سمى الله نفسه القاهر وسمى نفسه القهار، وجاء اسم الله القاهر في القرآن في موضعين وبصيغة واحدة: وهو القاهر فوق عباده، كما في قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (الأنعام: 18)، وكذلك في قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (الأنعام: 61).
وجاء اسم الله القهار ست مرات اقترن فيها جميعا باسم الله الواحد كما في قوله تعالى: يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (يوسف: 39)، وكما في قوله تعالى: قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (ص: 65)، وكذلك في قوله تعالى: قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (الرعد: 16)، وفي قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (إبراهيم: 48)، وفي قوله تعالى: لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (الزمر: 4)، وفي قوله تعالى: يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (غافر: 16).
مشيئة نافذة
القهر هو الغلبة، والقاهر هو الغالب الذي لا يغالبه أحد جل وعلا، والذي لا موجود إلا وهو مسخر تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته، والله جل شأنه قال عن نفسه: وهو القاهر فوق عباده (الأنعام: 61)، فهو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، وذل لعظمته وكبريائه كل شيء، وعلا على عرشه فوق كل شيء، لا قاهر إلا هو، قهره هو القهر الحقيقي الذي لا يجد المقهور منه ملاذا، لأنه قهر بأسباب لا يستطيع أحد خلق ما يدافعها.
ولا بد أن نلاحظ أن في القهر معنى زائداً ليس في القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ ما يريده، فهو سبحانه الغالب على جميع الخلائق، الذي يعلو في قهره وقوته، وكل شيء تحت قهره وسلطانه، فلا غالب ولا منازع له، كل شيء خاضع لأمره في حركته وفي سكونه، وهو سبحانه يمسك السماوات والأرض بالقهر والغلبة: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً (فاطر: 41) حتى يحل موعدها المضروب: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (يونس: 24).
أمره سبحانه هو النافذ، ومشيئته هي المشيئة، يفعل ما يريد، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا إله غيره، هو القاهر فوق عباده، ويستحيل تصور وجود إلهين مختلفين ففي التنازع بينهما لا بد من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته هو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو القاهر القادر على منع غيره أن يفعل بخلاف ما يريد، وفي هذا يقول عز وجل: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (المؤمنون: 91).
القهر المطلق
إن الكون كله يدل على صفة القهر لدى الله عز وجل، فالشمس تجري لمستقر لها في فلك خاص بها، والقمر في فلكه الخاص، وليس للشمس أن تقترب من مداره ولا للقمر أن يقترب من مدارها، كل منهما يسير في الخط المرسوم ولا يخرج عنه،: والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (سورة يس من الآية 38 إلى الآية 40)، وكذلك الليل والنهار يتعاقبان بانتظام، فلا يأتي النهار قبل ميعاده أو يحل الظلام قبل أوانه: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (الأعراف: 54).
كل شيء مسخر وخاضع للقهر الإلهي المطلق، حتى أعمال العباد، فمن كفر أو أشرك أو عصى فإنه لم يخرج عن إطار هذا القهر، وفي ذلك يقول جل وعلا: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (يونس: 99).
وأول أثر على العبد الموحد باسم الله القاهر هو الخضوع التام لله الواحد القهار، فيقهر شهوته، ويقهر ميله وهواه، ليحقق في نفسه اسم الله القاهر، ويتخذ السبيل إلى طاعة الله عز وجل ومحبته ومرضاته.
ويثق المؤمنون في نصر الله ووعده لهم بالتمكين والنصرة والغلبة: فقال: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (المجادلة: 21)، وقال تعالى: ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (المائدة: 56)، وقال سبحانه: وإن جندنا لهم الغالبون (الصافات: 173)، وتوحيد الله باسمه القاهر يجعل المؤمنين يستعلون على الأعداء بعزة الله القاهر وثقة ويقينا في ربهم، روى مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك.
الغالب لكل شيء
قال القرطبي: (القهار) هو الغالب لكل شيء، والذي يغلب في مراده كل مريد، ولذلك فإن أول معنى من معاني القهر أن الله عز وجل قهر الممكن وجعله قائما، جعله مستمرا، جعله موجودا، قال بعض المحققين: هو سبحانه القهار للعدم والوجود، لأن الممكن لو ترك وحده لكان معدوما، فكأن ماهية الممكن تقتضي العدم، إلا أنه سبحانه وتعالى منزه يقهر هذه الحالة ويبدل العدم للوجود، قال الله تعالى: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً (فاطر: 41)، يمسكها الله تعالى بقدرته معلقة في الهواء، يمسكها بقهره وبقوته، وانظر إلى الأرض تدور حول الشمس منذ ملايين السنين ولم تنجذب إليها وانظر في قوله تعالى: ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم (الحج: 65).
ومن معاني القهار أن جميع الخلق مقهورون في مشيئته، وهو الذي قهر العباد كلهم بالموت: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (الزمر: 42)، لا نبي، ولا رسول، لا مؤمن ولا كافر، ولا قوي، ولا ضعيف، ولا غني، ولا فقير، ولا صحيح ولا مريض، ولا رفيع ولا وضيع ولا ملك ولا وزير، كلهم ميتون: إنك ميت وإنهم ميتون (الزمر: 30)، وحتى ملك الموت يأتي دوره فيذوق طعم الموت، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (الرحمن: 27).
هو سبحانه القهار الذي له علو القهر أهلك قوم نوح وقهرهم، وقهر قوم هود وثمود، وقهر فرعون وهامان والنمرود: وأنه أهلك عاداً الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى هذا نذير من النذر الأولى (النجم: 50 56)، وقهر قوم لوط، وقهر من بعد أبا جهل والمشركين، وقهر الفرس ومن بعد الصليبيين، وهو عز وجل قهار لكل متكبر جبار.
ملاذ المظلومين
هو الواحد القهار ملجأ المستضعفين، وملاذ المظلومين، وهو بالمرصاد لكل متكبر جبار: ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد (الفجر: 6 14).
قهره سبحانه وجل شأنه عظيم، وأخذه للمتكبرين أليم، يقصم ظهر الجبابرة، فيقهرهم بالإماتة والإذلال، ويقهر من نازعه في ألوهيته وعبادته، وربوبيته وحاكميته وأسمائه وصفاته: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (الزمر: 67).
وكان صلى الله عليه وسلم يتعبد الله باسمه القهار، وتروي السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تضور من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار.
فهو عز وجل الذي لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وهو القاهر الذي أسلمت إليه كل المخلوقات، ويروي البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
والمؤمن يقهر نفسه بالاستغفار والتوبة، ويقهر وسواس الشيطان بالاستعاذة منه ومن وسواسه، ويقهر الجهل بنور العلم، ويقهر كل ظالم جبار بالاستعاذة والاستعانة بالله الواحد القهار، قال تعالى: وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (الأعراف: 127 - 128).
والمؤمن الموحد لله باسمه القهار يعفو عند المقدرة عن المسيئين، ويلين للفقراء والمستضعفين، ويكرم اليتامى والمساكين، ولا يرد السائلين: فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر (الضحى: 9 - 10).