كل ما جاء به القرآن الكريم - وهو دستور المسلمين التاريخي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - يؤكد أن الإسلام دين الإخاء الإنساني؛ حيث تتعدد وتتنوع صور التسامح والعفو والرحمة في تعاليم وأحكام ديننا العظيم، التي حملها لنا هذا الكتاب المقدس.. كما تتجسد ثقافة التسامح فيما جاء به من قيم وأخلاق وتوجيهات، وما يشيعه بين الناس من آداب، تفرض على الإنسان الملتزم بتعاليمه وأحكامه احترام الآخرين، والتعامل الرحيم معهم، والتماس الأعذار لهم، والحرص على التعاون والتفاهم والعمل المفيد للجميع.
الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين يحمل شعلة التسامح الإسلامي في التعامل مع المخالفين في العقيدة، ويلف العالم شرقه وغربه يلتقي مع رجال الدين والمفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات غير المسلمين ليتحاور معهم، وينقل لهم الصورة الصحيحة لديننا ومواقفه الثابتة والراسخة منهم.. ويؤكد أن ثقافة التسامح في ديننا العظيم يحمل القرآن الكريم لواء الدعوة إليها، وترسيخها بين الناس، فتسامحنا مع المخالفين في العقيدة، والاعتراف بكل حقوقهم، ليس شعاراً للاستهلاك السياسي أو الإعلامي، أو وسيلة للخداع الديني، بل هو ثقافة راسخة في سلوك كل مسلم، ومن يتخلى عنه يعد في نظر القرآن خارجاً على تعاليم الدين الإسلامي.

ملامح التسامح الإسلامي

ويشدد شيخ الأزهر على أن القرآن الكريم وضع دستور العلاقة العادلة بين المسلمين والمخالفين لهم في العقيدة في حالتي السلم والحرب، وقضى على العصبيات والأهواء والأحقاد التي قد تسيطر على نفوس البعض، وتدفعهم إلى ارتكاب حماقات لا يقرها دين الله الخاتم الذي رفع شعار (الحوار والتعارف والتلاقي والعمل المشترك) تطبيقاً لنداء الحق سبحانه: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».. ويقول: القرآن قضى على العصبيات المقيتة، والله تعالى لم يخلق الناس بما بينهم من خلافات في العقيدة والطباع والقناعات الفكرية، ليتشاجروا ويتحاربوا ويقتل بعضهم بعضاً.. بل نظم القرآن العلاقة الإنسانية بينهم على أفضل ما يكون التنظيم وقضى على الأهواء والنزوات والأحقاد، وضبط هذه العلاقة بعدالة الإسلام، وما جاء به من تسامح وعفو ورحمة.
ويوضح د. الطيب أن القرآن الكريم يرفض بداية مبدأ العدوان وشن الحروب، لتحقيق أطماع مادية أو سياسية، وعندما شرع الجهاد لم يشرعه للعدوان وإلحاق الأذى بالمخالفين لنا.. بل شرعه للدفاع عن الدين والوطن عندما يتعرضان للعدوان، فالمسلم مطالب شرعاً وفق دستوره القرآني العادل ببذل أقصى الجهد لإقامة علاقات طيبة مع الآخرين في إطار من الاحترام المتبادل، ولا يفكر في مواجهة ومحاربة إلا هؤلاء المعتدين الذين يحاربون الإسلام والمسلمين حربا ظاهرة وباطنة، وهؤلاء هم الذين وصفهم الحق سبحانه بأنهم «لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمةً وأولئك هم المعتدون»، أي أن الذين أمرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بجهادهم والتصدي لظلمهم هم الذين يمارسون الحرب على الإسلام وأهله، ولا يقيمون وزنا لكرامة المؤمن بالله واليوم الآخر، ولا للعهد الذي بينه وبينهم، وسلوكهم الذي لا يحيدون عنه هو العدوان والظلم.

علاقة تعارف وحوار

ويؤكد شيخ الأزهر أن العلاقة بين المسلمين وغيرهم من المخالفين لهم في العقيدة - وفق هداية القرآن الكريم هي علاقة تعارف وحوار وتفاهم وتعاون على ما يعمر الأرض ويفيد الإنسان، بصرف النظر عن عقيدته، فالمسلمون يسالمون كل من يسالمهم، لا يبادرون بالعدوان على أحد، ويتصدون فقط لهؤلاء الذين يعتدون عليهم ويلحقون الأذى بهم، ويصرون على ظلمهم، وهذا دفاع مشروع عن النفس، تقره كل الشرائع، وتنص عليه كل دساتير حقوق الإنسان، وإلا أصبح التسامح هنا ضعفا، وقبولا للقهر، ورضا بالظلم والعدوان.
لكن.. كيف يتصرف المسلم عندما يتعرض للظلم والقهر والعدوان من شخص ينتمي لدين آخر، وفق توجيهات القرآن الكريم؟
يقول د. الطيب: العلاقة بين المسلم وغير المسلم تقوم على العدل والاحترام المتبادل، والإسلام الذي ندين به ونفخر بالانتساب إليه، يحرص على استتباب الأمن للناس جميعا، فمن يعتدي من المسلمين على غير المسلم يحاسب ويعاقب، ومن جانبنا فإن القرآن الكريم أمرنا بمواجهة المعتدين الظالمين حتى يتوقف فسادهم.. وهذا واضح في أهداف الجهاد المشروع الذي يضبطه قول الله سبحانه: «إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز».
فالقرآن الكريم هنا يأمرنا بعدم ظلم الذين يناصبوننا العداء، ويبيح لنا فقط رد كيدهم إذا ما أصروا على ظلمنا وإهدار حقوقنا، لأنه ليس من العدالة والإنصاف أن يترك هؤلاء ليواصلوا ظلمهم وعدوانهم وإهدارهم حقوق الآخرين.. والله عز وجل اقتضت سنته أن يسلط على الظالمين من يردعهم، وهؤلاء المعتدون الظالمون لا يأمر القرآن وحده بالتصدي لهم ووقف عدوانهم.. بل كل الكتب السماوية تحث على وقف ظلمهم وعقابهم على ما اقترفت أياديهم من جرائم.

دفاع عن الحق والعدل

وحتى لا تختلط الأوراق يوضح د. محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، أن جهاد المسلمين دفاعا عن أوطانهم ليس عدوانا ولا سلوكا ينم عن تطرف وتشدد يسيء للإسلام، ويؤكد أن جهاد المسلمين المشروع ضد أعدائهم له أهداف نبيلة ومقاصد سامية، فهو يستهدف وقف العدوان ومنع الظلم وردع المجرمين، وفي هذا إشاعة للحق والعدل بين الناس جميعا، وحماية لحقوقهم.
ويضيف: «المسلمون في حروبهم الدفاعية التي حدثت في كل العصور كانوا ترجمة صادقة لما جاء به القرآن، فقد كان جهاد المسلمين ضد أعداء الدين والوطن والإنسانية، وفق الشروط والضوابط الحاكمة له، التي ورد النص عليها في القرآن الكريم، وهذه الضوابط تجعل من الجهاد الإسلامي شرفاً لكل مسلم يقوم به ويلتزم بأخلاقياته، ويحرص على آدابه».
وهنا يحذر د. الجندي من الانسياق خلف الدعاوى الكاذبة لخصوم الإسلام الذين يرددون الأكاذيب حول حروبنا وفتوحاتنا الإسلامية، ويزعمون انتشار الإسلام بالسيف، ويلحقون بديننا ما هو بريء منه.. ويقول: لا شأن لنا بما يردده المغرضون من الباحثين وغير المنصفين من الكتاب هنا وهناك، ولا قيمة لما يرددون، لأن حقائق التاريخ تكذب مزاعمهم، وهؤلاء تحركهم أهداف غير شريفة، ويخلطون الأوراق، كما أنهم يخلطون الآن بين المقاومة المشروعة والحروب العدوانية، التي يقوم بها أعداء الإسلام، وينبغي أن يدرك هؤلاء أن الفارق كبير بين مقاومة الظالمين والمعتدين والمجرمين، والإرهاب المنبوذ الذي يصنف ضمن أبشع أشكال الظلم والعدوان،

الإسلام بريء منهم

وهنا يوضح الفقيه الأزهري د. حامد أبو طالب، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن إسلام التسامح والرحمة، بريء من جرائم المتطرفين والتكفيريين، الذين يتحدثون باسمه ويقتلون ظلما وعدوانا ويفسدون ويهلكون الحرث والنسل تحت شعارات إسلامية، ويقول: شرع الجهاد في الإسام لإعلاء كلمة الحق والعدل، وللدفاع عن النفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء، ولنصرة المظلومين، وليس للعدوان والظلم كما يتوهم من يحملون السلاح، ويعيثون في الأرض فسادا باسم الإسلام.
ويؤكد د. أبو طالب أن شريعتنا الإسلامية تتعامل مع النفس البشرية بكل إنسانية ورحمة، وتعد الناس جميعا- بصرف النظر عن عقيدتهم - إخوة في الإنسانية، وتنظر إلى تعدد الناس وتنوعهم على أن الله أوجدهم في هذه الحياة ليتعارفوا، وليتعاونوا فيما بينهم.
وشريعة الإسلام - كما يوضح د. أبو طالب - لا تقاتل المخالفين في العقيدة لمجرد أنهم يعتنقون دينا آخر، فهي لا تكره أحدا على الدخول في الإسلام، كما أنها لا تعرف الظلم، ولا تقر العدوان بكل أشكاله وصوره.