إذا كان الكلام على الكلام صعباً فكيف بالكلام على الرسم؟ سؤال وارد أكثر حين نصطحب قلمنا وأوراقنا ومصورتنا لنعطي صورة عن الصورة، ولنفتح باب مغارة فناني الصحراء، وندلف مسرعين في أدغال الحركة التشكيلية الموريتانية، نطارد هؤلاء الفنانين التشكيليين بين ألوانهم وفرشاتهم ونحاول الدخول في المساحة الفاصلة بين كتابة الشعر بالألوان، وكتابة الألوان بالشعر .

يكافح التشكيليون الموريتانيون بألوانهم ومطارقهم وريشهم، لحجز مكانة في ساحة ثقافية يسيطر عليها لون واحد (الشعر)، فموخيس يعزو أسباب عزوف الموريتانيين عن الرسم إلى اعتباره فناً غير أصيل في الثقافة الموريتانية، ولكون الشعر وحده محط اهتمام الجمهور الموريتاني قديما وحديثا، وخالد مولاي إدريس يشكو من عنصرية ثقافية تحارب الفن التشكيلي، وبون ولد الدف يعتبر الشعر دكتاتورا متسلطا على الذائقة الموريتانية، وجدار فصل فولاذي يحفر عميقا في المخيلة الموريتانية ضد الرسم، وولد أحظانا يعتبر إبداعية الفن التشكيلي الموريتاني لم تشفع له إلا في تقبل الآخر غير الموريتاني له .

عبر قراءة أولية، أو نظرة عابرة على الأصح، على لوحات الفنانين التشكيليين، تتضح ملامح الفن التشكيلي الموريتاني، عبر لوحات تتعانق فيها المآذن الطويلة إلى جانب بيوت صغيرة، في ترميز للفارق الكبير بين النمو الروحي والنمو التنموي، ولوحات ترسم وجوهاً شاخصة العيون ومزدوجة الملامح والتعابير والايحاءات التي تعبر غالبا عن زواج قسري بين التعاسة والأمل، وتطغى بقوة في هذه اللوحات حيرة الإنسان الموريتاني وخوفه وتردده في دخول المستقبل، وأحيانا جرأته وقوة شكيمته، فيما تحضر بقوة البيئة الموريتانية من جمال وأغنام، ومن خيام، وأدوات شاي، وأدوات منزلية، وملاحف نسائية، ومناظر طبيعية، وفي كل هذا تطفو سفينة البؤس حاملة الحرمان وأدوات الضياع الاجتماعي لمجتمع تولت الألوان تسريبات نفسيته المعقدة، بقدر ما أعطت عنه انطباعا تشكيليا مغايرا في أحيان أخرى .

نساء ورجال بالألوان . . في لوحة لكزانة للفنانة مكفولة تغيب الوجوه كليا لتحضر بقوة من خلال دلالة لونية، فيما يشكل البعر والعيدان (أدوات تنجيم محلية) قراءة لغيب يستعصي على الاستحضار، وتمثل الخرقة أو الوردة الحمراء على الحصير، والخيمة من وراء المشهد في اللوحة إحالات واضحة الدلالة، بينما تجلس المرأتان خارج الخيمة وخارج الحصير على الرمل، وأمامهما أدوات التنجيم فيما تحدقان في قادم لا يأتي (الأفق) .

في لوحة أخرى لمخيس تتحول ضفائر المرأة إلى سلاسل تحلق في الهواء المتولد من جراء حركة الجسم في رقصة المديح، وللطبل ولمجموعة الراقصين، والموسيقا، والنوافذ السوداء للبيت الذي يظهر من بعيد، والفجوة في الأعلى التي تغطي أملا بأن هناك قمرا ما . . لهذا إسقاط عميق في الذاكرة الموريتانية التراثية .

وفي لوحة الخليقة للرسام محمد ولد أحظانا، وهو مفكر بارز حاصل على جائزة الدولة التقديرية، نرى نواة البشر (الرجل، الأم، الطفل) وهم يسيرون حاملين رؤوسهم المقطوعة نحو تيههم القدري . . لوحة سريالية عرضت في باريس ونالت إعجاب الجمهور .

ملامح

ليس من السهل أن نبرز ملامح محددة للفن التشكيلي الموريتاني بالمعنى المدرسي والأكاديمي، وذلك لعدة اعتبارات موضوعية، منها ما هو عائد إلى الخلفية التاريخية للحركة الفنية التشكيلية الموريتانية، ومنها ما هو مترتب على عدم تأسيس معاهد متخصصة في تعليم الفن التشكيلي في موريتانيا حتى الآن، ومن بينها ندرة المهتمين بالفن التشكيلي بين الطلاب الموريتانيين الذين درسوا خارج البلد . وتعني هذه الاعتبارات مجتمعة، أن المنابع والدعائم الطبيعية والموضوعية لنشأة حركة فنية مكينة، قائمة على الأسس الأكاديمية المعروفة، لم تتح لهذا الفن في موريتانيا .

ومن الأمثلة العملية على هذا الاستنتاج:

- عامل نفور تاريخي من تصوير الكائنات الحية المشخصة، وتركيز التجربة الجمالية في الزخرفة النباتية، والأشكال المجردة، ما حال دون التأثر المباشر بالمدارس التشكيلية، وتبني الحركات الفنية السائدة في وقت مبكر من نشأة الدولة الحديثة .

- عامل انعدام السطوح الثابتة، والأرضيات التي يمكن أن يستخدمها ذو الميول التشكيلية، وذلك نتيجة البداوة والارتحال . فرغم أن موريتانيا عرفت الكتابة والتعلم لدى البدو، وعرفت فنون الموسيقا والرقص إلا أنها لم تعرف الفن التشكيلي . فهو إذاً من الفنون المضمرة في غيرها من الفنون نتيجة بيئة الترحال، وتكاثر عوامل المحو والحت في الصحراء .

- عامل انعدام معهد للفنون التشكيلية . فإلى حد الآن لم يتأسس معهد لتدريس الفنون الجميلة في موريتانيا، وهو ما حال دون وجود طلاب للفن التشكيلي، يدرسونه على أساس حديث .

- عدم اهتمام الطلاب الموريتانيين الذين يتلقون دراساته خارج موريتانيا وذلك لاعتبارات من بينها ضعف الاهتمام الاجتماعي بهذا الفن، إلى جانب تدخل العوامل السابقة في صرف الانتباه عن التشكيل .

ومع ذلك فمن الحيف القول إن لا حركة حديثة للفن التشكيلي، أساسها الهواية، ولكنها تطورت لتميل إلى المهنية والاختصاص، حيث نشأت رابطة للفنانين التشكيليين الموريتانيين في أوائل التسعينات من القرن الماضي، وبرز بعض الفنانين الذين يستأنسون ببعض المدارس الفنية التشكيلية . ويمكننا في هذا الصدد أن نعثر على بعض الملامح لنزعات لدى الرسامين الموريتانيين، من بينها:

1- النزعة التراثية، التي تميل إلى استيحاء النماذج النمطية التراثية، كوسائل للتعبير . ويمكن أن نسمي هذه النزعة نزعة تعبيرية تراثية، وهي النزعة الغالبة، وتستخدم الألوان الأساسية، والخطوط الحادة، وتجعل من الآلات والأشياء المزخرفة زخرفة تقليدية موضوعا لها .

2- النزعة الانطباعية الصحراوية، وهي نزعة تتدرج من الانطباع البسيط الذي توحي به الصحراء بصفرتها، وسمائها الفاتحة الزرقة، ومسائها الأرجواني، وشخوصها القليلين ووحشة التفرد بالنسبة للكائنات الحية والنباتات القليلة؛ إلى التعبيرية الوظيفية بالفضاء الصحراوي، واستغلال ألوانه وتوزع الفضاءات وتجاور العناصر على نحو يستأنس بالمدرسة السريالية . وتطغى الفضاءات المفتوحة، والأفق اللانهائي، والتداخل الغامض للألوان المركبة والمولدة والخطوط والأبعاد المبهمة،على فضاء اللوحة .

كما تتميز لوحات بالتجاور غير المعهود للعناصر والظلال، والانحناءات والتموجات المخفية .

3- النزعة التصويرية الواقعية، وتميل هذه النزعة إلى تصوير الملامح والعناصر تصويرا مباشرا، بتفاصيلها . وهي نزعة غالبة على بعض الفنانين، وتستخدم الطبيعة وملامح الأشخاص، وتقاسيم المحيط، والمعالم . . موضوعا لها . وتستخدم هذه اللوحات معطيات الموضوع كما هي .

4- نزعة التجريد: وتستخدم هذه النزعة مدرسة التجريد المعهودة متفاوتة ولكنها على العموم تتجه وجهة النأي عن الواقع بكل تفاصيله، وتميل إلى اختزال الألوان والخطوط والأبعاد، والبحث عن الاختصار والاقتصاد في استخدامها .

هذه على العموم هي الملامح العامة لحركة فنية تشكيلية، نشأت نشأة صعبة، وبدأ روادها في تطبيق رؤاهم رغم عوامل المنع، وضعف الثقافة الفنية القاعدية، مما حرم حركة الفن التشكيلي الموريتاني من الوصول إلى مراتب كان بالإمكان الوصول إليها لو تحققت بعض الشروط .

وفي كل الأحوال فإن المعارض المشتركة التي ينظمها الفنانون الموريتانيون مع زملائهم من العرب والأجانب، ونجاح معارضهم المحلية، وتزايد الإقبال عليها، أكسبت الفنان الموريتاني ثقة كبيرة، لما تلقاه لوحاته من تقبل حسن، ورواج في هذه المعارض؛ خاصة بعد أن أصبح التلقى مؤشراً مهماً من مؤشرات الجودة والتميز في عرف النقد الفني الحديث .

نبدأ بالتشكيلي الأول، الراحل الباشا ولد شيخنا ولد الباشا، الذي تحمل العملة الموريتانية خطه، فقد كان خطاطا ماهرا ومبدعا، وصفته صحيفة فرنسية بأنه يخط وعينه على الأندلس، وكان أول فنان تشكيلي موريتاني يستنطق جماليات الخط العربي باحترافية تصل المستوى العالمي، ومن خلال عمله في صحف داخلية وخارجية وفي لوحات خط، كان الباشا بمثابة الأب الروحي للحركة التشكيلية الموريتانية، في جانب الخط العربي الذي استنطقه ولد الباشا بجماليات بالغة الثراء، ودفع ذلك مجموعة من الشباب للخوض في مغامرة الخط، مشكلين أول نواة للفن التشكيلي الحديث، أبرزهم الخطاط محمد عبد الله، وولد أحمد سالم، وبذلك شاهد الموريتانيون للمرة الأولى روعة وجماليات خطهم العربي .

أما في مجال الرسم، فنبدأ بالرسام الأول المختار ولد البخاري، المعروف بموخيس (53 عاما)، إذ لا يمكن تجاوز هذا الرسام الاستثنائي في الحركة التشكيلية الموريتانية لريادته من جهة ولأعماله الإبداعية من جهة أخرى، فقد قادت الطفولة هذا الفنان مع زمرة قليلة من أترابه في السبعينات إلى خوض مغامرة الألوان، لم يتميز فقط لأن المضمار كان خاليا، وإنما لأن الفنان استوعب بسرعة العالم التشكيلي وتعقيداته بعد تدريبه على يد الرسام الكندي دنيس ريد، ومع نضوج لوحاته وجد تشجيعا معنويا كبيرا من النخبة، وإقبالا سخيا من الزبون الغربي الوافد والساعي لاقتناء الفن الصحراوي، ليصبح موخيس أحد الضيوف الدائمين في معارض الفن التي تقام في العواصم الإفريقية، وأسس سنة 1984 أول ورشة للخط في موريتانيا يديرها موريتاني، ومنها تخرجت أغلبية الخطاطين الموريتانيين، كما أسس اتحادية الفنانين التشكيليين الموريتانيين سنة 1998ويرأسها حاليا، ونالت أعماله الإعجاب في باريس وعدة عواصم أخرى .

موخيس الذي شكّل رافدا لتغذية الكتاب المدرسي الموريتاني بالرسومات واللوحات، وكذلك مؤسسات مدنية وحكومية وهيئات غربية، اعتمدت على إبداعه التشكيلي في رسم لوحات تخصها أو تخص أهدافها، طبع الحركة التشكيلية الموريتانية بطابع خاص، فقد قدم صوراً نمطية وغير نمطية عن المجتمع الموريتاني، وأخرى عن قضايا إقليمية وعالمية معاشة وذلك في قوالب تشكيلية متعددة الاتجاهات والفضاءات .

كما كان موخيس أحد الرواد الذين جربوا الولوج إلى جميع المدارس التشكيلية المعروفة في العالم فقد اتبع في أعماله مدارس تكعيبية وسريالية وواقعية وتجريدية وغيرها .

وهو يرى أن ملامح المدرسة التشكيلية في موريتانيا تتسم بمعالجة الهم الاجتماعي الموريتاني في المقام الأول، وهو هم متعدد نتيجة المشاكل التي يعاني منها المجتمع الموريتاني، وكان للمرأة نصيب الأسد فيها حيث هي ضحية للتفكك الأسري والزواج القسري والسمنة والتسيب المدرسي وغير ذلك، وتأتي هذه الموضوعات التشكيلية مكثفة باللون الأصفر، وتأتي هذه الموضوعات التشكيلية مكثفة باللون الأصفر . . لون الرمال والشمس، وهو أمر طبيعي في بلد تشكل الصحراء ثلثي مساحته، برمالها الصفراء وأشعة شمسها وأوراقها الذاوية نتيجة تتابع دورات الجفاف . وتابع موخيس الفن التشكيلي الموريتاني مرآة عاكسة وصادقة لحياة واهتمامات المجتمع الموريتاني، ومن الطبيعي أن تكون الشحنات التعبيرية التي تحملها لوحات الموريتانيين عن مجتمعهم أغنى وأكثر كثافة من اللوحات التي رسمها فنانون تشكيليون غربيون مشهورون عن المجتمع الموريتاني .

ويأسف موخيس لخروج أغلب الإنتاج التشكيلي من البلاد ويقول كل اللوحات يشتريها أجانب، أو تباع في معارض شخصية ودولية في عواصم غربية، وبالتالي خرجت من البلد وليس هناك إلا صور منها في أفضل الأحوال .

يروي أول رسام للكاريكاتير في موريتانيا عبد الودود الجيلاني الملقب بأبو معتز قصته وقصة انطلاقة الفن التشكيلي في موريتانيا، فيقول إن أفرادا قليلين لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة بدأوا، وبدافع الهواية قبل أربعة عقود من الزمن، يقلدون الرسوم واللوحات في الصحف والمجلات والكتب، قبل أن ينتقلوا إلى مستوى الاستقلالية الفنية ويرسموا لوحاتهم الخاصة المستوحاة من مخيلاتهم، وتميزت المرحلة الأولى بموجة من اللوحات الواقعية التي ترسم مناظر طبيعية وبورتريهات، ومشاهد حياتية معيشة، ثم الانتقال إلى مرحلة اللوحة الاحترافية التي تضم حزمة كبيرة من الترميز والإحالات .

ويتذكر أنه شارك في أول معرض جماعي للفن التشكيلي أقيم في موريتانيا ونظمته وزارة الثقافة وقتها في قاعة المتحف الوطني في نواكشوط سنة ،1979 وسمي معرض الانطلاقة، وضم أربعة فنانين فقط .