يدل تكرار أولي الألباب في القرآن الكريم - كما يقول الشيخ الغزالي - على أن القرآن يطلب من المسلمين أن يكونوا أصحاب عقول مستنيرة، وأصحاب معرفة مستوعبة، وأصحاب علم واسع، فالأفق الضيق شر على صاحبه، وشر على المبدأ الذي يحمله، وشر على العقيدة التي ينقلها إلى الناس، قال الله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولو الألباب (البقرة: 269) . وقال جل جلاله: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (يوسف:111) . وقال سبحانه: هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب (إبراهيم:52) .

والقرآن الكريم يستنكر موقف هؤلاء الذين لا يريدون أن يتدبروا آيات القرآن، ويرجع ذلك إلى أنهم أغلقوا وسائل الإدراك الحسية والعقلية لديهم، فلم يعودوا يسمعون أو يبصرون أو يعقلون، ولا يريدون أن يبذلوا في سبيل فهم المعاني القرآنية أي جهد، وبذلك حرموا أنفسهم من نور الهداية الإلهية .

إن القرآن الكريم كتاب هداية، ولكنه كما أشرنا في حاجة إلى عقول تدرك وقلوب تفهم حتى تستطيع أن تصل إلى مراد الله من إنزال هذا الوحي الإلهي، لتشرق به النفوس وتضيء به العقول وتتفتح بأنواره القلوب وتسمو به المشاعر وترتقي به الأرواح في مدارج النور حتى تلامس عتبات الفيوض الربانية، وتلك مرتبة لا يصل إليها إلا من تدبر آيات القرآن بحق وأدرك معانيه بصدق وإخلاص .

وإذا كانت تلاوة القرآن وحفظه في الصدور من الأمور المرغوبة التي يؤجر عليها صاحبها، فإن الثواب الأعظم يكون من نصيب هؤلاء الذين يتدبرون آيات القرآن الكريم وتتفتح بصائرهم وأبصارهم للعمل بما جاء فيه، فالتلاوة والحفظ إذن ليسا هدفاً في ذاتهما، وإنما هما بداية الطريق للوصول إلى الهدف الأسمى، وهو العلم بما جاء في القرآن الكريم والعمل بمقتضى هذا العلم، وهذا هو غاية المراد .

لقد أراد الله لهذا القرآن العظيم أن يكون معجزة عقلية باقية أبد الدهر تحترم عقل الإنسان وتخاطبه بالحجة والبرهان، وقد اشتمل القرآن على العقائد والأخلاق والتشريعات وأخبار الأولين وأحوال الدار الآخرة، كما اشتمل على الحث على إعمار الكون والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وتمكين العقل الإنساني من أداء دوره كاملاً في الحياة .

وفي ذلك كله تحفيز للمسلمين ليعملوا عقولهم في البحث والتنقيب عن سنن الله في هذا الكون والكشف عن أسراره، وهذا لن يكون متاحاً إلا لمن لديه الاستعداد للتفكير السليم والنظر العقلي الرشيد والبحث العلمي القائم على أسس صحيحة ومناهج قويمة، كما يؤخذ ذلك من آيات القرآن الكريم، وهذا هو المعنى المقصود من تدبر آيات القرآن الكريم .

وقد أدرك المسلمون منذ الصدر الأول للإسلام ما في القرآن الكريم من إرشادات ربانية وتوجيهات إلهية تهدف إلى تحقيق الخير للإنسان، فشمَّروا عن ساعد الجد وقاموا بحركة علمية كبرى أدت إلى صنع حضارة عريقة كانت من أطول الحضارات عمراً في التاريخ، وقد استفادت منها البشرية أعظم فائدة، وكانت من أقوى الحوافز لأوروبا في العصر الوسيط لبناء نهضة جديدة مهدت الطريق للحضارة الحديثة .

وهكذا كان القرآن الكريم بما فيه من قيم نبيلة، وما اشتمل عليه من تعاليم سامية، محور اهتمام المسلمين على المستويين النظري والعملي وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حفظ الواحد منهم عشر آيات من القرآن لا يغادرها إلى غيرها إلا بعد أن يعمل بما جاء فيها، وغنيُّ عن البيان أن هذا العمل يكون مبنياً على علم وفهم وإدراك لما جاء في هذه الآيات القرآنية .

لقد حرص الإسلام حرصاً شديداً على تمهيد الطريق أمام العقل وإزالة كل العقبات التي تعوقه عن ممارسة نشاطاته، ومن أجل ذلك اتجهت تعاليم الإسلام إلى تحطيم كل العوائق حتى يشق العقل طريقه إلى الفهم الصحيح والتفكير السليم .

* وزير الأوقاف المصري الأسبق