للفوقية تعبيرات أخرى مثل الدرجة الاولى أو النخب الأول أو الصنف الأول وهو إحساس من بعض الشعوب المغرورة قديماً وحديثاً تجاه شعوب أخرى مستضعفة ومغلوبة على أمرها . حيث تشعر الشعوب المتغطرسة بأنها فوق غيرها أدنى منها في الإنسانية، فإن الإنسانية في نظرها درجات أو مراتب أو طبقات أو أنخاب!! ولا يدري هؤلاء المتغطرسون الفوقيون أن الانسانية كلها قد أتت من آدم، وان آدم من تراب، وأن الله عزّ وجل قد أكرم آدم وأكرم ذريته ولقد كرمنا بني آدم سورة الإسراء آية .70 وأن الشعور بالفوقية يقود إلى التمييز العنصري، ولا نبالغ إذا قلنا إن لهذا الشعور جذوراً ممتدة من أيام الرومان واليونان مروراً بالعرب والفرس والهنود، ولا يزال هذا الشعور قائماً حتى يومنا هذا، وإن شعوباً ضعيفة تعاني هذه الأيام وتقاسي الأمرين نتيجة هذا التمييز وهذه الغطرسة .

لقد سبق أن حسم الإسلام موضوع التمييز العنصري والتفاوت الطبقي حسماً لا غموض فيه ولا تأويل، فأوضح بأن الناس سواسية كأسنان المشط بغض النظر عن اللون أو العرق، والله سبحانه وتعالى يقول: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة (سورة النساء آية 1)، ويقول أيضاً: ولقد كرمنا بني آدم (سورة الإسراء آية 70)، ويقول: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (سورة الحجرات آية 13) والمراد من ذلك أن ميزان التفاضل عند الله هو التقوى . ولكن هذا لا يقود الإنسان إلى أن يشعر بالتفوق على غيره أو يكسب امتيازات دنيوية على حساب غيره .

إن الرسول صلى الله عليه وسلم، هو أفضل الخلق أجمعين ومع ذلك فانه يتصف بالتواضع ويعيش عيشة البساطة والكفاف، ويقيم العدل على الجميع وقال قولته المشهورة وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (متفق عليه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها) . فالمسلمون سواسية في نظر الشريعة الاسلامية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى .

وللرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المقام عشرات الأحاديث النبوية الشريفة نذكر منها: لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى (رواه أحمد والبيهقي عن الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنهما) . وقد فسر الإمام علي كرم الله وجهه التقوى بقوله: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد للرحيل . ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث مطول أيضاً: . . . ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه (رواه مسلم عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه) . أي أن الذي يقصر بواجباته أو يقوم بأعمال مخالفة للشرع فانها تؤخره عن اللحاق بمنازل المتقين وتحرمه من دخول الجنة ولو كان من أصحاب النسب الرفيع، لان شرف النسب لم ولن يقربه إلى الله تعالى زلفى .

لقد أثبت التطبيق العملي للاسلام منذ خمسة عشر قرنا، أنه لا تفاوت طبقياً ولا تمييز عنصرياً فهذا صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي الذين كان لهم الباع الطويلة في الدعوة الاسلامية وبناء المجتمع الاسلامي، وكانت لهم المنزلة الرفيعة عند الرسول صلى الله عليه وسلم .

ويمكن القول إن الاسلام بعقيدته المتينة وفكره العميق قد استطاع مزج وصهر ثقافات الشعوب المتعددة والتقريب فيما بينها: فقد تعاون العربي والفارسي والرومي والسرياني والهندي والاسباني والحبشي والتركي معاً في اثراء الحضارة الاسلامية في طابعها، والعربية في لغتها، وهي تجربة فريدة من نوعها في سمتها العالمية الشاملة، وما فتئت الهيئات الثقافية العالمية الحديثة تسعى في الوقت الحاضر لمزج ثقافات الشعوب والتقريب فيما بينها لتكسب الثقافة المعاصرة الصبغة العالمية الشاملة، ولكنها لم تفلح . في حين سبق أن حقق الإسلام ذلك منذ خمسة عشر قرناً .

* رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس