منذ طفولتي وأنا خجول، فقد كنت اختبئ في غرفتي عندما يزورنا أحد، كانت والدتي تجرني جرا كي أذهب وأسلم عليهم، كانت تقول لهم ابني خجول خاصة عندما يرى أحداً للمرة الأولى، لا أعرف لماذا كنت ولا أزال هكذا، هل هو بسبب نحافة جسمي وضخامة أنفي، أم قصر قامتي لا أعلم، كل الذي أعرفه أنه على الرغم من أنني قد أصبحت شاباً، وتبدلت ملامحي بعد أن سمنت وازداد طولي، إلا أنني عندما كنت أرى أي شخص سواء كان رجلاً أم امرأة تجدني قد وضعت رأسي أرضاً وكأنني لم أره، وإذا ألقى عليًّ السلام كنت أجيب بصوت خافت وابتعد عنه .

بالتأكيد حصل معي شيء في طفولتي حتى أصبحت هكذا، أم هو طبع والسلام، مع أن شقيقاتي وأشقائي ليسوا مثلي، فهم اجتماعيون ومرحون، إلا معي؟ كانوا يقولون لي أنت لست شقيقنا فقد تم تبنيك من ملجأ الأيتام . . انظر إلى نفسك في المرآة ألا ترى أنه لا شبه بيننا وبينك، وكنت أصدق ذلك كانوا يستغلون هذا الأمر ليأمروني وأطيعهم، وعندما سألت والدتي عن هذا الأمر ثارت ثائرتها وأخبرت والدي عمّا فعلوا فأنبهم وثارت ثائرته عليهم، وطلب منهم أن يعتذروا مني فقالوا نحن فقط كنا نمزح معك، أنت شقيقنا ونحبك لكنك حساس زيادة عن اللزوم لذلك كنا نغيظك، لكن هذا الشيء طبع في مشاعري وكان يزيد من عذابي حتى أصبحت حساساً جداً وعندما يضحكون على شيء فعلته، كنت أذهب إلى فراشي وأبكي لساعات، حتى تأتي والدتي وتعطيني دفعة معنوية قوية . لم أكن أشعر بالراحة إلا معها ومع والدي، هما الوحيدان اللذان كنت لا أصمت عندما أجلس معهما، لكن وما أن يدخل أحد من أشقائي حتى أصمت خاصة عندما كان ينظر إليّ تلك نظرة تهكمية، كان ينتظر أن أصبح وحيداً كي يعطيني أوامر من هنا وهناك، حتى إنني كنت أكتب واجباته عنه، طبعاً بعد أن يهددني بألا أتلفظ بحرف واحد أمام أهلي، كنت لا أعرف قول كلمة (لا) لأحد وكنت كلما كبرت في السن كلما ازددت خجلاً وانطوائية، بالكاد أذهب إلى المدرسة وأعود منها كنت متفوقاً في دراستي لكن دون أن يطلب مني الأستاذ القراءة أمام الجميع، كنت أتعثر وأخاف إلى أن يطلب مني أن أجلس، طلبت الإدارة من والديَّ أن يأتيا إلى المدرسة لمناقشة وضعي حيث قرروا عرضي على طبيب نفسي، إذ إنني لماح وبارع في دراستي لكن خجلي وخوفي من الجميع كان يشكل هاجساً لهم، خافوا على مستقبلي وكيف سأختلط مع الناس وأكون صداقات وأعمل، يجب أن تُحل هذه المشكلة النفسية منذ الآن حتى لا تتفاقم فيما بعد، وبالفعل تم تحويلي إلى معالج نفسي بدأ الحديث معي عن طفولتي، وعلاقتي بأشقائي وأقاربي، توترت في المرات الأولى ولم أنبس نبت بشفة، كنت صامتاً ساهياً خجولاً خائفاً، لكن فيما بعد بدأت أشعر بالراحة وأصبحت أخبره كل ما أشعر به، كان يستمع إليّ دون أن يقاطعني حتى أنني لم أكن أنام على الأريكة كما كنا نرى في الأفلام، بل كنا نجلس في حديقة عيادته الفخمة والمريحة ونتحدث عن أشياء كثيرة، كنت وكأنني أقوم بزيارة صديق لي، خاصة أنه تخرج حديثاً وكان يملك وجهاً طفولياً فتشعر وكأنه من سنك، بدأت أخبره عن أشقائي وأوامرهم، عن زملائي في الفصل والمدرسة وكيف يسخرون مني، واعترفت له بأنني كنت أبكي في الحمام دون أن يراني أحد، وبعد فترة انتقلت سخريتهم لتصبح ضرباً وأذية، كان جمعه هو القائد في الفصل والجميع كانوا تابعون له، فقد كان قوي الشخصية، جسمه - ما شاء الله - ممتلئ كما كان يبيعهم الحلويات، والساندويتشات، والعصائر، فكان عندما يطلب منهم شيئاً ينفذوه دون تردد خوفاً منه وطمعاً بصداقته التي تدر عليهم منافع، منها الطعام، فكانوا وبمجرد أن يسيروا معه حتى يهابهم الجميع، فهم المحظوظون، كانوا يشكلون عصابة صغيرة ترهب الأولاد وأولهم أنا، كانوا يطلبون منهم دفع ضريبة حماية كل آخر شهر وتكون عبارة عن وجبة كاملة مع العصير والمثلجات والويل لمن لا يستجيب، وفي يوم أرسل جمعه يطلبني بواسطة شاب من الشباب، بدأت ارتجف وأقول له ماذا يريد مني، أنا لم أفعل شيئاً له ولم أقف بدربه أنا أدفع له المال قبل الوقت المحدد، أجابني عندما أقول لك إنه يريدك فهذا يعني أنك يجب أن تلبي الأمر دون نقاش، أخذت ارتجف وأنا ذاهب إليه، وأفكر ترى ماذا فعلت له، وبماذا أزعجته، وصلت حيث هو فاقترب مني، خفت ووضعت يدي على وجهي لأحميه، ضحك وقال ما بك يا سالم أنا لن أضربك، فوضع يده على كتفي وجرني بعيداً عن الموجودين، لكنني خفت زيادة لأنه عادة عندما يمسكني بتلك الطريقة يكون وكأنه يستعد ليوجه اللكمات على بطني، قلت وأنا أرتجف، أقسم لك بأنني لم أفعل شيئاً يسيء إليك، كما إنني لم أذكرك إلا بالخير حين أرسلت الإدارة بطلبنا ليسألونا عنك، فأنكرت كل ما يتهمك به الجميع، حسنا لقد وصلنا إلى بيت القصيد أريد أسماءهم واحداً، واحداً، قلت والله أنا لا أعرفهم بالأسماء أراهم فقط في الملعب، أجابني حسناً سأعلم من هم عاجلاً أم آجلاً، لكن بالنسبة لك، فقد أرسلت بطلبك لأنك إنسان شهم، ويبدو أنني أخطأت بحكمي عليك، لكن جزاء لما فعلته أردت أن أخبرك شخصياً بأنك منذ الآن وصاعداً ستصبح واحداً منَّا، لكن يلزمك القليل من التدريب لتصبح مثلهم، ارتحت عندما سمعت كلامه، وفرحت بأنني سأصبح ضمن فريقه، هكذا لا أحد يتجرأ على السخرية مني ولا أن يستفزني، فأنا بحمايته، عدت يومها إلى المنزل وأنا سعيد للمرة الأولى، ثقتي بنفسي أصبحت قوية فجأة، لم أستطع الانتظار لأخبر طبيبي عن التقدم الذي أحرزته مع سالم وكيف أنه رضي عني وجعلني من المقربين إليه، صمت قليلاً قبل أن يجيبني، يجب أن نتكلم في هذا الموضوع قبلا، قلت لا، لقد أعطيت كلمتي ولا أستطيع التراجع الآن، فهو سيؤذيني جداً، ثم من يطول أن يصبح من المقربين منه، لا أحد، فجميع من في المدرسة يتمنون رضاه، وأنا تلقيت طلبه بانضمامي إليه على طبق من فضة وتريدني أن أرفض؟ أتريدني أن أعود إلى الذل والسخرية، لا أنا لم أعد أتحمل ذلك، لكن يا سالم بالطبع هناك ثمن باهظ ستدفعه مقابل رضاه عنك، فقلت له لا ثمن ولا غيره، هو فقط أحبني لأنني لم أفسد عنه كما فعل الباقون الذين سيثأر منهم واحد تلو الآخر، أجاب الطبيب الذي لم يوافقني على الموضوع قائلاً أنا أنذرتك وأنت حر، في اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة بنفسية عالية وثقة بالنفس لا توصف، اقتربت منه وسلمت عليه فقال هذا هو رفيقي المفضل، اسمعني يا سالم سوف يدربك شاب من عندي على كيفية الدفاع عن النفس في حال حاول أحدهم الاقتراب منك أو مني، ثم يأتي الباقي وتتعلم منه أين تضرب وماذا تفعل، وعندما تصبح جاهزاً سوف أحدد لك مهامك، قلت له دون تردد حسناً أيها القائد أنا بانتظار أوامرك، لقد دخلت اللعبة دون أن أشعر، كنت فقط سعيداً بأنهم توقفوا عن إزعاجي ورضي عني جمعة، ويا ليتني لم لفعل، ليتني بقيت - كما أنا - إنساناً يخاف، دون شخصية على أن أصبح فرداً في تلك العصابة الصغيرة المؤذية، بدأ جمعة يطلب مني أن أذهب إلى أحد الطلبة لأبلغه بأن دوره قد حان في دفع وجبات الطعام، وإذا تمنع سألته، أجابني بكل ثقة لن يتجرأ صدقني، لكن إن حاول ذلك فقبضتك تكون جاهزة لتبرحه ضرباً، رأى التردد والخوف في عينيَّ فقال يبدو أنك لست جاهزاً بعد لتنفذ ما أطلبه منك، سأرسلك مع أحد الشباب ليريك الطريقة التي ستتبعها، وفي المرة المقبلة تفعل مثله تماماً، ذهبت معه ووصلنا إلى الشاب فاقترب منه مرافقي وطالبه بأن يدفع ما عليه للقائد، فأجابه أنا لا أملك المال اليوم، غداً بإذن الله سأدفع، اقترب منه وهو ينظر من حوله ولكمه في بطنه لكمة قوية قائلاً هذا مجرد إنذار بسيط، وفي الغد إن لم يكن المال في حوزتك فأنت تعلم ماذا سيحصل لك، ثم قال لي هيا يا سالم دعنا نذهب من هنا، سرت خلفه وأنا أنظر إلى الشاب المسكين الذي ضربه، راكعاً على الأرض ويديه على بطنه يئن من الألم، تذكرت نفسي عندما كنت في مكانه، ومع إنني كنت لا أتأخر بالصرف عليهم إلا أنهم كانوا يتلذذون بضربي، ارتعبت صراحة وقلت للشاب الذي كنت برفقته ألا تخاف من أن يشي بك للإدارة أو إلى أهله؟ فقال هل فعلتها أنت؟ قلت مستحيل بل بالعكس تماماً لقد وقفت بصفه، قال كلهم هكذا يتملكهم الخوف من أن يتكلموا، أما أنت فإن ثابرت على تفانيك هذا فسوف تصل إلى مراتب عالية وتصبح أنت الآمر الناهي، وفعلاً بدأت مهماتي الفعلية على الأرض، في البداية كنت أحزن عندما اضطر أن أضرب أحداً ولا أنام طوال الليل، كنت أشعر بعذاب الضمير، وأضع نفسي مكانه، كنت أشعر بأنني تجردت من إنسانيتي أصبحت مثلهم، عضواً في عصابة، بعد فترة على انضمامي إليهم، أردت أن أنسحب لكن كيف؟ هذا هو السؤال الذي يقلق مضجعي، فما كان مني إلا أن اتصل بطبيبي وأستشيره، طلب مقابلتي على وجه السرعة، فوجئ بي عندما جلست أمامه، فقد تبدلت جداً من ملامحي إلى طريقة لبسي وثقتي التي كانت مصطنعة، كنت أفرك بيدي علامة التوتر، نظر مطولاً إليَّ وقال لقد تبدلت فعلاً يا سالم، يبدو لي أنهم استطاعوا أن يبدلوا فيك أشياء كثيرة حتى أنا لم أستطع أن أفعلها، قلت لكنني لست مرتاحاً يادكتور، فأنا أشعر أنني أصبحت مثل أولاد الشوارع، قال وما هو المطلوب مني الآن، أجبته أن تساعدني على الانسحاب منهم لكن دون أن يحاولوا أذيتي، نبهتك منهم وأنت لم تسمع كلامي، اسمعني جيداً يا ناصر، أنت تعلم كم أحبك وأريد لك الخير، لكن هذا الطريق لا يؤدي إلى شيء إلا إلى تدمير الذات والقهر، فأنت بالذي تفعله تحاول في اللاوعي أن تنتقم دون أن تشعر من كل إنسان تعرض لك في الماضي وأساء إليك، تحاول أن تثبت للجميع وحتى لأشقائك بأنك أصبحت إنساناً آخر لا يهاب شيئاً، صحيح إننا كنا نعالجك لكي تتخلص من الخجل والانطوائية ولكننا لم نكن سنحولك إلى بلطجي، قلت له حسناً قل لي ماذا افعل؟ قال أولاً يجب أن تذهب إلى الإدارة وتعترف لهم أنك كذبت في قصة جمعة وأن كل ما قيل عنه هو صحيح، أخبرهم الحقيقة، حتى أنك يجب أن تقول لهم إنهم ضموك إليهم لتمارس الإرهاب والتهديد على زملائك، يجب أن ينال جمعه جزاءه، اجمع من قاموا بالشكوى عليه في المرة الأولى واذهب معهم، لكنهم لن يثقوا بي خاصة الآن بعد أن أصبحت في مجموعته، قال إذاً خذ معك كاميرا وقم بتصويرهم بواسطة الفيديو هذا سيكون أكبر برهان ولن يستطيعوا أن يفلتوا من العقاب، وأنا سأشهد معك لا تخف، المهم أن توقفهم الآن عند حدهم وهكذا تكون قد فعلت شيئاً يريح ضميرك، وتكون قد خرجت من الحال النفسية السيئة التي كنت تعاني منها، سيحترمك كل من في المدرسة لأنك تجرأت وواجهته ثم أنك ستخلصهم منه ومن جبروته، أتدري يا سالم أنا أعتقد أنه هو الذي يحتاج إلى علاج نفسي وليس أنت، إذاً هل اتفقنا، قلت بالطبع اتفقنا سأدعو زملائي الذين يكرهونه وتأذوا منه إلى اجتماع طارئ ونخطط للموضوع الذي لن يكون سهلاً أبداً، انتظرنا ليكون هو شخصياً من سيؤدب أحد الطلبة على طريقته المعروفة، وبالطبع كانت عصابته الصغيرة معه، وقمنا بتصوير كل شيء ثم أخذنا الكاميرا وتوجهنا فوراً إلى الإدارة لنعرض الفيلم عليهم، قامت القيامة في المدرسة ولم تقعد، وبالطبع تم طرد جمعة وعصابته، وعندما جاء أهلهم للاستفسار تم عرض الفيديو عليهم فصدموا بما رأوا، لا أعلم إذا كان جمعة ومن معه سيُقبلون في مدرسة أخرى أم لا، لكن بالنسبة لي كنت فخوراً بما فعلت، وأنني تراجعت عما كنت سأفعله بحق زملائي الذين انتخبوني كي أصبح أنا القائد الجديد، الذي يحل مشكلات الجميع ويقف معهم في حال تعرضهم لأي شيء، تبلورت شخصيتي وتبدلت مئة وستون درجة، لم أعد أخاف من الوقوف للقراءة أمام الجميع، كنت المسؤول عن الفصل، كانت درجاتي ممتازة، وتخلصت بقدرة قادر من الخجل الذي كان يلازمني منذ طفولتي، أوقفت أشقائي عند حدهم، فلم أعد أسمح لهم بمضايقتي وإعطائي الأوامر، أصبح والديَّ سعيدين بتبدلي الجذري، شكروا الطبيب الذي قال لهم أنا لم أفعل معه شيئاً، هو الذي ساعد نفسه بنفسه، فقد كان انطوائياً لسبب ما وأصبح الآن يقدر نفسه ويشعر بالفخر بما أنجز إنها حال مرضية وقد شفي منها، والفضل يعود طبعاً في البداية لكم لأنكم تجاوبتم بسرعة مع طلب الإدارة بعرضه عليَّ لي لا أريد أن تخافا عليه من الآن فصاعداً فقط ادعماه عاطفياً وكونا إلى جانبه بقراراته الجيدة التي سيتخذها وشجعاه عليها خاصة أشقائه وشقيقاته فهو يعتمد عليكم . أصبح سالم أستاذاً جامعياً معروفاً، فقد تخلص نهائياً من خجله ومقابلة الناس لا بل أصبح جريئاً وكان يدير ندوات عن طريقة تعامل الطلبة مع بعضهم بعضا، واحترامهم لبعضهم بعضاً.

[email protected]