في كتابه الرقصات الافرو يمنية الذي بحث فيه الجذور الافريقية للموسيقا اليمنية الموسيقية يستعرض الفنان والباحث د. نزار عبده غانم الصيرورة التاريخية لرقصات شعبية يمنية تدين بأصولها إلى البر الزنجي المواجه لشبه جزيرة العرب، الذي ظل على مدى التاريخ مصدراً من مصادر التأثير الثقافي في عرب شبه الجزيرة لاسيما القاطنون في سواحلها.

يقول د. غانم مستدلا بشهادات ومراجع عديدة وعراقة تسرب الفنون الأدائية الزنجية إلى جزيرة العرب، وفي هذا السياق يعود إلى ما قاله المؤرخ السوداني د. يوسف فضل حسن إن حب السود الفطري للغناء والرقص كان واحداً من معالم الثقافة الإفريقية القليلة التي ظلت آثارها باقية في اليمن وباقي شبه جزيرة العرب.

وينقل المؤلف عن المؤرخ اليمني محمد عبدالقادر بامطرف قوله إن مدينة الشحر التي تقع في حضرموت على بحر العرب كانت تحتضن عام 1522 مرقصا تجلب راقصاته من جزيرة لامو التي تتبع الآن دولة كينيا ليقدمن عروضا فنية متواصلة لستة أشهر ثم ينتقلن للأمر نفسه إلى مدينة عدن أو مدن الحجاز ثم يعدن إلى وطنهن.

ويشير الرحالة الألماني فون مالتزان في مقالة له بعنوان المنبوذون في جنوب جزيرة العرب عام 1872 إلى المجاميع زنجية الأصل في اليمن ويعتبرها جميعا منبوذة اجتماعيا إلا انه يميز بين الأخدام والشمر ويورد نصوصا لأغانيهم ثم يعلق عليها.

وكان الرحالة النمساوي ادوارد جلازر والذي تجول في اليمن ما بين الأعوام 1885 و1908 قد كتب عن اشتغال فئة الأخدام في اليمن بالترفيه الموسيقي وكيف أنهم يتكسبون بعزفهم على الطبول والمزامير. وهنا يكتب د. غانم: نستطيع القول إن جميع المجاميع زنجية الأصل في اليمن قد فقدت مع الزمن رابطتها الاثنية بالقارة السوداء وتيمننت تماما، وقياسا على ذلك فإن ما تقدمه اليوم من فنون أجدادها قد طرأ عليه الحذف والإضافة تطبيقاً للمقولة الانثروبولوجية المعروفة من أن الحضارات عندما تقتبس مكونات ثقافية خارجية تفد عليها فإنها في الآن ذاته تعيد إنتاج هذه المكونات وتلبسها حلة جديدة وعناصر مستحدثة بحيث تتمكن في النهاية من إدماج الوافد كلية في المحيط الثقافي والوسط الاجتماعي الجديد.

وأورد د. غانم في بحثه تفاصيل كثيرة عن الرقصات اليمنية التي تعود بأصولها إلى إفريقيا، مدللا على ذلك بكتابات خبراء وباحثين. وينقل عن الباحث اليمني آدم يحيى احمد في كتابه تهاميات... أوراق من الموروث الشعبي أن للاخدام رقصات خاصة بهم في تهامة وقد يشاركهم فيها فئة المزاينة أو الريسة، وهذه الرقصات جماعية يختلط فيها جنسان وهي ذات طابع خاص وإيقاع خاص مميز وهي كالتالي:

- رقصة الكندو أو الكندة: يقوم الراقص أو الراقصة بهز الأكتاف والدق بالقدم على الأرض وعند نهاية الرقص يهبط إلى الأرض فجأة ثم ينهض.

رقصة الزفة: يقوم الأخدام بتأديتها بعد عقد قران العريس ويصحبها أهازيج.

- رقصة الطبعة: يقوم الأخدام بتأديتها عندما تزف العروس إلى بيت زوجها وأثناء الاحتفالات التي تسبق موعد الزفاف تؤدي في بيت العريس وإيقاعها سريع وتأتي خفيفة وثقيلة ولها مسميات أخرى كالزحفة والزف والكدي بضم الكاف. وعلى الرغم من أن الرقصة مختلطة توجد أيضا رقصة للرجال وحدهم أو للنساء وحدهن.

- رقصة الملأ وهي خاصة بالعبيد في زبيد.

- رقصة الريسي ويشترك فيها الأخدام مع الريسي على إيقاع الدفوف والطبول ولا تستخدم فيها السيوف أو العصي، وإيقاعات هذه الرقصة شبيهة بغيرها مما عند الأخدام.

- رقصة الطنبرة: تعرف في أجزاء من الخليج العربي برقصة النوبان نسبة لمنطقتها الإفريقية الأصلية وهي بلاد النوبة شمال السودان، ويعتبر طقس الزار لصيقا بهذه الرقصة وما يصاحبها من دراما غنائية.

والآلة الوترية المميزة لرقصة الطنبرة هي آلة السمسمية أو آلة الطمبرةالأكبر حجما وكلاهما سليل لآلة عرفت في النقوش السبئية هي آلة الكنارة.

ومن الإشارات إلى رقصة الطنبرة في لحج ما جاء به الكاتب اليمني جمال محمد السيد من أن الطنبرة في لحج تعني أيضا فيما تعني شكلا من الشعر العامي الساخر القريب نوعا ما من الشعر الحلمنتيشي في السودان وفي مصر.

وفي أطروحته للدكتوراه بعنوان الأغنية الشعبية بمنطقة تهامة بمحافظة الحديدة باليمن يتحدث الدكتور الشعبي عن آلة الطمبرة التهامية فيصف موسيقاها وغناءها بأنه ذو طابع إفريقي يتجلى مع مصاحبة الآلات الإيقاعية.

رقصة الليوا: اول ذكر لها وقفت عليه كان في أربعينات القرن الماضي حيث يذكر المؤرخ حمزة لقمان أنها رقصة فئة زنجية هي الجبرت في عدن في ذلك الوقت. ويضيف أن الجبرت جماعة يمنية أصيلة وان بدت ملامحهم زنجية دنكلية في نظر علماء الأجناس البشرية، ويشير الباحث اليمني عبدالله صالح الحداد إلى وجود رقصة الليوا في سقطرى وتفسيرات كلمة الليوا عديدة منها أنها اسم مبتكر الرقصة في مدينة مومباسا الكينية أو نسبة لقبيلة اللوا الكينية وتسمى هناك كي ليواه، وتعني ليوا باللغة السواحلية احد أمرين إما تعني اليوم مثل قولهم هيا يا ليوا هيا أو تعني الشرب أي شرب الخمرة مع نشوة الاحتفال بالرقصة وقبلها.

ويشير الباحث والقاص اليمني المعاصر حسين سالم باصديق إلى أنها اختصرت من عبارة كثيرا ما يرددها البحارة اليمنيون هي والليلة واه، أي ماذا معنا الليلة أو كيف سنسمر الليلة؟ وهو يشير إلى انتشارها كرقصة في عدن ولحج وأبين ومناطق ساحلية أخرى.

وتعد رقصة الليوا من أشهر الرقصات الشعبية التي يرقصها اليمنيون اليوم في قرية فقم وضاحية الشيخ عثمان في مدينة عدن وكذا في محافظة لحج وبدرجة اقل في محافظة تهامة وحضرموت حيث يعتقد أنها انتقلت من مدينة عدن إلى مدينة الشحر، وتؤدى الرقصة مقتصرة على الذكور في امسيات الافراح.

رقصة البامبيلا: والتي لا معنى لها حتى في السواحيلية، ويعتقد أن الرقصة قدمت إلى مدن الشحر والمكلا في الثلاثينات من القرن الماضي مع البحارة الأفارقة الذين ما يزالون أكثر من يرقصها ويجيدها، ويلاحظ أن نصوصها يمنية لكنها جريئة الخطاب في الغزل تمشيا مع تحرر الغناء الإفريقي من القيود في هذا الشأن.

رقصة زامل وشرح العبيد أو المماليك أو الموالي: وهي الرقصة التي ذهب الفقيه الحضرمي علي احمد سعيد باصبرين إلى تحريمها كونها منافية للإسلام وحمل على آلة المزمار المسمى العنفيطة وهو المزمار ذو القصبتين وسمى رسالته في ذلك الانفتاح في تحريم المزمار وآلات اللهو الأخرى، وكان على قيد الحياة عام 1844.

ويذكر الباحث اليمني جعفر السقاف أن من يؤدي هذه الرقصة في حضرموت هم من كان يعرف في الماضي بالعبيد الرقيق أو حرس الحاكم وهم جند إفريقيون سابقون وتعج الرقصة بالمفردات أو الجمل السواحيلية.

ويقول الباحث اليمني سعيد عمر فرحان في خصوص هذه الرقصة: من الزوامل المشهورة في حضرموت زامل خاص بالعبيد يسمى زامل العبيد وهو من الرقصات الوافدة إلينا، ويتضح من خلال الحركة والكلمة انه من الرقصات التي وفدت الينا من إفريقيا، ويلاحظ أن ألحانه اقرب إلى موسيقا الزنج وكلماته إفريقية.

ويذكر الباحث اليمني جعفر السقاف أن الجنود الأفارقة في مدينة تريم في وادي حضرموت كانوا يؤدون الرقصة بمناسبة الأعياد ويستخدمون الدفوف وكذا الخنجر المعروف في الجنبية والسيف المعروف في النمشة ويأتون خلال الرقصة بحركات بهلوانية يقول انها تحكي أساطير افريقية.

- رقصة السواحيلي هي رقصة نسائية سريعة في حضرموت تؤدى في الأعراس وتتميز بايقاعاتها السريعة وتقول النساء في حضرموت إن أكثر من يجيدها هن النساء السواحيليات ومن هنا جاءت التسمية.