إن وجوه الاعجاز في القرآن الكريم لا حد لها، ذلك أن عطاء القرآن متجدد لا يجمد أبداً، وإنما يوافي كل عصر بما يناسبه، قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (فصلت: 53)
يؤكد السكاكي إمام البلاغة ذلك فيقول: إنه لا نهاية لوجوه اعجاز القرآن الكريم ويقول سهل بن عبدالله: لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه لأنه كلام الله وكلامه صفته، وكما أنه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله عليه، وكلام الله غير مخلوق ولا تبلغ إلى نهاية فهمه.
ونظراً لما يكتنف الحياة اليوم من طغيان مادي جامح يكاد يسلمها إلى الهاوية فإني أرى أن أمتنا - أفراداً وجماعات - في مسيس حاجة إلى الإعجاز الروحي في القرآن الكريم، وأعني بذلك صنيع القرآن الكريم في القلوب وتأثيره في النفوس.
فبذلك وحده تنجو أمة الإسلام من مدلهمات العصر - وما أكثرها - وبه وحده ينصلح حالها وتكون حياتها.
ويكفي أن أئمة الكفر لما شعروا بسلطان القرآن على القلوب قالوا لأتباعهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (فصلت 26) خوفاً من سريان الروح التي شعر بها الوليد بن المغيرة وأمثاله ممن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
وقد أخبر سبحانه أن ما أوحي به إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هو روح تحصل به الحياة الطيبة، ونور تحصل به البصيرة والهداية، كما أخبر أن رسوله الكريم يهدي إلى صراطه المستقيم، وذلك في قوله عز وجل في سورة الشورى: وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (الشورى: 52-53).
وقوله سبحانه في سورة الأنعام: أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (الأنعام: 122).
نعم، القرآن روح لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولولا الروح لمات الجسد، قال تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء (الزمر: 23) فالقرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض.
يقول مالك بن دينار: يا أهل القرآن: ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟!.
وكم في تاريخنا الإسلامي من نماذج أثر فيها القرآن روحياً فتحولت به من ظلمات الجاهلية الطاغية العنيدة إلى نور الإسلام ورحابته وبره ورحمته!
وحسبنا من ذلك رجل وامرأة، أما الرجل فهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذلك الجبار العنيد منحرف العقل والعاطفة في الجاهلية، نعم.. كان يصنع الصنم بيده ثم يخر له ساجدا! أهناك انحراف في العقل أسوأ من هذا؟ ودفن ابنته حية كعادة العرب في الجاهلية - وأد البنات - وذهبت توسلات ابنته المسكينة سدى، فما استجاب لها قلب أفقدته جاهليته عاطفة الأبوة، وتمر الأيام وينبثق نور الإسلام ويشاء الله أن يسمع عمر آيات من القرآن تتلى في بيت أخته، فيمس القرآن شغاف قلبه، ويكون التحول العظيم، فيخر عمر ساجداً لله رب العالمين، ويصبح رجلاً معتدل العقل والعاطفة.
نعم.. يطوف بالبيت الحرام ويقول وهو يقبل الحجر الأسود: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
ويقطع الشجرة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها بيعة الرضوان، ولما سئل: لم قطعتها يا أمير المؤمنين؟ يقول: أخاف أن يأتي زمان يطوف الناس من حولها ويقولون: هنا بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فتكون فتنة.
ويرق قلب عمر وتتملكه عاطفة جياشة إشفاقاً على بغلة لم يمهد لها الطريق مخافة أن تتعثر ويقول: أخاف أن يسألني عنها ربي يوم القيامة: لِمَ لم أمهد لها الطريق؟
سبحان الله.. إلى هذا الحد تعتدل عقلاً وعاطفة يا عمر؟ نعم.. إنه القرآن.
نعم.. لقد سادت أمتنا يوم استبصرت القرآن واستلهمته فأنار لها الطريق وهداها إلى صراط الله المستقيم، وبغير ذلك لن تنصلح أحوالنا ولن تعود أمتنا إلى سابق مجدها، بل إنه بالقرآن وحده تكون حياتنا، وبغيره لا تكون.