقتصادي الإسلامي ومواجهة كل المعاملات المحرمة شرعا؟
- ومن قال لك إن الأزهر لا يقوم بذلك؟ الأزهر- كما قلت لك- يساند ويدعم كل توجه إسلامي معتدل في مجال الاقتصاد، ولا يملك الأزهر سوى الكلمة الصادقة والنصيحة المخلصة، وتوضيح الموقف الشرعي الصحيح، وما يصدر عن الأزهر من فتاوى أو آراء لا يستطيع أن يلزم بها أي جهة اقتصادية أو غير اقتصادية . . لكن واجب المسلمين داخل مصر وخارجها الاستماع إلى الأزهر والعمل بتوجيهاته، وينبغي أن يعلم الجميع أن الأزهر كمؤسسة إسلامية واجبها مساندة ودعم كل ما هو إسلامي في التربية والتعليم والاقتصاد وفى كل مجالات الحياة .
ونحن دائماً نحث المسلمين في كل بقاع الأرض على الارتباط بمنهجهم الإسلامي في الاقتصاد وهو منهج شامل ومتكامل، وهو وحده القادر على تحقيق العدالة الاجتماعية وعلاج مشكلات الفقر والبطالة التي تعانيها معظم المجتمعات العربية والإسلامية، وهو القادر على المواجهة الحاسمة لكل مظاهر الفساد الاقتصادي المتفشية في مجتمعات المسلمين مثل الرشوة والغش التجاري وغسيل الأموال واستباحة المال العام وغير ذلك . . وأنا على يقين كامل بأن الاقتصاد الإسلامي يحمل الخير كل الخير للشعوب الإسلامية بل ويحمل الخير والاستقرار للبشرية جمعاء، والالتزام بأخلاقياته يحمي اقتصاد العالم من الأزمات والكوارث التي مر بها خلال العقود الماضية .