ليس جديداً تنافس الفضائيات على استقطاب النجوم ليقدموا برامج على شاشاتها، وقد أصبح كرسي المذيع على القنوات الفضائية ملاذاً لفنانين تحولوا فجأة من ممثلين إلى مذيعين ومقدمي برامج، ينافسون الإعلاميين على مستوى الجودة والحرفية . منهم من نجح، ومنهم من أخفق، ومازال العرض مستمراً، لاسيما من خلال البرامج الفنية واكتشاف المواهب التي نجحت في جذب أبرز نجوم الغناء في العالم العربي . فما رأي أهل الإعلام في احتلال الفنانين مقاعدهم؟ وهل نجح هؤلاء في هذه المهنة؟
أسئلة توجهنا بها إلى بعض الإعلاميين وقلة ممن يجلسون على كرسي المذيع، في هذا التحقيق .
الظاهرة ليست جديدة، وإن تطورت الآن، والنماذج كثيرة، منها برامج المسابقات التي قدمها ممثلون أمثال أيمن زيدان في برنامج وزنك ذهب ونور الشريف، ودريد لحام وأروى اللذان قدما برامج حوارية، وهند صبري التي قدمت برنامجاً يجمع بين الحوار وتلفزيون الواقع . ليتكرر المشهد مع الكوميدي محمد هنيدي ليقدم النسخة العربية من برنامج الألعاب الشعبية Trust على شاشة إم بي سي مصر، التي التقطت أيضاً الفنان هاني رمزي ليقدم برنامجاً على شاشاتها، أما الفنانة سمية الخشاب فاختارت قناة القاهرة والناس لتطل كمذيعة على شاشتها من خلال برنامج يحمل عنوان الموضة، كما يستعد الفنان محمود قابيل لخوض تجربته الأولى في تقديم برنامج الناس في مصر، والفنان هشام سليم يقدم حوار القاهرة على سكاي نيوز عربية، وفرح بسيسو التي قدمت كلام نواعم، وحسين فهمي الذي قدم برنامجاً اجتماعياً، ويسرا برنامج العربي على قناة أبوظبي، والممثلة اللبنانية كارمن لبس برنامج شو سرك، وعباس النوري الذي قدم لحظة الحقيقة، وداود حسين مع برنامج المسابقات الوديعة، وآخرون كثر . وقد يكون من السهل الإجابة عن هذا التساؤل لو بقيت التجربة محصورة في البرامج الفنية، لكن خوض الممثلين والمطربين تجربة التقديم أخذت تتوسع حتى شملت البرامج السياسية والاجتماعية والثقافية والمنوعات، ولا ننسى تحول عارضات الأزياء أيضاً إلى مذيعات .
يقول الإعلامي زافين قويمجيان: العلاقة بين الفنان والإعلامي متداخلة، ومساحة الإعلام ليست حلبة خاصة بالمذيعين ومقدمي البرامج المتخصصين، وأي شراكة في هذا المجال جزء من صناعة التلفزيون، شرط أن يكون الفنان متميزاً ومبدعاً وقادراً على خوض التجربة الإعلامية ومتمكناً من النجاح فيها .
ويتابع: تحول هذا التداخل إلى ظاهرة له مسبباته في كل بلد يعيش بطالة فنية وظروفاً متقلبة، فما أدى إلى عمق هذه الظاهرة في مصر هو عدم حيادية الإعلاميين وقدرتهم على الوقوف بعيداً عن أطراف الصراع السياسي، وبالتزامن مع هذا الغياب توفر رموز من الفنانين المستقلين الذي ساعدت موضوعيتهم في تبني الرأي إلى اعتلاء منصة الإعلام كبديل للآخر المتخصص، مع وجود رموز من الفنانين المستقلين، هذه الظاهرة ليست جديدة أو خاصة بالعالم العربي، فقد بدأت أولاً في الغرب ومن ثم انتقلت إلى قنواتنا .
الإعلامي طوني خليفة يرى أن لا ضرر فيها إذا كان الفنان يتمتع بمؤهلات الإعلامي من حيث خلفية ثقافية والمعلومات العامة، وإلا الأفضل له أن يبقى في الفن الذي اشتهر فيه وأبدع من خلاله، وفي جميع الحالات يبقى نجاحه مرتبطاً بالهدف الذي دفعه لاعتلاء منصة الإعلام، وهنا لا أعتقد أن الشهرة وحدها كافية كمقياس لنجاح الفنان إعلامياً، ومن يستغل تلك الشهرة يقلل من قدرته كونه فناناً، وبالتالي لا ينجح في الإعلام ويخسر الفن .
الإعلامية في قناة إم بي سي مهيرة عبدالعزيز تقول: إن دخول الفنانين في الحقل الإعلامي ونجاحهم، مرتبط بحيز ضيق في بعض البرامج التي لا يمكن أن ينجح فيها الإعلامي بنفس درجة الفنان، مثل البرامج المتنوعة أو اكتشاف المواهب، لأنه شكل معروف في الشارع وعندما تظهر صورته في برنامج ما سوف يستقطب جمهوراً أوسع . وتتابع: طالما يقدم الفنان خدماته الإعلامية ضمن اختصاصه الفني، فهذا يثري المشهد الإعلامي ولا يضعفه، أما في ما يتعلق بالمنافسة فهي مفتوحة، وشخصياً أرحب بها طالما أن الميدان يتسع للجميع، والبقاء لمن يثبت نفسه بجدارة وثقة .
تبدي وفاء الصالح، الإعلامية في قناة صناعو القرار dm، أسفها لما آلت إليه مهنة التقديم من فوضى وتقول: للأسف نرى الآن أن مهنة التقديم أصبحت مهنة من لا مهنة له، فقد دخلتها مصممات أزياء، وعارضات موديلز، ومطربات، لكن الخطأ ليس خطأهن بل خطأ من يفسح لهن المجال . هناك اقتحام لهذه المهنة حتى لو أن كثيراً ممن خاضوها نجحوا بحكم عملهم وتجربتهم وخبراتهم الفنية المتراكمة، وقد يكونون أفضل بكثير من بعض مقدمي البرامج، لكن في الأساس هذه ليست مهنتهم ويجب ألا يلاقوا التشجيع من قبل القائمين على المحطات في اقتحام مجال ليس مجالهم، وهدف القنوات الوحيد ليس تقديم مضمون جيد، وإنما استقطاب جماهير هؤلاء الفنانين وزيادة الإعلانات التي تزداد بازدياد نسبة المشاهدة . يجب أن يكون هناك تخصص من أجل إقناع المشاهد الذي أصبح يخلط بين الفنانين والإعلاميين، الأمر أشبه بالفوضى .
الفنانون الذين خاضوا تجربة التقديم التلفزيوني لا يرون أنهم يقومون بالتعدي على مهنة ليست مهنتهم، لكسب مزيد من الأضواء أو الربح المادي كما يتهمهم البعض، بل يرون أنها في النهاية تجربة فنية جديرة بمن يمتلك الكاريزما كي يخوضها، وحلقة وصل تربط بينه وبين جماهيره . من هؤلاء الفنان القدير هشام سليم، ويقدم برنامج حوار القاهرة على قناة سكاي نيوز عربية . ويقول: الفنان يبحث عمن يستطيع أن يعمل معه بأريحية، سواء في الإعلام أو مجال الفن، وهذا معياري الأول الذي دفعني لقبول العمل مع قناة اخبارية، الفنان يمكن أن يمثل ويغني ويقدم برامج، والتقديم في المجال الإعلامي له طابع فني، والفنان يجب أن ينوع في تجربته الفنية ويغير فيها، ولهذا سمي فناناً .
ويشير سليم: ليست الجوانب المادية هي التي تدفع الفنان نحو هذا الاتجاه، لأن ما نحصل عليه من هذه البرامج يمكن أن نكسبه من الأعمال الدرامية، كذلك ليس الهدف الحصول على المزيد من الشهرة، ولو لم يكن الفنان مشهوراً لما عرض عليه تقديم برنامج، فالمحطات تلجأ إلى المشاهير لأنها صاحبة المكسب الأول .
يشكك الناقد السينمائي طارق الشناوي، في مدى نفع البرامج التي يقدمها الفنانون، والتي غالباً ما تكون برامج مواهب للمجتمع، والأهم من ذلك أنهم لا يملكون مهارات تقديم البرامج، ولكن كل ما لديهم هو حضور وجمهور فقط . ويقول: التنافس على هذه الحلبة والخلط في الأوراق ثمنه باهظ، وسوف يسبب حرجاً للبعض، لأن الفنان أصبح يميل إلى ما هو متاح، والإعلام أكثر إتاحة في الوقت الحالي بالمقارنة مع الظروف التي تعانيها منها الدراما والسينما في العالم العربي، حيث تحول الفنان مع مرور الزمن لاقتحام الساحة الإعلامية على حساب أهل الاختصاص الذين قضوا سنوات في دراسة الإعلام وتقديم البرامج، وفي هذا خسارة أكبر من المكسب، لأن الفنان عندما يتاح أكثر من اللزوم يتحول إلى عنصر مستهلك، ويسلب منه بريقه وجاذبيته، فضلاً عن ان البعض جنح إلى تقديم البرامج بداعي المكسب المادي، والأهم أنه حينما يكون الفنان هو مقدم البرنامج لا يكون محايداً بل ينجذب إلى الفنان ويقف في صفه، إضافة إلى أنه يعجز عن فتح كل الموضوعات مع زميله الضيف، تفادياً لإثارة الحرج أو تخوفاً من مضايقته .
لمعرفة الدافع وراء تنافس القنوات الفضائية على جذب الفنان لساحة الإعلام، يؤكد علي جابر، مدير عام قنوات إم بي سي، أن نجومية الفنان أقوى من نجومية الإعلامي، والفنان يستطيع ان يجذب إعلانات للقناة، إضافة إلى قدرته على تحقيق نسب عالية لمشاهدة برنامجه . والتلفزيون بدوره يعطي للجماهير جوانب جديدة في شخصية نجومهم لم تكن ظاهرة سابقاً .
هل يتقبل الجمهور الظهور الدائم للفنان على شاشة التلفزيون؟ سؤال توجهنا به إلى بعض المشاهدين . ألمى عايش، طالبة في كلية الإعلام، تقول: للأسف ما نشاهده اليوم على التلفزيون أن الممثلين أصبحوا مهرجين، فالنجم المرموق ما زال محافظاً على شخصيته ولم يغرق في الموجة .
وتضيف عائشة المحرزي، منسقة اتصال: معظم البرامج التي يديرها فنانون خالية من المضمون الهادف، وهي عبارة عن ساعات تلفزيونية لتعبئة وقت المحطة وفرصة للربح من خلال التسويق الإعلاني .
توافق أسماء الكندي، طالبة في جامعة زايد، على هذا التوجه، وتقول: مبدأ التخصص في مجال الفن ليس دقيقاً فضلاً عن أنه أمر يتعلق بالحرية الفردية، فأنا الآن مثلاً أخوض تجربة الكتابة الكوميدية، فهل يجب ألا أخوض هذه التجربة لأنني إعلامية أو صحفية أو طبيبة؟ أعتقد أن هذا المنطق في التفكير يقيد الإبداع في المجتمع .
أداء بعض هؤلاء النجوم الذين انضووا تحت لواء تلك البرامج مقبول، كما ترى وفاء سرحان، طالبة في قسم العلاقات العامة، ولكن الجانب السيئ بحسب قولها هو الذي تمثل في دخول بعض المقدمين والمذيعات إلى المجال الدرامي وبرامج الفوازير، لافتة إلى أن الاندفاع نحو الشهرة والمردود المادي، خلط الأوراق لدى البعض حتى أصبحت الفوضى عنواناً لكل شيء، وهذا سيخلف كوارث فنية وإعلامية يصعب علينا كجمهور تقبلها لضحالة المضمون .