يعتقد البعض أن القرآن الكريم باعتباره وحياً إلهياً خاتماً يفرض على الناس - وليس المسلمين وحدهم - التعامل معه كنص مقدس لا يجوز إعمال عقولهم في نصوصه، لكنهم فوجئوا بأن هذا الدستور الخالد «معجزة عقلية»، مستمرة منذ هبط به جبريل على محمد منذ أكثر من أربعة عشر قرناً وإلى قيام الساعة، وقد كان هذا التوجه القرآني واضحاً منذ اللحظة الأولى، فلم يكن هناك في الرسالة الخاتمة ميل إلى التركيز على معجزات حسية ينتهي تأثيرها بانتهاء عصرها، ومن هنا لم يكن لها في رسالة الإسلام إلا دور هامشي ثانوي لا يعول عليه كثيرا، أما القرآن الكريم فهو الوحي الخالد الذي جاء مخاطبا العقل الإنساني، دافعا إلى التأمل والتفكير في ملكوت السماوات والأرض.
ما دام الأمر كذلك فإنه - كما يقول المفكر الإسلامي د. محمود حمدي زقزوق عضو هيئة كبار العلماء ورئيس مركز الحوار الأزهري - لا مفر من استخدام العقل الإنساني في فهم القرآن الكريم وتدبر معانيه، فالقرآن لم يأت لمجرد قراءته من دون فهم، فهذا لم يكن ويكون مفصود الوحي القرآني ، وإنما هو كتاب للحياة بكل أبعادها.

التدبر والتفكر

ويضيف: الوقوف على أسرار القرآن وتدبر معانيه في حاجة إلى عقل رشيد لديه من الإمكانات ما يجعله قادرًا على فهم كتاب الله الخاتم على نحو سليم لتحقيق الهدف الأسمى من هذا الوحي القرآني العظيم، ويحثهم على استخدام كل قدراتهم العقلية في فهم جوهر هذا الوحي.
ولذلك نجد في القرآن العديد من النصوص التي تحث العقل على القراءة المستوعبة وتدبر الكلمات وما تتضمن من معان، حيث يقول الحق سبحانه: «أفلا يتدبرون القرآن»، وفي موضع آخر يقول: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها»، كما يقول عز وجل: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب»، واستخدام القرآن للفظ التدبر معناه التفكر فيه،وهناك فرق بين التفكر والتدبر،فالقرآن الكريم حين يذكر المعنى الواحد بألفاظ مختلفة فإنه لا يفعل ذلك لمجرد التكرار بأسلوب مختلف،وإنما يأتي ذلك قصداً لإبراز معنى جديد يزيد على مجرد التفكر،فالتدبر في الأمر يعد تفكرًا وزيادة،ذلك لأن التفكر يعني تصرف العقل بالنظر في الأدلة والظواهر الإنسانية والكونية،بينما التدبر يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو تصرف العقل بالنظر في عواقب الأمور.
وتكرار تعبير «أولي الألباب» في القرآن الكريم يدل - كما يقول العالم الراحل محمد الغزالي - على أن القرآن «يطلب من المسلمين أن يكونوا أصحاب عقول مستنيرة، وأصحاب معرفة مستوعبة، وأصحاب علم واسع، فالأفق الضيق شر على صاحبه، وشر على المبدأ الذي يحمله، وشر على العقيدة التي ينقلها للناس».

الهدف الأسمى

ويمكن أن نستنتج من ذلك كله - والكلام للدكتور زقزوق - أن التدبر درجة فوق التفكر لا يصل إليها إلا أصحاب العقول الراجحة، وحين يُنسب التدبر للإنسان فإن ذلك يعني أنه يتطلب منه الكثير من بذل الجهد العقلي، بينما عندما ينسب التدبير إلى الله فإن ذلك لا يتضمن هذا المعنى، فالله حين يدبر أمراً فإنه يقرر ويقضي ويحكم، وهذا معنى لا صلة له بالتدبر المطلوب من الإنسان.
والقرآن يستنكلر موقف هؤلاء الذين لا يريدون أن يتدبروا آيات القرآن ويرجع ذلك إلى أنهم أغبقوا وسائل الإدراك الحسية والعقلية لديهم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما دام القرآن الكريم كتاب هداية فلماذا هذا العناء في فهم وتدبر معانيه؟يقول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: كل رسالة تهدف إلى هداية الناس في حاجة إلى عقول تدرك، وقلوب تفهم، حتى تستطيع أن تصل إلى مراد الله من إنزال هذا الوحي الإلهي لتشرق به النفوس، وتضيء به العقول، وتتفتح بأنواره القلوب، وتسمو به المشاعر، وترتقي به الأرواح في مدارج النور حتى تلامس عتبات الفيوض الربانية، وتلك مرتبة لا يصل إليها إلا من تدبر آيات القرآن بحق وأدرك معانيه بصدق وإخلاص.ويضيف: إذا كانت تلاوة القرآن وحفظه في الصدور من الأمور المرغوبة التي يؤجر عليها صاحبها، فإن الثواب الأعظم يكون من نصيب هؤلاء الذين يتدبرون آيات القرآن الكريم وتتفتح بصائرهم وأبصارهم للعمل بما جاء فيه، فالتلاوة والحفظ إذن ليسا هدفاً في ذاتهما، وإنما هما بداية الطريق للوصول إلى الهدف الأسمى، وهو العلم بما جاء في القرآن الكريم والعمل بمقتضى هذا العلم، وهذا هو غاية المراد.

احترام العقل

لقد أراد الله لهذا القرآن العظيم أن يكون معجزة عقلية باقية أبد الدهر تحترم عقل الإنسان وتخاطبه بالحجة والبرهان، وقد اشتمل القرآن على العقائد والأخلاق والتشريعات وأخبار الأولين وأحوال الدار الآخرة، كما اشتمل على الحث على إعمار الكون والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وتمكين العقل الإنساني من أداء دوره كاملاً في الحياة.
وفي ذلك كله تحفيز للمسلمين ليعملوا عقولهم في البحث والتنقيب عن سنن الله في هذا الكون والكشف عن أسراره، وهذا لن يكون متاحاً إلا لمن لديه الاستعداد للتفكير السليم والنظر العقلي الرشيد والبحث العلمي القائم على أسس صحيحة ومناهج قويمة، وهذا هو المعنى المقصود من تدبر آيات القرآن الكريم، وهكذا كان القرآن بما فيه من قيم نبيلة ، وةما اشتمل عليه من نعاليم يامية محور اهتمام المسلمين على المستويين النظري والعملي ، وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حفظ الواحد منهم عشر آيات من القرآن لا يغادرها إلى غيرها إلا بعد أن يعمل بما جاء فيها، وغني عن البيان أن هذا العمل يكون مبنيًا على علم وفهم وإدراك لما جاء في هذه الآيات.

الحريات المسؤولة

وقد جاء القرآن الكريم داعمًا للحريات المسؤولة، فقد حث الإنسان على أن يحصل على حقوقه كاملة، ويمارس حرياته بمسؤولية وكفاءة، ويعمل عقله في كل ما يحيط به، ويسهم في تطوير وتنمية ورقي مجتمعه.
يقول د. محمد عبد الغني شامة، أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر: لا خلاف على أن القرآن ثورة حقيقية ضد كل صور الجمود الفكري كما هو ثورة ضد كل صور الديكتاتورية، وضد سلوك هؤلاء الذين توهموا أن الله خلقهم ليتسلطوا على رقاب العباد، ويصادروا حرياتهم ويفرضوا الوصاية عليهم، وهو في تعامله مع الحريات الأساسية للإنسان له فلسفته ومنهجه المتميز،فهذه الحريات ليست شعارات يتغنى بها الإنسان ويتفاخر بهامن دون أن تكون لها انعكاسات على حياته وعلاقاته بالآخرين،كما أن استمتاع الإنسان بالحريات ليس هدفًا في حد ذاته،بل هذه الحريات وسائل وأدوات لكي يحقق الإنسان رسالته في الحياة من خلالها، ويؤدي واجباته على الوجه الأكمل وهو يمارسها، فقد ألأكدت تجارب الأمم والشعوب أن المجتمع الذي تسود فيه الحريات المنضبطة هوأكثر المجتمعات إنتاجًا وبالتالي استقرارًا، بينما تعاني المجتمعات التي تصادر الحريات قلاقل ومشكلات.

رسالة حضارية

والحرية التي يرحب بها القرآن ويضبطها بقيمه وأخلاقياته تختلف كثيرا عما يفهمه ويردده سماسرة الحريات في عصرنا، فهو لم ينظر إلى «الحرية» على أنها مجرد حق من حقوق الإنسان لا يجوز المساس بها أو مصادرتها من دون وجه حق، بل ينظر إلى هذه الحرية على أنها رسالة حضارية يجب أن يقوم بها الإنسان ليقوم بواجبه تجاه مجتمعه، ذلك أن العائد الأكبر لممارسة الحرية المنضبطة يعود على المجتمع أكثر مما يعود على الإنسان نفسه.
ويوضح د. شامة أن العطاء الحضاري للقرآن في مجال الحريات يبدأ بحرية العقيدة حيث يبرز موقفه من حرية الاعتقاد واضحا، ويمثل قمة الاحترام والتقدير لعقل الإنسان وضميره، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ومنحه عقلا يميز به بين الحق والباطل، وأعطاه حرية الاختيار حتى بين قبول طاعة الله أو عصيانه، وبين الإيمان والكفر، فالإنسان دائما في موقف الاختيار، ولذلك هو مسؤول عما يفعل، ويتحمل نتيجة اختياره، يقول الحق سبحانه: «من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد».
والقرآن الذي هو رسالة ومعجزة تخاطب العقل والوجدان لا يقبل إكراه أحد على عقيدته، ويرفض ويدين كل قول أو فعل أو اعتقاد يأتي عن طريق الإجبار أو القسر، وشعار الإسلام هنا قول الحق سبحانه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي».
وهكذا يتضح لنا أن القرآن لا يعتد إلا بما يختاره الإنسان عن رضا واقتناع، وهو يعفو عن المسلم الذي يتلفظ بكلمات الكفر مكرهاً ما دام قلبه عامراً بالإيمان، ولذلك يقول الحق سبحانه: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان».
ومبدأ القرآن هنا أن الإكراه على العقائد لا يأتي بمؤمنين صادقين، وإنما يأتي بمنافقين كذابين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
وإلى جانب حرية العقيدة تأتي حرية التفكير، وما حمله لنا القرآن من نصوص تحثنا على التفكير يؤكد أن حرية الفكر حظيت باهتمام بالغ في شريعة الإسلام التي احترمت عقل الإنسان وإرادته، وفرضت على كل من له عقل قادر على التمييز، وعلم يستطيع به تحقيق نفع للآخرين ولو يسير، أن يعمل عقله، ويفكر ويعبر عن رأيه من دون مصادرة لحقوق الآخرين، خاصة الذين يختلفون معه في الرأي.