من بين الجمل المستخدمة في اللغة الفرنسية، تلك التي يعبر من خلالها صديق لصديقه مثلاً عن حالة حب من النظرة الأولى بالقول: تعرضت لضربة صاعقة.
في فرنسا التي توصف لغتها بأنها من أكثر اللغات رومانسية في العالم، يبرز مصطلح اسمه «لذة النص» لرولان بارت المفتون باللغة إلى حد افتراض «موت المؤلف» مقابل إعطاء أهمية كبرى لسطوة القارئ.
يكتب أحد تلامذة بارت محدثاً بمفهوم يمزج بين الحب والقراءة قائلاً: إن كتاباً أعجبني يشبه امرأة وقعت في حبها، إلى الجحيم أجدادها وتاريخ مولدها ودرجاتها العلمية ووسطها الاجتماعي. يمكن هنا التساؤل هل للقارئ أن يحب كتاباً من النظرة الأولى، على طريقة انهمار العاصفة في ضربتها المفاجئة السريعة تلك؟
ما هي العوامل التي تجعل القارئ يمارس ذلك الذي يمكن تسميته بالقراءة من أول نظرة، على طريقة الحب من أول نظرة؟
أمام كم المعروض من الكتب ومن غيرها، وفي ظل توفر عدة خيارات من الوسائط الإعلامية والتثقيفية والترفيهية الأخرى، بات اختيار أي كتاب من النظرة الأولى يخضع لعدة أمور ينبغي أن تتوفر فيه كي يكون جذاباً.
إن الذكاء في اختيار العنوان والغلاف وصورته، والكلمة المفتاحية، والعبارة الترويجية المختلفة، والمثيرة للقارئ، هي أشياء تسبق اسم المؤلف وشهرته وجودة ما يكتب عادة، إنها أشياء يمكن أن تسمى عتبات الكتاب أو عتبات النص، التي سيتجاوزها القارئ عتبة عتبة بشغفه البالغ وكأنه صوفي يرقى في مدارج المعرفة الخاصة به، ثم يجد نفسه متورطاً ورطة جميلة تسمى القراءة الكاملة.
وعتبات النص أو الكتاب هي ما عرفه الناقد الفرنسي «جيرار جينيت في كتابه «عتبات» عام 1987، والذي أوضح فيه البنية المفاهيمية لهذا المصطلح فهو عنده: «ما يصنع به النص من نفسه كتاباً يفتح ذاته بهذه الصفحة على قرائه خصوصاً وعلى الجمهور عموماً، أي ما يحيط بالكتاب من سياج أولي (عتبات بصرية ولغوية)».
وقد تعددت الترجمات الاصطلاحية لكلمة عتبات، لكنها تقريباً كلها تؤول إلى ما يعرف بالنص الموازي الذي يتشكل من «النص المحيط، والنص الفوقي». العنوان وهو مقدمة فضاء النص المحيط، وإلى جانبه كل من العناوين الفرعية والداخلية للفصول والمقدمة، بالإضافة إلى الملاحظات التي يمكن للكاتب أن يشير إليها، وكل ما يتعلق بالمظهر الخارجي للكتاب، كالصورة المصاحبة للغلاف، أو كلمة الناشر على ظهر الغلاف أو مقطع معين من المحكي.
يلعب الكاتب والناشر إذاً لعبة قديمة هي فن التحكم في المتلقي، وهي لعبة تخاطب ذهنيات وميولاً سلوكية لدى المتلقي وتعمل عليها من خلال فهمها ودراستها، ولا تقتصر على القارئ فقط، وتهدف إلى الانتقال به إلى الوقوع في حب النص- أو المعروض بشكل عام.
ففي فن المسرح، فإن المخرج الروسي الشهير قسطنطين ستانسلافيسكي الذي يعتبر أحد مؤسسي المسرح الحديث، يرى أهمية بالغة لاختيار المشهد الافتتاحي للعرض المسرحي، وأنه لا بد أن يكون مبهراً، صادماً لدرجة الجاذبية والاستحواذ على انتباه المتلقي تماماً، ويعتبر أنه حين لا يحقق العرض تلك البداية فقد ضيع الفرجة وليس بمستحق لها. نفس المبدأ تقريباً نجده في الأساسيات المهنية لفن الكتابة للصورة وإعداد التقارير في التلفزيون، فالقاعدة الذهبية للتقرير التلفزيوني تقول إنك قد تجبر المشاهد على أن ينتظر تقريرك الذي يستمر غالباً وكحد متعارف عليه لدقيقتين، وقد تخسره فيغير المحطة بمجرد النظرة الأولى إلى عملك.
وحتى في التسويق التجاري للمشاريع الاقتصادية صغيرة أو كبيرة، هناك عمل حثيث على النظر في عقليات المتلقين، ففي الولايات المتحدة الأمريكية قامت فتاة صاحبة شركة محدودة، بابتكار طريقة خاصة للعرض تبين قيمة بعض الكلمات وقوة تأثيرها من النظرة الأولى في المتلقي.
فقد كانت الفتاة وتدعى سام تملك شاحنة لنقل الأثاث، فقررت وضع الجملة التالية بخط عريض على مكان بارز من الشاحنة: دع سام تقوم بذلك، وكان الأمر لافتاً وجاذباً بشكل غير طبيعي بالمرة.
ويبدو تأثير مراعاة تلك الذهنيات والرغبات والمهارة في تأسيس عتبات الكتاب تبعاً لذلك جلياً في عالم الكتب سابقاً وحالياً وربما لاحقاً.
فتنة الغلاف
ثمة كتب ما زالت تتصدر المشهد وتجتذب القراء حتى اللحظة ومن المشاهدة الأولى رغم مرور عشرات السنين على كتابتها ونشرها، فمثلاً رواية 1984 لجورج أورويل والتي كتبت منذ أزيد من سبعين عاماً، تسجل منذ أشهر عودة قوية إلى قمة مبيعات موقع أمازون للكتب، ليس فقط لموضوعها الإشكالي الهام والمتماهي في كل فترة مع بعض الأحداث والمسارات السياسية عبر العالم، وليس فقط لأن كاتبها من أشهر كتاب الرواية عبر العصور، بل لأن عنوانها يخطف بصر من لم يسمع بها ولا بكاتبها ولا بموضوعها من قبل: 1984، والسؤال الذي سيجتذب القارئ من النظرة الأولى للعنوان هو: ماذا يعني هذا العنوان الرقمي المثير للفضول؟.
يتجلى ذلك أيضاً في رواية القاص والناقد اللبناني إلياس خوري «يالو»، إذ يلعب الكاتب هنا على جزئية إثارة حيرة القارئ ودفعه لمحاولة استكشاف دلالات العنوان ومعناه، يحفزه في ذلك الاقتصاد اللغوي الذي تمت من خلاله صياغة العنوان.
وبالعكس ثمة قصص وكتب ليست بشهرة رواية 1984، فكتابها لم يحظوا بنفس الشهرة حتى الآن، ومع ذلك نجدها جاذبة من النظرة الأولى للعنوان أو لصورة الغلاف أو للموضوع...
فرواية «لا حواء ولا آدم» للكاتبة البلجيكية إيميلي نوثومب، ستحدث عند أي قارئ لها تأثيراً فورياً فيما يتعلق بالعنوان، وغالباً سيستفزه ذلك العنوان لقراءة الرواية ولمعرفة ما هو أو من هو الذي ليس «حواء ولا آدم»، ذلك أن العنوان بحسب وصف أمبرتو ايكو له هو قاعدة عليها أن ترن دائماً وتخلخل الأفكار لدى المتلقي.
أما حين تمتزج الإثارة والتساؤل المدهش في العنوان والغلاف فحدث ولا حرج عن التأثير الفوري في القارئ.
يمكن أن نذكر مثالاً على ذلك بكتاب للصحفية والكاتبة والمترجمة اللبنانية جمانة حداد تحت عنوان «صحبة لصوص النار» وفي الغلاف صور بالأبيض والأسود لبعض كبار الأدباء في العالم.
والكتاب هو عبارة عن سلسلة حوارات أجرتها الكاتبة مع أولئك الكتّاب والأدباء العالميين أمثال أمبرتو ايكو، وجوزيه ساراماغو، وايف بونفوا، وبول أوستر، وباولو كويلو، وبيتر هاندكه، وماريو فارغاس يوسا، وألفريده يلينيك، وريتا دوف وغيرهم.
وأحياناً تبرز بعض الكلمات التي يضعها الناشر حول الغلاف مثيرة جداً للقارئ خصوصاً لو تضافرت مع صورة الغلاف المتناصة مع العنوان، ليصنع كل ذلك مزيجاً يورط القارئ في مناخه الساحر.
فمثلاً رواية الكاتب ج.س.واتسون الصادرة سنة 2011، كتبت على غلاف نسختها العربية الجملة التالية: ترجمت هذه الرواية إلى 37 لغة في مختلف أنحاء العالم، ومع صورة الغلاف التي تمثل عيناً أنثوية نائمة، ومع العنوان الذي يكمل لوحة الإثارة وهو: «قبل أن أخلد إلى النوم»!.
لكن لا يمكن الحديث هنا بدقة عن أي عتبات الكتاب تكون أكثر قدرة على اجتذاب القارئ وإقناعه بفعل القراءة من نظرته الأولى لذلك، لا يمكن الجزم بدقة هل العنوان أو صورة الغلاف أكثر جاذبية من الكلمة المفتاحية أو اسم الكاتب وشهرته، أو العبارة الإطرائية المنوهة بالكتاب كعبارات من قبيل بيعت من هذه الرواية مليون نسخة.
ليست هناك محددات دقيقة يمكننا الاعتماد عليها لتحديد قوة وترتيب عناصر عتبات الكتاب في التأثير في قارئه، فالأمر مهما قيل فيه من محددات وترتيبات متعلق بمزاجية القارئ، ومتعلق أكثر بتلك المنظومة الذهنية والسلوكية التي تميز قارئاً عن قارئ والتي أشرنا إليها آنفاً.
وحتى إن التأثر بعتبات النص أو الكتاب يختلف ما بين الرواية كشكل أدبي والشعر كشكل آخر مختلف، ففي الشعر قد لا ينجذب القارئ للقصيدة من مجرد التواصل مع عنوانها، قد لا يثير لديه حاسة القراءة وشغفها، لكن أول بيت منها أو أول جملة شعرية منها قد تبقيه أسيراً لها حتى تنتهي القصيدة.
في الشعر تتطلب عتبات النص أموراً إضافية تتعلق بمستويات اللغة الشعرية، التي لا بد أن تطل حتى عبر الغلاف والكلمات الإشارية والتنويه فضلاً عن العنوان ونوعية القصيدة إن كانت من الشعر الخليلي أو من شعر التفعيلة أو من قصيدة النثر.
فديوان الراحل أمل دنقل الأول المعنون ب «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» يسجل قصيدة متكاملة في عنوانه أولاً، ويغري أي متذوق للشعر بالولوج إلى عمق قصائده، ويجعله يكتشف في كل عنوان من عناوين قصائد الديوان، ديواناً شعرياً قائماً بذاته.
دعنا فقط نتأمل في صمت القارئ الذي يجذبه شغفه من أول نظرة عناوين قصائد ديوانه ذاك: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، كلمات سبارتاكوس الأخيرة، ظمأ ظمأ، الحزن لا يعرف القراءة، العشاء الأخير، من مذكرات المتنبي في مصر.
ويمكن اعتبار تجربة الراحل أمل دنقل في التعامل مع عتبات النص تجربة معيارية لجيل الرواد في الحركة الشعرية العربية الحديثة، فهو يعتبر أحد الذين أسهموا في تطور حركة الشعر الحر في مصر والعالم، وقد صدر ديوانه الأول ذاك بعد ما يقارب مرور عشرين عاماً على ظهور شعر التفعيلة.
لذلك يمكن القياس عليه في مدى تنامي اهتمام الشعراء العرب المعاصرين تحديداً بالاشتغال على عتبات النص أو الديوان الشعري عموماً، وملاحظة أن العنوان عندهم مختلف في رمزيته، في ألقه، في تأثيره، عن نظيره في الرواية أو القصة أو غيرها، وحتى إن ترتيب وتفاضل عتبات الكتاب عموماً سيختلف في الشعر عن النثر بحسب تعامل القارئ مع كلا النمطين المختلفين.
الجملة المفتاح
قامت جريدة التلغراف البريطانية باستطلاع آراء خبراء الأدب، فاختاروا أعظم ثلاثين عبارة افتتاحية روائية من وجهة نظرهم.
ولم ترتب الصحيفة تلك الجمل الافتتاحية نظراً لاختلاف أذواق القراء وهو ما يعزز ما ذهبنا إليه سابقاً من استحالة ترتيب عناصر العتبات ترتيباً محدداً جامداً، وسنكتفي هنا ببعض الأمثلة منها للدلالة على أهمية الكلمات الافتتاحية كجزء هام من عتبات النص.
يمكننا ملاحظة بداية الجمل الافتتاحية مع جملة «يقر العالمون بحقيقة أن أي رجل أعزب لديه ثروة جيدة، حتماً يرغب في زوجة»، التي تصدرت رواية (عشق وكبرياء) للكاتبة الإنجليزية جاين أوستين وعبرت فيها عن تمردها النابع من قناعتها بأن المرأة ليست جزءاً من الأثاث، أو الإكسسوار يكمل به الرجل منزله، ولكنها كيان يجب احترامه.
«كل الأسر السعيدة متشابهة، بينما كل أسرة تعيسة على طريقتها» هذه الجملة افتتح بها الروسي ليوتولستوي روايته (آنا كارنينا).
ثم «كانت أفضل الأوقات وأسوأها، عصر الحكمة والحماقة معاً، عهد الإيمان والكفر، موسم النور والظلمة، بين ربيع الأمل ويأس الشتاء، كان أمامنا كل شيء وليس أمامنا شيء، وكنا إلى الجنة جميعاً مباشرة ذاهبين وإلى جهنم كذلك ماضين». وهي جملة افتتح بها الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز روايته (قصة مدينتين).
ثم جاءت الجملة الافتتاحية «كان يوماً بارداً مشرقاً من أيام شهر أبريل/نيسان والساعات تشير إلى الثالثة عشرة»؛ للكاتب جورج أورويل في روايته التي سبقت الإشارة إليها.
وأضافت الجريدة جملة «كان صيفاً غريباً وقائظاً، حيث أعدموا فيه آل روزنيرج صعقاً بالكهرباء، ولم أكن أعرف ما الذي كنت أفعله في نيويورك، تملكني شعور بالبله تجاه الإعدام، بل وفكرة القتل صعقاً بالكهرباء التي كانت تثير في نفسي الغثيان» للكاتبة الأمريكية سيلفيا بلاث في رواية (الناقوس الزجاجي).
ثم جملة «لن تعرفني عزيزي القارئ إن لم تكن قرأت كتاباً بعنوان «مغامرات توم سوير»؛ وإن كنت أظن أنه لا أهمية للأمر، فذلك الكتاب وضعه السيد مارك توين قاصداً أن يخبركم الحقيقة وإن سمح لنفسه أن يبتدع البعض من نسج خياله، ولكنه توخى الصدق فيه، وعلى أية حال فإنني لا أذكر أني صادفت إنساناً لم يكذب ولو مرة»، وقد وردت في افتتاحية رواية الأمريكي مارك توين (مغامرات هاكلبري فين).
وهناك جملة «إن كنت أثرت اهتمامك وفضولك بالفعل، فأظن أن أول ما ترغب في معرفته هو المكان حيث ولدت وأمضيت طفولتي الحقيرة، وما هو عمل والدي قبل أن ينجباني، وهذا اللغو الذي اعتدناه مع«ديفيد كوبر فيلد»، ولكني لا أشعر برغبة في ذلك، لأنها ستضجرني، كما أن أبي وأمي سيصابان بنزيف حاد إن رويت شيئاً عن حياتهما الخاصة، فهما حساسان للغاية وخاصة أبي ولكنهما طيبان لا شك في ذلك، كما أني لا أنوي كتابة سيرتي الذاتية اللعينة، بل سأتناول فقط الأحداث الجنونية التي مرت بي مؤخراً» وهي افتتاحية رواية (الحارس في حقل الشوفان) للأمريكي ج.د. سالنجر.
وأوردت الصحيفة كذلك الجملة الافتتاحية: «يقولون إنه عندما تأتيك مشكلة وحد الصفوف، هكذا يفعل البيض»، للروائية جين ريس من جمهورية الدومنيكان التي افتتحت بها روايتها (بحر سارجاسو الواسع).
أما المثال الأخير من قائمة جريدة التلغراف تلك والذي سنقتبسه هنا فهو الجملة الافتتاحية: «في صغري وقت أن كنت سريع التأثر والغضب، أهداني والدي بعض النصائح لم تبرح عقلي منذ ذلك الحين فقال (كلما شعرت برغبة في انتقاد أحد تذكر أن الناس في هذا العالم جميعهم لا يتمتعون بما لديك من ميزات)» ، وهي جملة للروائي الأمريكي سكوت فيتزجيرالد صدّر بها روايته (غاتسبي العظيم).
يبدو من خلال المطالعة السريعة لتلك النماذج من الكلمات الافتتاحية الروائية، والتي صنفت على أنها الأعظم، أن التقييم النقدي لها قد يغفل عدة جوانب هامة في تقييم عالميتها.
فالترجمات إلى لغات غير لغات تلك الروايات التي قدمت افتتاحياتها على أنها الأهم في العالم كله، قد تفقد أحياناً تلك الكلمات سحرها وجاذبيتها وبالتالي لا تجعلها تثير القارئ وتدفعه لتبني النص في دائرة قراءاته المفضلة.
وإجمالاً يمكن القول إنه برغم كل الآراء النقدية التي تحاول تحديد إطار شامل تقاس من خلاله عملية صناعة عتبات النص، فإن أياً من ذلك سيبقى ناقصاً وكليلاً ما لم يشتغل على دمج التحليل النفسي للقراء المختلفين في ثقافاتهم والرأسمال الرمزي لهم، وحتى الجغرافيا التي تحدد نوعية اللغة، وإشكالات الترجمة منها وإليها، ومدى محافظتها على سحر وجودة صياغة عتبات النص الأصلي.
ويبقى بعد كل ذلك أن نقول إن نجاح أي كتاب أو نص في تجاوز كل تلك العقبات والوصول للقارئ حتى ولو كان مختلفاً عنه ثقافياً، وخطف اهتمامه من أول نظرة هو نجاح جدير حقاً بالاحتفاء به.