لم يتطرق باحث أو ناقد جمالي الى جوهر العلاقة بين ما هو سمعي وما هو بصري في الثقافة العربية المعاصرة . على الرغم من أن ما شهدته وعاشته الحركة الثقافية العربية، منذ أواسط القرن العشرين حتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شكّل نقلة نوعية على صعيد المؤثرات التأسيسية للثقافة البصرية بكافة أوجهها التي تمثلت في فنون الرسم على مختلف إيقاعاته التعبيرية، وفنون النحت بكل ما حفلت به من تنويع على صعيد المادة النحتية أو المفاهيم التأليفية، وفنون العمارة بكل ما رافقها من اجتهادات وتحولات ارتقت إلى أعلى مستويات الهندسة الفراغية، وركزت على علاقة الكتلة بالفراغ، ناهيك عن فنون بصرية أخرى شملت كافة أنماط الحياة، أي ابتداءً من فن الصورة الفوتوغرافية وانتهاءً بآخر صرعات الفوتوشوب .

إن أوجهاً عديدة للثقافة البصرية، تقف الآن حيال موروث ثقافي هائل من الثقافة السمعية، ضمن مجال مؤثر وحاضر في حياة الكائن العربي المعاصر، الذي بات بحاجة إلى بحث دقيق وتنسيقي يرسم صورتي ما هو كائن ليشكل الصورة الأصح لما يجب أن يكون، فنحن بقدر ما نرى في ذواتنا ورثةً لماضٍ حافل بالأفكار والشروحات وباللغة الثرية التي لم تعد تحتاج إلا إلى تفسير ذاتي يكشف أسرارها ويطعمها بمفردات العصر الجديدة التي تقحم ذاتها على المستويين اللغوي والفكري، فإننا في الوقت ذاته لا بد أن نسبر أغوار الثقافة البصرية، ونغوص في بحر الاختبارية التصويرية العربية الحديثة التي اتسعت الآن، وأصبحت بعد أكثر من ستين عاماً مالكة لفصاحتها التعبيرية، ومؤكدة لموقعها التأسيسي الذي بات من المستحيل تجاهله أو القفز من فوق حقائقه الخاصة، لذلك ينقسم أي بحث بهذا الموضوع المعمق الى ما يلي:

أولاً: العرب وميراث ما هو بالفعل وليس ما هو بالقوة، وهذا معناه أنهم وبفعل الكينونة التجريدية للمكان الذي عاشوا فيه، بوصفه المدى غير المحدود الا بالوهم، ضمروا الاستعداد للسعي عن الكشف على واقع أولوية الصورة على المادة . ذلك لأن كل الموجودات التي تعاقبت على المجتمع العربي تقدم منها ما هو ب(القوة) على ما هو ب(الفعل)، بحكم الزمان، وهذا أصلاً حسب ما يرى ذلك العديد من الفلاسفة ومنهم (ابن سينا) القائل: إن الذوات الأزلية موجودة دائماً بالفعل، وإن كل ما هو بالقوة يجهد للانتقال إلى الفعل، وربما الموسيقا حسب تفسير (الآرموي) أكثر وضوحاً في الشرح والمعنى .

من هنا سنجد الأثر الإيجابي الذي تركته الثقافة السمعية على العديد من الأنشطة التأسيسية التي كان يمكن لورثة الثقافة البصرية وحدهم إنجازها . وعلى سبيل المثال ستجد أن هندسة المدن التي أنشأها العرب في الأمصار التي فتحوها كانت تطبيقاً حسياً للرغبة الباطنية في التحوّل وتغيير اساليب الحياة والقيم التي صار لزاماً تطعيمها بالتحوّلات الحياتية الجديدة .

ثانياً: إن التلاقح الخلاق بين النصين الفكري والبصري، أو بين الموسيقا والتصوير منذ بدايات تكوين الكيانات العربية ذات الحضور الثقافي والسياسي والاقتصادي والعسكري والعلمي، كان الإشارة الأوضح لتكوين الحقيقة الجمالية الشاملة، وهي التي نجحت في الجمع بين ما هو (شرعي) وما هو (وضعي)، حيث خلصت إلى فلسفة جمالية شاملة قدمت للعالم أنموذجاً جديداً من الإبداع تمثل في لوحة البعدين وفي المنمنمة، وفي روائع الخط العربي الذي هو تجميل وتشكيل للكتابة بالحرف العربي .

ثالثاً: في المعاصرة الإبداعية، سنجد أن الفنون التشكيلية العربية وفي كافة الأقطار العربية انطلقت في أزمنة متقاربة، ونجحت في أمرين مهمين، أولهما إبراز الخصائص المحلية، وثانيهما تأسيس البعد التعبيري للصورة التي بقيت أسيرة نصها التصويري أسوةً بالنص الكتابي الذي بقي أسير موضوعه وعنوانه، وقد استمرت هذه المرحلة حتى أواسط الثمانينات من القرن العشرين حين تمّ تعميم الثورة التجريدية في الفن العربي الحديث .

رابعاً: البعد التجريدي، أو الثورة التجريدية في الفنون العربية المعاصرة:

1- من هم رواد التجريد العربي المعاصر؟

2- ما هي مواصفات اللوحة التجريدية العربية؟

3- كيف فهم المجرّدون العرب فنهم التجريدي؟

4- الخلفية الصوفية أو الزهدية للحركة التجريدية العربية؟

5- هل أثّرت الحروفية العربية سلباً أم إيجاباً على التيار التجريدي؟

6- هل شكّل التجريد الفني العربي الحديث خطاً منحنياً التقى عند قطبيه النصان التصويري والشعري؟

7- العلاقة بين التجريدين الغربي والمشرقي .

8- هل للتجريد التشكيلي العربي المعاصر من إشارات وأصول في الماضي؟

إننا نتحدث في نهاية المطاف عن مكونات سيميائية تتكون منها الثقافة الحسية البصرية، فيما المبدع في هذه الثقافة وصنعتها لا بدّ وأن يمتلك مقدرة الذي يستطيع أن يكشف ما وراء الواقع العياني، ويحول المدرك بصرياً إلى إزدواجي الإدراك، أي أنه يرى في المدركين العقلي والحسي، وبمعنى آخر، أنه يدرك في الزمان والمكان في لحظة تلازم هي أقرب إلى الومضة أو اللمعة الخاطفة .

إن السعي الذي ينجزه الفنان المبدع في نصه البصري سوف يبقى محكوماً بعاملي المكان والزمان، لهذا يتبلور في التأليف التجريدي مثل هذا الحضور المتغير، ولكن كيف يكون متغيراً يمتلك صفة الدائم لا المؤقت؟

أليس الزمان تغيراً مستمراً وصيرورة متحركة لا تثبت على (الآن) بل تتجاوزه باستمرار حين تحيله إلى ماضٍ؟ إذاً على الثقافة بشقيها الحسي والعقلي، البصري والسمعي، المكاني والزماني، ألا تسعى إلى ترسيخ ما لا يمكن ترسيخه أصلاً لأنه من المستحيلات، لأن لعبة إيجاد الحقائق الأزلية من الألعاب الافتراضية التي مورست طيلة عمر الوعي الإنساني بالذات والمحيط .

إن كل حقيقة جديدة هي مشروع ولادة حقيقة أخرى، والرؤيا ستكون أوضح في عالم الرسم والتشكيل لأن الرسم ومنذ أن أسس حقائقه البصرية على ضوء المشاهدات العيانية المباشرة قرر أن يصير حضوراً حسياً لهذا الكائن الإنساني الذي تعوزه وسائل التعبير الأخرى، ولنعد كلنا الى عالم سكان الكهوف ورسوم الحيوانات التي لم يكن بمستطاعه مجابهتها على مسرح الواقع، فكل رسم معناه السيطرة النفسية على هذا الحيوان .

إن خطورة ان يكون الرسام العربي وريثاً لفنون تميل إلى التجريد أو تذهب صوب النظر بعين الطائر، أي ببعدين للأشكال المرئية، معناه أن إشكالاً عقائدياً تقدم المشكلات كلها، ولكن كان مفتاح الاجتهاد قد فتح النوافذ والأبواب أمام طاقة بلا موانع ولا حدود أمام المصور الرسام فأعطاه مشروعية الإبداع التصويري .

ومع نشوء الحركات التجريدية، وتحول حالة التصوير والصورة إلى مسعى لما وراء العياني، انطلقت التأويلات التشكيلية العربية، حتى وصلنا إلى التطعيم الهائل بحركة الحرف، بوصفه إشارة مجردة، أو صوتاً يطلع من مكان ما من الفم كل حرف هو تجريد اشاري وتجريد صوتي .

لذلك تتبدى حركة التجريد الفني التشكيلي كانبثاق من الباطن وليس كرداء مستورد، ولكن هذا الحكم ليس عاماً، بل هو خاص جداً، وذلك حين نتحدث عن كبار الفنانين التشكيليين العرب الذين اشتغلوا على اللوحة التجريدية نتيجة نضوب مثابرتهم التصويرية السابقة .

البحوث الموسعة بإمكانها أن تفتح طرقاً عدة أمام حالة التأصيل، وما بين أن نباشر الآن بمشروع البحث والتأصيل، أو أن ننتظر من سيأتي غداً، يتخثر زمن اللامبالاة، وتضمحلّ إرادة التطور والكشف .