العقيدة الإسلامية منهج حياة كامل وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة والشهيدة على الناس والمكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله .
وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان وفي الأهداف والاهتمامات وفي الراية والعلامة وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له وأخرجت للناس من أجله، وهي من غير هذا المنهج ضائعة في الغمار، مبهمة الملامح، مجهولة السمات مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام .
في السنة الثانية من الهجرة تحققت للنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، إحدى أهم الأمنيات، وهي تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، التي أقام دعائمها سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام .
وكما ورد في سيرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد جاء الإذن بهذا التحويل عندما نزل قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلةً ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام .
ظل رسولنا، صلى الله عليه وسلم، ومعه المسلمون ستة عشر شهراً يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم تحققت أمنيته بأن يتجه إلى الكعبة المشرفة، وفي هذا ما فيه من أبعاد مهمة، ومعان كبيرة، منها أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وبين قبلة المسلمين التي هي الكعبة المشرفة، وفي هذا إيحاء لكل عربي ومسلمٍ في أي مكان كان، بأن يعرف واجبه، ويدرك مسؤوليته تجاه مقدساتنا التي دنسها الصهاينة في فلسطين .
حكمة تربوية
كان اتجاه المسلمين إلى المسجد الأقصى في صلاتهم لحكمة تربوية أشارت إليها هذه الآية وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . . فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومي . . ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم، فقد نزعهم نزعاً من الاتجاه إلى البيت الحرام، واختار لهم الاتجاه إلى المسجد الأقصى، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعاً مجرداً من كل إيحاء آخر، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازاً بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ؛ أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير .
حتى إذا استسلم المسلمون، واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام، ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى بشأنه، هي أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصاً لله، وليكون تراثا للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولا منهم بالإسلام، الذي كان عليه هو وبنوه وحفدته . . وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن .
وراثة دين الخليل
إن تحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ودعوا عنده ذلك الدعاء الطويل . . يبدو في هذا السياق هو الاتجاه الطبيعي المنطقي مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده مع ربه . فهو الاتجاه الحسي المتسق مع الاتجاه الشعوري، الذي ينشئه ذلك التاريخ .
لقد عهد الله إلى إبراهيم أن يكون من المسلمين؛ وعهد إبراهيم بهذا الإسلام إلى بنيه من بعده، كما عهد به يعقوب عليه السلام -وهو إسرائيل- ولقد علم إبراهيم أن وراثة عهد الله وفضله لا تكون للظالمين .
ولقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بإقامة قواعد البيت الحرام . . فهو تراث لهما، يرثه من يرثون عهد الله إليهما . . والأمة المسلمة هي الوارثة لعهد الله مع إبراهيم وإسماعيل ولفضل الله عليهما، فطبيعي إذن ومنطقي أن ترث بيت الله في مكة، وأن تتخذ منه قبلة، فإذا اتجه المسلمون فترة من الزمان إلى المسجد الأقصى، الذي يتجه إليه اليهود والنصارى، فقد كان هذا التوجه لحكمة خاصة، وحين شاء الله تعالى أن يعهد بالوراثة إلى الأمة المسلمة جاء تحويل القبلة وهي بيت الله الأول الذي بناه إبراهيم . لتتميز للمسلمين كل خصائص الوراثة: وراثة الدين، ووراثة القبلة، ووراثة الفضل من الله جميعاً .
تميز الصف المسلم
نعم، إن تحويل القبلة من علامات الأمة الظاهرة في تميز الصف المسلم، وتنقيته من الخبث، تمامًا كما كانت رحلة الإسراء والمعراج، وكما كانت سرية عبد الله بن جحش، رضي الله عنه، وما تبعها من قتلٍ في الشهر الحرام، وكما كانت غزوة أحد، وكما كانت أحداث الحديبية، وكلها تصب في سياق التطهير وتنقية الصف المسلم .
أخرج الإمامان البخاري ومسلم عن مالك عن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أُنزِل عليه الليلة، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى القبلة: الكعبة .
إن الأمة التي شاء الله تعالى لها أن تكون الأمة الوارثة المستخلفة في الأرض والتي تحمل الأمانة وتشهد على العالَمين: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمةً وَسَطاً لتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناسِ وَيَكُونَ الرسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة: 143) . هذه الأمة أراد لها الله تعالى أن تنفرد بحس إسلامي رباني مميزٍ، وكان اتجاه المسلمين إلى بيت الله الأول تميزاً للمسلمين .
إن تحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ودعواً له بالأمن والرزق والبركة والحفظ لهو السياق الطبيعي المنطقي لوراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده عليه السلام مع ربه سبحانه، وهو المنهج الذي يميز أمة الشهادة، فيربطها بأصولها وتاريخها وعقيدتها، ويمنحها القيادة التي خُلقت لها وأُخرجت للناس من أجلها، فلها تميز في الجذور والأصول، وفي الأهداف والغايات، وفي الراية والوجهة .
وذلك التميز هو ما كان يسعى إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله تعالى لأجل الحصول عليه . فعن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كان أول ما نُسِخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل بأن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: قَدْ نَرَى تَقَلبَ وَجْهِكَ فِي السمَاء إلى قوله: فَوَلواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (البقرة: 144-150) .
إن الخصوصية والتميز ضروريان للجماعة المسلمة، في التصور والاعتقاد، وفي القبلة والعبادة، وفي كل شيء .
القدرة على التسليم
وكانت حادثة تغيير القبلة اختباراً لمدى قدرة الأمة المسلمة على التسليم لكل ما يجيء به دينها، ولمدى إمكانية أن تغير ما في نفسها وتطيع وتلتزم، قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتبِعُ الرسُولَ مِمن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الذِينَ هَدَى اللهُ (البقرة: 143) .
وقد وصف الله تعالى هذه القدرة على تخليص النفوس بأنها كبيرة: وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الذِينَ هَدَى اللهُ، غير أنها ليست كذلك على الذين هدى الله تعالى، فمع الهدى لا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها أي رداءٍ سوى الإسلام، وأن تنفض عنها رواسب الجاهلية، وأن تتجرد لله تعالى تسمع منه وتطيع، وحيثما وجهها الله تعالى تتجه، وهذا التسليم أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: فَلاَ وَرَبكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتىَ يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مما قَضَيْتَ وَيُسَلمُواْ تَسْلِيما (النساء: 65) .
وقد نجحت الأمة المسلمة في هذا الاختبار، وفي قدرتها على التسليم وعلى تغيير النفس، وتعاملنا اليوم مع هذه الحادثة يجب أن يكون بمنطق التحويل الذي حدث بسببه تحويل القبلة: بأن نخلع عن أنفسنا كل ما يعوق التزامنا بتعاليم ديننا، وهكذا كان لتحويل القبلة آثارٌ كبيرةٌ في حياة الأمة المسلمة في داخلها، وفي علاقاتها مع الآخرين .
لقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور وأقوم منهج في الحياة فهو يدعو البشرية كلها إلى أن تفيء إليه وما كان تعصبا أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر، وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر، وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى .
فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله والتردي في مهاوي الجاهلية ليس متعصباً أو هو متعصب ولكن للخير والحق والصلاح .
والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه وهو أن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة، بل هي رمز للتميز والاختصاص: تميز التصور، وتميز الشخصية، وتميز الهدف، وتميز الاهتمامات، وتميز الكيان .