عدد غير قليل من الفنانين والمطربين اقتحموا مجال الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في ظل ازدهار واضح لصناعة الدراما في مصر في السنوات الأخيرة، وتقدم محدود في صناعة السينما، منهم أحمد رزق ومصطفى قمر وكريم ومحمد محمود عبد العزيز وهند صبري ومحمد الشقنقيري وأحمد حلمي وبشرى وإلهام شاهين ورامي إمام وغيرهم.. حاولنا الوقوف على رأي بعض المهتمين وصناع السينما عن هذه الظاهرة ومدى تأثيرها بالإيجاب أو السلب على تطور الحركة الفنية، في الدراما والسينما، ورأي كبار المنتجين في «الشركاء» الجدد في الإنتاج، وذلك في التحقيق التالي.
المنتج جمال العدل بدأ الحديث قائلاً: الفنانون جزء من المهنة، واتجاه بعضهم للإنتاج شيء طبيعي، كان يحدث على نطاق محدود، ومنذ سنوات طويلة، بل لعقود، وقدم بعضهم أفلاماً من إنتاجه، أصبحت من علامات السينما المصرية.. الفنانون إذا دخلوا مجال الإنتاج أهلاً وسهلاً بهم، والساحة تتسع للجميع، المهم هو جودة المنتج الذي يقدمونه، لأن الجمهور لا يتسامح أبداً، بالذات في مجال الإنتاج السينمائي، والوضع في السينما حالياً يتحسن للأفضل، بعد انتهاء احتكار الثلاثي للتوزيع، وباتت الأفلام تجد فرصتها في دور العرض، دون التعرض لمحاولة إفشالها عمداً، كما كان يحدث أحياناً سابقاً، الإنتاج ليس حكراً على أحد، وأي فنان قادر على الإنتاج وله علاقات تسمح بتسويق أعماله، بشكل جيد فلم لا؟ وجودهم جيد ومطلوب، طالما كانت الخطوات محسوبة، وعندهم نظرة واقعية للطبيعة الخاصة للمنتج الفني، لأنه ترفيه وثقافة قبل أن يكون تجارة.
المنتج ريمون مقار قال: وجود الفنانين كمنتجين، لن يؤثر بالسلب على شركات الإنتاج الكبرى، لأنهم في الغالب يركزون على إنتاج عمل واحد في كل مرة، بينما الشركات الكبرى تقوم بإنتاج أكثر من عمل في الوقت نفسه وربما في أكثر من مجال، وما أريد قوله إن لقب منتج ليس رفاهية، لأن الإنتاج مهنة لها أصول وقواعد والبحث عن الربح السريع مادياً هو بداية الخسارة، الفن من الصناعات الثقيلة ومكلف جداً حالياً، فوق ما يتصور البعض، ومسلسلات رمضان الماضي تكلفت مبالغ فلكية، حققت لبعض القنوات، إن لم يكن أغلبها خسائر مادية، لأن العائد الإعلاني كان ضعيفاً، ولم يغط ثمن شراء هذه المسلسلات.. ولتوضيح هذه النقطة أكثر، لأنها ملتبسة عند الكثيرين، أقول إن شركات الإنتاج لم تخسر من إنتاج مسلسلات الموسم الماضي في رمضان، بل بالعكس، حققت أرباحاً كبيرة والخاسر هو القنوات نفسها، لأن العائد الإعلاني لا بد أن يكون أكبر من ثمن شراء المسلسلات وهو ما لم يحدث، السبب طبعاً أن تكلفة إنتاج المسلسل الواحد تضاعفت سبعة أو ثمانية أمثال تكلفة إنتاج المسلسل نفسه قبل عام، وهذا الارتفاع الهائل الذي تحكمه عوامل كثيرة، دفع بالشركات إلى استعادة أموالها في المقام الأول قبل تحقيق الربح، وبالتالي، اضطرت القنوات لدفع مبالغ أكبر بكثير مما كان عليه الوضع قبل شهور، لأنه لا غنى لها عن شراء المسلسلات الجديدة لنجوم الصف الأول في رمضان تحت أي ظرف.
المطرب مصطفى قمر أكد أن تجربة الإنتاج، لا يقدم عليها إلاّ الفنان الحقيقي، الذي يمثل الفن عشقه وحياته، ولا يبغي عنه بديلاً كمصدر للدخل، وتابع: أنا مثلاً رجل أعمال فاشل، وحاولت الاستثمار في أكثر من مجال دون جدوى، فاقتحمت الإنتاج الغنائي والسينمائي مضطراً، لأنني لا أفهم سوى في هذا المجال، بما له من مميزات كبيرة بالنسبة لي فأنا حر نفسي، لا أخضع لضغوط شركات الإنتاج التي أحياناً ما تضع شروطاً مجحفة تعود بأسوأ الضرر على الفنان وتصل أحياناً إلى تجميده عن العمل لسنوات، على كل حال نجحت تجربتي في الإنتاج الغنائي والسينمائي مع بعض الإخفاقات التي تواجه حتى كبار المنتجين، لأننا في النهاية نتعامل مع جمهور، من الصعب التنبؤ بذوقه ورد فعله، فيلمي الأخير «فين قلبي» لم ينجح جماهيرياً وأنا أتحدث بصراحة، وحسناً فعلتم باستطلاع آراء المتخصصين فيه، وتم رفعه سريعاً من دور العرض مما تسبب لي بخسائر كبيرة، ولا يعني هذا أن الفيلم ضعيف، ولكن الجمهور قال كلمته وأنا أحترمها وأحاول جاهداً أن أكون كمنتج وفنان عند حسن ظنه بي.
الناقدة ماجدة خير الله أشارت إلى أن «الدخلاء على مهنة الإنتاج كثيرون، وليس الفنانون فقط، معظم الأفلام الضعيفة الموجودة على الساحة الآن يقف وراءها منتجون لا علاقة لهم بصناعة السينما ولا بالفن أصلاً، وأربأ بالفنانين بالذات، نجوم الصف الثاني من المشاركة في مثل هذه الأفلام، وهم يشاركون فيها للأسف لأنها تسند إليهم البطولة المطلقة، لكن ما الذي تعنيه البطولة المطلقة في فيلم ضعيف، لا تتوافر له عناصر النجاح ويسقط سريعاً من ذاكرة الجمهور والنقاد؟ فنان موهوب وخطير مثل نضال الشافعي ما الذي يدفعه لبطولة فيلم بهذه الركاكة لمجرد الوجود في السينما؟ جزء من المسؤولية يقع على عاتق شركات الإنتاج السينمائي على قلتها طبعاً، لكن هذا لا يعفي الفنان من المسؤولية أيضاً. وأرى أن الدخلاء على مهنة الإنتاج هم الخطر الأكبر عليه بالذات في السينما، لأنهم يتسببون في انصراف الجمهور عن دور العرض بما يعنيه ذلك من نتائج كارثية على كل العاملين بالمجال».
الناقدة خيرية البشلاوي تناولت القضية من زاوية أخرى قائلة: لا نستطيع أن نعتبر دخول الفنانين مجال الإنتاج بأنواعه ضد مصلحة الفن، لأنهم في النهاية أبناء المهنة، على الجانب الآخر نقيم التجربة بنوع من الحيادية لنستطيع أن نستنتج، هل يمكن أن تستمر أم لا؟ مبدئياً، يوجد ترحيب حذر من شركات الإنتاج الكبرى لدخول الفنانين مجالهم، وهذا يعني أنه لا مانع من وجودهم وهذه نقطة جيدة، وهذا التواجد يجب أن يكون في النهاية بشكل رسمي، لأن الفن مشروع استثماري يخضع لمنطق المكسب والخسارة، والدولة لها ضرائب يجب أن تحصل عليها، كل الفنانين الذين دخلوا المجال، لديهم شركات إنتاج مثل أحمد حلمي وبشرى وإلهام شاهين ورامي إمام وهند صبري وكريم محمود عبد العزيز وأحمد رزق ومصطفى قمر، هذه نماذج لأن عددهم ليس بالقليل، وظاهرة تستحق وضعها فوق طاولة البحث، ويجب أن تخضع لدراسة مستفيضة حول أثرها البنّاء أو السلبي في صناعة الفن؟
مدير التصوير سعيد شيمي أوضح : كل من يضخ الأموال في مجال صناعة السينما والدراما أو أي مجال فني آخر، يكون موضع ترحيب، مادام الشخص له علاقة بالمجال، ومادام مصدر الأموال معروفاً؛ دخول مجال الإنتاج السينمائي والتلفزيوني ليس مقصوراً على المنتجين فقط، البعض اقتحموا المجال منهم ملحنون ومخرجون، ولا أريد أن أذكر أسماء يعرفها الكل جيداً، الفن صناعة مكلفة جداً، ولكن منذ بدأت السينما قبل عصر التلفزيون، بدأت من خلال فنانين كبار أنتجوا لأنفسهم ولغيرهم أمثال آسيا وماري كوين، وبهيجة حافظ، وفريد شوقي ونور الشريف وغيرهم.. والإنتاج في السينما أصلاً مغامرة غير مأمونة العواقب، بعكس شركات الإنتاج التلفزيوني التي تبيع المسلسل قبل تصويره، وعندما يقتحمه أحد ويقرر خوض التجربة ولو بفيلم قليل التكلفة، ولكن على مستوى جيد، علينا أن نشجعه.